أبو الحسين ابن أبي يعلى - طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 318, entry [149]14,625 chars
٨٦ - إبْراهِيْمُ بنُ إِسْحَق (¬١) بنِ إِبْراهيمَ بنِ بُشَيْر بنِ عبدِ اللهِ بن دَيْسَمٍ،أَبُو إسحق الحَرْبِيُّ. وُلِدَ سنةَ ثمانٍ وتسعين ومائة. وسَمِعَ أَبَا نُعَيْمٍ الفَضْلَ ابنَ وكَيْنٍ، وعفَّانَ بَنُ مُسْلِمٍ، وعبدَ اللهِ بنَ صالحٍ العِجْلِيَّ، وإِمَامِنَا أَحْمَدَ في آخرِين. ونَقَلَ عن إِمَامِن…
▸ expand full passage (14,625 chars)٨٦ - إبْراهِيْمُ بنُ إِسْحَق (¬١) بنِ إِبْراهيمَ بنِ بُشَيْر بنِ عبدِ اللهِ بن دَيْسَمٍ،أَبُو إسحق الحَرْبِيُّ. وُلِدَ سنةَ ثمانٍ وتسعين ومائة. وسَمِعَ أَبَا نُعَيْمٍ الفَضْلَ ابنَ وكَيْنٍ، وعفَّانَ بَنُ مُسْلِمٍ، وعبدَ اللهِ بنَ صالحٍ العِجْلِيَّ، وإِمَامِنَا أَحْمَدَ في آخرِين. ونَقَلَ عن إِمَامِنَا "مَسَائِلَ" سَمِعْنَاهَا، ونَحْنُ نَسُوْقُ مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا. رَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ بنِ أَبي دَاودَ، وأَبُو بَكْرٍ بنِ الأنْبَارِيِّ، وأَبُو بَكْرٍ النَّجادُ، وأَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ، في آخرين. وكَانَ إِمَامًا في العِلْمِ، رأْسًا في الزُّهْدِ، عَارِفًا بالفِقْهِ، بَصِيْرًا بالأحْكَامِ، حافِظًا للحَدِيْثِ، وصنَّفَ كُتُبًا كَثيْرةً؛ منها: "غَرِيْبُ الحَدِيْثِ" (¬١)، و"دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ"، وكتاب "الحَمَّام"، و"سُجُوْدُ القُرآنِ"، و"ذَمُّ الغَيْبَةِ"، و"النَّهْيُ عن الكَذِبِ"، و"المَنَاسِكُ" (¬٢) وغَيْرُ ذلك قَالَ إِبْراهيمُ: رَأَيْتُ رِجَالَاتِ الدُّنْيَا، فَلَم أَرَ مثلَ ثَلَاثةٍ؛ رأَيْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَعْجَزُ النِّسَاءُ أَنْ يَلِدْنَ مثلَهُ، وَرَأَيْتُ بِشْرَ بنَ الحَارِثِ من قَرْيهِ إِلى قَدَمِهِ مَمْلُوْءًا عَقْلًا، وَرَأَيْتُ أَبَا عُبَيْدٍ كَأَنَّهُ جَبَلٌ نُفِخَ فيه عِلْمٌ. وقَالَ إِبْرَاهِيْمُ الحَرْبِيُّ: مَا شَكَوْتُ إِلَى أُمِّي ولا إِلى أُختي ولا إلىامْرَأَتِي، ولَا إِلى بَنَاتِيْ حُمًّى قَطُّ وَجَدْتُهَا، الرَّجُلُ هو الَّذي يُدْخِلُ غَمَّهُ على نَفْسِهِ، ولايُغِمُّ عِيَالَهُ. وَكَانَ بي شَقِيْقةٌ خَمْسًا وأرْبَعين سَنَةً، ما أخبرتُ بِهَا أحَدًا قَطُّ، ولي عُشرون سنةً أُبْصِرُ بفَرْدِ عَيْنٍ ما أَخْبَرْتُ بِهَا أَحَدًا قَطُّ (¬١)، وأَفْنَيْتُ من عُمُرِي ثلاثينَ سنةً بِرَغِيْفَيْنِ، إِنْ جَاءَتْنِي بهما أُمِّي أَو أُخْتِي أَكَلْتُ، (¬٢) وإلَّا بَقِيْتُ جَائِعًا عَطْشَانًا إِلى اللَّيْلَةِ الثَّانيةِ، وأَفْنَيْتُ ثلاثين سَنَةً من عُمري برَغِيْفٍ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، إِنْ جَاءَتْنِي امرأتي أَو [إِحْدَى] (¬٣) بَنَاتِي بِهِ (¬٤) أكلتُهُ، وإِلَّا بقيتُ جَائعًا عَطْشَانًا إِلى اللَّيْلَهِ الأُخرَى. والآن آكلُ نِصْفَ رَغِيْفٍ وأَرْبَعَ عَشْرَةَ تَمْرَةً إِنْ كَانَ بَرْنيًّا، أَو نَيِّفًا وعِشرينَ إِنْ كَانَ دَقَلًا (¬٥). ومَرِضَتْ ابنَتِيْ فَمَضَتْ امرَأَتِي فَأَقَامتْ عندَهَا شَهْرًا، فَقَامَ إِفطَاري في هذَا الشَّهْرِ بدِرْهَمٍ ودَانقين ونصف. ودَخَلْتُ الحَمَّامَ واشتَرَيْتُ لَهم صَابُونًا بدَانِقَيْنِ (¬٦)، فَقَامَتْ نَفَقةُ شَهْرِ رَمَضَان كُلِّه بدِرْهَمٍ وأَرْبَعةٍ دَوَانِيْقَ ونصْفٍ.وأَنْبأنَا (¬١) عَليٌّ، عن ابنِ بَطَّةَ، قال: سَمِعْتُ أَبَا بَكرِ بنَ أَيُّوبَ العُكُبَرِيَّ يقولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيْمَ الحَرْبِيَّ يَقُولُ: مَا تَرَوَّحْتُ (¬٢) ولا رُوِّحُتُ قَطُّ، ولا أَكَلْتُ منْ شَيْءٍ وَاحِدٍ في يَوْمٍ مرَّتَيْنِ. وأَنْبَأْنَا أَبُو بَكْرٍ المُقْرِئُ (¬٣) عن ابنِ سَمْعُوْنَ قَالَ: قَالَ أَحْمَدُ بنُ سُلَيْمَان القَطِيْعيُّ: أُضِقْتُ إضاقةً، فَمَضَيْتُ إِلى إِبْرَاهِيْمَ الحَرْبِيِّ لأَبثُّهُ مَا أَنَا فيه، فَقَالَ لي: لا يَضِقْ صَدْرُكَ، فَإِنَّ اللهَ مِنْ وَرَاءِ المَعُوْنَةِ، وإِنِّي أُضِقْتُ مَرَّةً حَتَّى انتَهَى أَمْرِي في الإضَاقَةِ إلى أَنْ عَدِمَ عِيَالي قُوْتَهُم، فَقَالَتْ ليَ الزَّوْجَةُ: هَبْ اَّني أَنَا وإِيَّاكَ نَصْبِرُ فَكَيْفَ نَصْنَعُ بهَاتَيْنِ الصَّبِيَّتينِ؟ فَهَاتِ شَيْئًا من كُتُبِكَ حَتَّى نَبِيْعَهُ أَوْ نَرْهنَهُ، فَضَنَنْتُ بِذلِكَ، وقُلْت: اقْتَرِضِي لَهُمَا شَيْئًا، وأنْظِرِيْني بقيَّةَ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، وكَانَ لي بَيْتٌ في دَهْلِيْزِ دَاري فيه كُتُبِيْ، فكُنْتُ أجْلِسُ فيه للنَّسْخِ وللنَّظَرِ. فَلمَّا كَانَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِذَا دَاقٌّ يَدُقُّ البَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: رَجُلٌ من الجِيْرَانِ، فَقُلْتُ: ادخُلْ. فقالَ: أَطْفِئِ السِّرَاجَ حَتَى أَدْخُلَ، فكَبَبْتُ على السِّراجِ شَيْئًا، وقلتُ: ادْخُلْ، فَدَخَلَ وتَركَ إلى جَانِبي شَيْئًا وانْصَرَفَ، فكَشَفْتُ عنِ السِّرَاجِ ونَظَرْتُ، فَإِذَا مِنْدِيْلٌ لَه قِيْمَةٌ، وفيه أنواعٌ مِنَ الطَّعامِ، وكاغِدٌ فيه خَمْسُمَائةِدِرْهَمٍ، فَدَعَوْتُ الزَّوْجَةَ، وقُلْتُ: أنْبِهِيْ الصِّبْيَانَ، حَتَّى يَأكلُوا، ولَمَّا كَانَ من الغَدِ قَضَيْنَا دَيْنًا كَانَ عَلَيْنَا من تِلْكَ الدَّارَاهِمَ، وكانَ وَقْتَ مَجِيْءِ الحَاجِّ من خُرَاسَان، فَجَلَسْتُ عَلى بَابِي من غَدِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَإِذَا جَمَّالٌ يقودُ جَمَلَيْنِ عليهما حِمْلَانِ وَرَقًا، وهُوَ يَسْأَلُ عَن مَنْزِلِ الحَرْبِيِّ، فانْتَهَى إليَّ، فَقُلْتُ: أَنَا إِبْرَاهيمُ. فَحَطَّ الحِمْلَيْنِ، وقَالَ: هَذَانِ الحِمْلَانِ أنفَذَهُمَا لَكَ رَجُلٌ من خُرَاسَان، فَقُلْتُ: مَنْ هُوَ؟ فقَالَ: قَد استَحْلَفَنِي أَنْ لا أَقُولَ مَنْ هُوَ وقَالَ أَبُو عُثْمَانَ الرَّازِيُّ (¬١) جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ المُعْتَضِدِ (¬٢) إلى إِبْراهِيْمَ الحَرْبِيِّ بعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ من عندِ المُعْتَضِدِ، يَسْألهُ عن أَميرِ المُؤْمِنين أَن يُفَرِّقَ ذلِكَ، فَرَدَّهُ، فانصَرَفَ الرَّسُولُ ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: إِنَّ أَميرَ المُؤْمِنيْنَ يَسْألكَ أَنْ تُفَرِّقَهُ في جِيْرَانِكَ، فَقَال: -عَافَاكَ اللهُ-. هَذَا مَالٌ لَمْ نَشْغَلْ أَنْفُسَنَا بِجَمْعِهِ، فَلَا نَشْغَلُهَا بتَفْرِقَتِهِ، قْلْ لأميرِ المُؤْمِنِيْنَ: إِنْ تَرَكْتَنَا وإلَّا تَحَوَّلْنَا من جِوَارِكَ. وقَالَ أَبُو القَاسِمِ بنُ الجَبُّلِيِّ (¬٣): اعْتَلَّ إبراهِيمُ الحَرْبِيِّ علَّة أَشْرَفَفيها على المَوْتِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْه يَوْمًا، فَقَالَ لي: يَا أَبَا القَاسِمِ، أَنَا في أَمْرٍ عَظِيْمٍ معَ ابْنَتِيْ. ثُمَّ قَالَ لِهَا: قُومِي اخْرُجِي إلى عَمِّكِ، فَخَرَجَتْ، فَألقَتْ عَلَى وَجْهِهَا خِمَارَهَا، فَقَالَ لَهَا إِبْراهِيْمُ: هَذَا عَمُّك كَلِّمِيْهِ، فقَالَتْ لي: نَحْنُ في أمير عَظِيْمٍ لا في الدُّنْيَا ولا في الآخرةِ، الشَّهْرُ والدَّهْرُ مَا لَنَا طَعَامٌ إلَّا كِسَرًا يَابسَةً ومِلْحًا، ورُبَّمَا عَدِمْنَا المِلْحَ، وبالأمْسِ قَدْ وَجَّهُ إِليه المُعْتَضدُ مَعَ بَدْرٍ (¬١) أَلْفَ دِيْنَارٍ، فَلَمْ يأْخُذْهَا، وَوَجَّهُ إِليه فُلانٌ وفُلانٌ فَلَم يَأْخُذْمنهما شَيْئًا، وهو عَلِيْلٌ، فالتَفَتَ الحَرْبِيُّ إِلَيْهَا وتَبَسَّمَ، وقالَ: يا بُنَيَّةَ، إِنَّمَا خِفْتِ الفَقْرَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ لَهَا: انظُرِي إِلى تِلْكَ الزَّاوِيَةِ، فَنَظَرَتْ، فَإِذَا كُتُبٌ، فَقَالَ: هُنَاكَ إِثْنَا عَشَرَ ألف جُزْءٍ، لُغَةٌ وغَرِيْبٌ، كَتبتُهُ بِخَطِّي، إِذَا مِتُّ فَوَجِّهِي في كلِّ يَوْمٍ بجُزْءٍ تَبِيْعِيْنَهُ بِدِرْهَمٍ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ إِثْنَا عَشَرَ أَلْفَ درْهَمٍ لَيْسَ هو فَقِيْرًا. وأَنْبَأَنَا الحَسَنُ بنُ عَليٍّ الجَوْهَرِيُّ (¬١)، حَدَّثنا مُحمَّدُ بنُ العَبَّاسِ الخَزَّازُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ محمَّدَ بنَ عبدِ الوَاحِدِ اللُّغَوِيِّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ ثَعْلَبًا يَقُوْلُ: مَا فَقَدْتُ إِبْراهِيْمَ الحَرْبِيَّ من مَجْلِسِ لُغَةٍ أوْ نَحْوٍ (¬٢) خَمْسين سَنَة. وقَالَ إِبْراهيمُ الحَرْبِيُّ (¬٣): مَا أَخَذْتُ عَلَى عِلْمٍ قَطُّ أَجْرًا إِلاَّ (¬٤) مَرَّةً وَاحِدَةً، فإِنِّي وَقَفْتُ على بَقَّالٍ (¬٥)، فَوَزَنْتُ لَهُ قِيْرَاطًا إلَّا فِلْسًا، فَسَأَلني عنمَسْئَلَةٍ فَأجَبْتُهُ. فَقَالَ للغُلَامِ: أَعْطِهِ بقِيْرَاطٍ ولا تَنْقُصْهُ شَيْئًا فَزَادَنِي فِلْسًا وَقَالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمَدَ بنِ حَنْبَلٍ: كَانَ أَبي يقولُ: امْضِ إِلى إِبْراهيمَ الحَرْبِيِّ حَتَّى يُلْقِيَ عَلَيْكَ الفَرَائِضَ (¬١). ولَمَّا مَاتَ سَعِيْدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ جَاءَ إِبْراهيمُ الحَرْبِيُّإلى (¬١) عَبْدِ الله بن (¬١) أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، فَقَامَ إِلَيه عَبْدُ اللهِ، فَقَالَ: تَقُوْمُ إِليَّ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لِمَ لَا أَقُوْمُ؟ واللهِ لَوْ رَآكَ أَبِي لَقَامَ إِلَيْكَ، فَقَالَ الحَرْبيُّ: والله لَوْ رَأَى ابنُ عُيَيْنَةَ أَبَاكَ لَقَامَ إِلَيْهِ. وَقَالَ محمَّدُ بنُ صالحٍ القاضِي (¬٢): لا نَعْلَمُ أَنَّ بَغْدَادَ أَخرجَتْ مثلَ إِبراهيمَ الحَرْبِيِّ في الأدَبِ والحَدِيْثِ، والفِقْهِ، والزُّهْدِ.وَقَالَ إِبراهيمُ الحَرْبِيُّ لِجَمَاعَةٍ عِنْدَهُ (¬١): مَنْ تَعُدُّوْنَ الغَرِيْبَ في زَمَانِكُم هذَا؟ فَقَالَ واحدٌ منهم: الغَرِيْبُ من نَأَى عن وَطَنِهِ، وقال آخرُ: الغَرِيْبُ منْ فَارَقَ أَحْبَابَهُ، وقال كلُّ وَاحِدٍ منهم شَيْئًا، فقَالَ إِبْراهيمُ: الغَرِيْبُ في زَمَانِنِا رَجُلٌ صَالحٌ عاشَ بينَ قَوْمٍ صَالِحِيْنَ، إِنْ أَمَرَ بالمَعْرُوفِ آزَرُوْهُ، وإِنْ نَهَى عنِ المُنْكَرِ أَعَانُوْهُ، وإن احتَاجَ إلى سَبَبٍ من الدُّنْيَا مانُوه، ثُمَّ مَاتُوا وَتَرَكُوْهُ. وقَالَ محمَّدُ بنُ خَلَفٍ وَكِيْعٌ (¬٢): كان لإبْراهيمَ الحَرْبِيِّ ابنٌ، وكانَ لَهُ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، قد حَفِظَ القُرآن، ولَقَّنَهُ من الفِقْه شَيْئًا كَثيْرًا، قَالَ: فَمَاتَ، فجِئْتُ أُعزِّيه، قَالَ: فَقَالَ لي: كُنْتُ أشتَهِيْ مَوْتَ ابْنِي هذَا، قَالَ: قُلْتُ: يا أَبَا إسْحَق، أنتَ عالمُ الدُّنْيَا، تَقُول مثلَ هذا في صَبِيٍّ قَدْ أنْجَبَ، ولقَّنْتَهُ الحَدِيْثَ والفِقْهَ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ في النَّومِ كأَنَّ القِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، وكأنَّ صِبْيَانًا بأَيْدِيْهِم قِلَالٌ فيها مَاءٌ، يَسْتَقْبِلُوْنَ النَّاسَ يَسْقُونَهُم، وكأنَّ اليَوْمَ يومٌ حَارٌّ شَدِيْدٌ حَرُّهُ، فَقُلْتُ لأحَدِهِم: اسْقِنِي من هَذَا المَاءِ،قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ وقَالَ: لَسْتَ أَبِي، فقلتُ: فَأَيْشٍ (¬١) أَنْتُمْ؟ فَقَالَ: نحنُ الصِّبْيَانُ الَّذِيْنَ مِتْنَا في دَارِ الدُّنْيَا، فَخَلَّفْنَا آباءَنَا نَسْتَقْبِلُهُم فَنَسْقِيْهِمْ المَاءَ، قَالَ: فَلِهذَا تَمَنَّيْتُ مَوْتَهُ. وَقَالَ مُحمَّدُ بنُ عبدِ الله الكَاتِبُ (¬٢): كُنْتُ يومًا عندَ محمَّد بن يَزِيْد المُبَرِّدِ، فَأَنْشَدَ: جِسْمِيْ مَعِيْ، غَيْرَ أَنَّ الرُّوْحَ عِنْدَكُمُ … فَالْجِسْمُ فِي غُرْبَةٍ والرُّوْحُ في وَطَنِ فَلْيَعْجَبِ النُّاسُ مِنِّي أَنَّ لِيْ بَدَنًا … لَا رُوْحَ فِيْهِ وَلِي رُوْحٌ بِلَا بَدَنِ ثُمَّ قَالَ: مَا أَظُنُّ قَالَتِ الشُّعَرَاءُ أَحْسَنَ مِنْ هذَا. قُلْتُ (¬٣): ولا قَوْلُ الآخَرِ؟ قَالَ: هِيْهِ، قُلْتُ: الَّذي يَقُولُ: فَارَقْتكمْ، وَحَيِيْتُ (¬٤) بَعْدَكُمُ … مَا هكَذَا كَانَ الَّذِيْ يَجِبُفَالآنَ أَلْقَى النَّاسَ مُعْتَذِرًا … مِنْ أَنْ أَعِيْشَ وأَنْتُمُ غِيَبُ قَالَ: ولا هَذَا، قُلْتُ: ولَا قَوْلُ خَالِدٍ الكَاتِبِ (¬١): رُوْحَانِ لِيْ رُوْحٌ تَضَمَّنَهَا … جَسَد وَأُخْرَى حَازَهَا بَلَدُ وأَظُنُّ شَاهِدَتِيْ كَغَائِبَتِي … بِمَكَانِهَا تَجِدُ الَّذِيْ أَجِدُ قَالَ: ولَا هَذَا، قُلْتُ: أَنْتَ إِذَا هَوَيْتَ الشَّيْءَ مِلْتَ إِلَيْه، ولَمْ تَعْدِلْ إلى غَيْرِهِ، قَالَ: لَا، ولكِنَّهُ الحَقُّ، فأَتَيْتُ ثَعْلَبًا فأخبَرتُهُ، فَقَالَ ثَعْلَبٌ: أَلَا أَنْشَدْتَهٌ: غَابُوا فَصَارَ الجِسْمُ مِن بَعْدِهِمْ … مَا تَنْظُرُ العَيْنُ لَهُ فَيًّا بأَيِّ وَجْهِ أتلَقَّاهُمُ … إِذَا رَأَوْني بَعْدَهُمْ حَيًّا يَا خَجْلَتِي مِنهُمْ وَمِنْ قَوْلهِمْ … مَا ضَرَّكَ الفَقْدُ لنَا شَيْئًا قَالَ: فَأَتَيْتُ إِبْرَاهيمَ الحَرْبِيَّ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَلَا أَنْشَدْتَهُ (¬٢): يَا حَيَائِي مِمَّنْ أُحِبُّ إِذَا مَا … قَالَ بَعْدَ الفِرَاقِ إِنِّى حَيِيْتُ لَوْ صَدَقْتَ الهَوَى حَبِيْبًا (¬٣) على الصِّحَّـ … ـةِ لَمَّا نَأَى لَكُنْتَ تَمُوْتُقَالَ: فَرَجَعْت إلى المُبَرِّدِ، فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ إلَّا هَذَيْنِ البَيْتينِ، يَعْنِي بَيْتَيْ إبراهيمَ الحَرْبيِّ (¬١)، وَقَالَ إِبراهيمُ الحَرْبِيُّ (¬٢): مَا أَنْشَدْتُ بَيْتًا منَ الشِّعْرِ إلَّا قَرَأْتُ بَعْدَهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (¬٣) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَقَالَ عِيْسَى بنُ مُحَمَّدٍ الطُوْمَارِيُّ (¬٤): دَخَلْتُ على إِبراهيمَ الحَرْبيِّ، وهو مَرِيْضٌ وقَدْ كَانَ يُحْمَلُ مَاؤُهُ إِلَى الطَّبِيْبِ، وكان يَجِيْءُ إِلَيْهُ ويُعَالِجُهُ، فَجَاءَتِ الجَارِيَةُ وَرَدَّتِ المَاءَ، وقَالَتْ: مَاتَ الطَّبِيْبُ، فَبَكَى، ثُمَّ أَنشأَ يَقُوْلُ (¬٥): إِذَا مَاتَ المُعَالِجُ مِنْ سُقَامٍ … فيُوْشِكُ لِلْمُعَالَجَ أَنْ يَمُوتَ وَقَالَ عليُّ بنُ الحَسَنِ البَزَّارُ (¬٦): سَمِعْتُ إبراهيمَ الحرْبِيَّ يَقُولُ، وقدْ دَخَلَعَلَيْه قومٌ يَعُودُونَهُ. فَقَالُوا: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا أَبَا إِسْحَقَ؟ قَالَ: أَجِدُنِيْ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: (¬١) دَبَّ فِيَّ البَلَاءُ سُفْلًا وَعُلْوًا … وَأَرَانِيْ أَذُوْبُ عُضْوًا فَعُضْوَا بَلِيَتْ جِدَّتِيْ بِطَاعَةِ نَفْسِيْ … فَتَذَكَّرْتُ طَاعَةَ اللهِ نِضْوَا وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَن السُّلَمِيُّ: أنَّه سَأَلَ الدَّارَقُطْنِيَّ عن إِبراهيم الحَرْبيِّ؟ فَقَالَ: كَانَ إِمَامًا، وكَانَ يُقاسُ بأَحمدَ بنِ حَنْبَلٍ في علمِهِ، وزهُدِهِ وَوَرَعِهِ، وحَدَّثَ عُبَيْدُ الله بنُ أَبي الفَتْحِ (¬٢) عن الدَّارَقُطْنِيِّ (¬٣) قَالَ: أَبُو إسْحق الحَرْبِيُّإِمَامٌ، مُصَنِّفٌ، عَالِمٌ بكُلِّ شَيْءٍ، بَارعٌ في كُلِّ عِلْمٍ، صَدُوْقٌ، مَاتَ بِبَغْداَد سَمنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانين وَمَائَتَيْنِ (¬١). وقَالَ إِسْمَاعِيلُ الخُطَبِيُّ (¬٢): مَاتَ أَبُو إِسْحق الحَرْبيُّ يومَ الاثنين لِتسْعٍ بَقَيْنَ من ذِي الحِجَّةِ، ودُفِنَ يومَ الثُّلُاَثَاءِ لِثَمَانٍ بَقَيْنَ من ذِي الحِجَّةِ سنةَ خَمْسٍ وَثَمَانين وَمَائَتَيْنِ، وَصَلَّى عليه يُوسف بن يَعقوب القاضِي (¬٣) في شَارعِ بَابِ الأنْبَارِ، وكان الجَمْعُ كثيرًا جِدًّا، وكانَ يومًا في عَقِب مَطَرٍ وَوَحْلٍ، ودُفن في بَيْتِهِ ﵀. وقَالَ إِبْرَاهِيْمُ الحَرْبِيُّ (¬٤): سُئِلَ أَحْمَدُ عن الرَّجُلِ يَخْتِمُ القُرآنَ فيشهرِ رَمَضَان في الصَّلاةِ: أَيَدْعُو قائِمًا في الصَّلاةِ، أم يَرْكَعُ ويُسَلِّمُ ويَدْعُو بعدَ السَّلامِ؟ فَقَالَ: لا، بل يَدْعُو في الصَّلاةِ وهو قائمٌ بعدَ الخَتْمَةِ، قيلَ لَهُ: فيدعو في الصَّلاةِ بغيرِ ما في القرآن؟ قالَ: نَعَمْ. وقَالَ إِبْراهيمُ الحَرْبِيُّ (¬١): وسُئِلَ أَحْمَدُ عن رَجُلٍ صَلَّى في جَمَاعةٍ: أَيَؤُمُّ بتلِكَ الصَّلاةِ؟ قَالَ: لا، ومَنْ صَلَّى خَلْفهُ يُعِيْدُ، قيلَ له: فَحَدِيْثُ مُعَاذٍ؟ قَالَ: فيه اضْطِرَابٌ، وإِذَا ثَبَتَ فلَهُ مَعْنًى دَقِيْقٌ، لا يَجُوْزُ مثلُهُ اليَوْمَ. وقَالَ إِبْراهيمُ أيضًا (¬٢): وسُئِلَ أَحْمَدُ عن رَجُلٍ حُرٍّ مَاتَ وليس له وَارِثٌ، وله أخ مَمْلُوْكٌ تَحْتَهُ زَوْجَةٌ حُرَّةٌ؟ فَقالَ: يُؤمَرُ المَمْلُوكُ بأن يُمْسِكَ عن وَطْءِ زَوْجَتِهِ، حَتَّى يُعْلَمَ: هَلْ بِهَا حَمْلٌ أَمْ لا؟ فَإِنْ بَانَ بها حَمْلٌ فهو يَرِثُ عَمَّهُ الحُرَّ، وإِنْ لم يَكُنْ بها حَمْلٌ كان مِيْرَاثُهُ لِبَيْتِ المَالِ، قيل لَهُ: إلى كَمْ يُمْسِكُ عن وطْئِهَا؟ قال: حَتَّى تَحِيْضَ، ويَتبَيَّنُ أنَّه لَيْسَ عِنْدَهَا حَمْلٌ. وَقَالَ إبراهيمُ الحَرْبِيُّ أيْضًا (¬٣): التَّابِعُوْنَ كُلُّهم خَيْرٌ، وخَيرُهُم: أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ. وهو عِنْدِي من أجلِّهم، يَقُولُون: مَنْ حَلَفَ بالطَّلَاقِ أن لايفعلَ شيئًا ثُمَّ فَعَلَهُ نَاسِيًا. فكلُّهم يُلْزِمُوْنَهُ الطَّلاقَ. وقالَ إِبْراهيم الحَرْبي: كلُّ شَيْءٍ أقُولُ لَكُم: هَذا قولُ أَصْحَابِ الحَدِيثِ، فهو قَوْلُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، هو أَلْقَى في قُلُوْبِنَا مُنْذُ كَنَّا غِلْمَانًا اتباعَ حَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ (¬١) ﷺ، وأَقَاويلَ الصَّحَابةِ، والاقتِدَاءَ بالتَّابِعين. وأَنبَأَنَا عليٌّ البُنْدَارُ عن ابنِ بَطَّةَ قالَ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا أَبَا حَفْصٍ ﵀، لا مَرَّةً ولا مَرَّاتٍ، إِلَى مَا لَا أُحْصِيَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبراهيمَ الحَرْبيَّ يَقُولُ: يَقُولُ النَّاسُ: أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ بالتَّوَهُّمِ، واللهِ ما أعْرِفُ لأحَدٍ منَ التَّابعِيْن عليه مَزِيَّةً، ولا أَعْرِفُ أَحَدًا يُقَدِّرُهُ قَدْرَهُ، ولا يَعْرِفُ من الإسْلَام مَحلَّه، ولَقَدْ صَحِبْتُهُ عِشْرِينَ سَنَةً، صَيْفًا وشِتَاءً، وحَرًّا وبَرْدًا، ولَيْلًا ونهَارًا، فَمَا لَقِيْتُهُ لِقَاءَةً (¬٢) في يومٍ إلَّا وهوَ زائدٌ عليه بالأمْسِ، ولَقَدْ كَانَ تَقَدَّمَ أَئِمَّةَ العُلَمَاءِ من كُلِّ بَلَدٍ، وإِمَامَ كلِّ مِصْرٍ فهم بجَلَالَتهم مادامَ الرَّجُلُ خَارِجًا مِنَ (¬٣) المَسْجِدِ، فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدِ صَارَ غُلَامًا مُتَعَلِّمًا. وسُئِلَ إِبراهيمُ الحَرْبيُّ: كَيْفَ سَمِعْتَ أحمدَ يقولُ في القراءة خَلْفَ الإمامَ؟ فَقَالَ: إِمَّا أَلْفُ مَرَّةٍ إِنْ لَمْ أَقُلْ، فَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقْولُ: يُقْرَأُ فيما خافتَ، ويُنْصِتُ إِذَا (¬٤) جَهَرَ، قُلْتُ لإبراهيمَ الحَرْبيِّ: فأَيْشٍ تَرَى أَنْتَ؟قَالَ: أَنَا ذاكَ عَلَّمَنِي، وَعَنْه أَخَذْتُ، وصَحِبْتُهُ وأَنَا غُلامٌ، وكلُّ شَيْءٍ يُلقِيْهِ إِلَيْنَا أَخَذْتُهُ عنه، وتَمَسَّكَ به قَلْبِي، فأَنَا عَلَيْهِ، أَقرأُ إِذَا لم أَسْمَعْ، وإِذَا جَهَرَ استَمَعْتُ، ومَنْ خَالَفِني أَهْوَنْتُ بهِ (¬١). وَقَالَ إبراهيمُ الحَرْبِيُّ: قَبْرُ عليِّ بنِ أَبِي طَالبٍ ﵁ (¬٢) لا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ.