legacy full passagepage 241, entry [262]2,081 chars
٢١٨ - عباس بن فرناس هو عباس بن فرناس بن ورداس، كان متصرفًا في ضروب من الآداب، وكان من أهل الذكاء والتقحُّم على المعاني الدقيقة، والصناعة اللطيفة، وكان الشعر أغلبَ أدواته عليه. وأخبرني محمد بن عمر بن عبد العزيز قال: أخبرني ابن لبابة قال: جلب بعض التجار كتاب المثال من العروض، فصار إلى الأميرعبد الرحمن…
▸ expand full passage (2,081 chars)▾ collapse
٢١٨ - عباس بن فرناس هو عباس بن فرناس بن ورداس، كان متصرفًا في ضروب من الآداب، وكان من أهل الذكاء والتقحُّم على المعاني الدقيقة، والصناعة اللطيفة، وكان الشعر أغلبَ أدواته عليه. وأخبرني محمد بن عمر بن عبد العزيز قال: أخبرني ابن لبابة قال: جلب بعض التجار كتاب المثال من العروض، فصار إلى الأميرعبد الرحمن، فأخبرني أبو الفرج الفتي -وكان من خيار فتيانهم- قال: كان ذلك الكتاب يتلاهى به في القصر، حتى إن بعض الجواري كان يقول لبعض: صيَّر الله عقلك كعقل الذي ملأ كتابه من "ممَا، ممَّا"؛ فبلغ الخبر ابن فرناس، فرفع إلى الأمير يسأله إخراج الكتاب إليه، ففعل فأدرك منه علم العروض، وقال: هذا كتاب قبله ما يفسره. فوجه به الأمير إلى المشرق في ذلك، فأتى بكتاب الفرش، فوصله بثلاثمئة دينار وكساه. وكان مع ذلك يحسن علم الموسيقى، ويضرب العود، ويغني عليه. وذكر قاسم بن وليد الكلبي وغيره من شيوخ أهل شَذُونة، قال: كان محمود بن أبي جميل عندنا غلامًا جوادًا، وكان عاملًا في أخريات أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم، فعمل قبة أدم بلغت النفقة فيها وفي وطائها خمسمئة دينار، فلما كملت ضربها على وادي لكة، وصنع صنيعًا جمع له أشراف الكورة، ووافق ذلك اطلاع عبد الملك بن جهور أو يوسف بن بخت ضياعه بشذونة، فاستجلبه محمود مع بياض الكورة، فشهد وشهدوا. فلما تقضى طعامهم، وصاروا إلى المؤانسة وعندهم أحد بني زرياب المغني، طلع عليهم عباس بن فرناس زائرًا لمحمود، فقام محمود إليه والتزمه، وسُرَّ جميعهم بوروده، ثم عرض عليه الطعام فطعم، ثم صار إلى المؤانسة، ودفع ابن زرياب يغني: ولو لم يَشُقني الظَّاعِنون لشَاقَني ... حَمَامٌ تداعَتْ في الدِّيَار وُقوعُ تَدَاعَيْنَ فَاسْتَبْكَيْنَ مَن كانَ ذا هوًى ... نوائحُ ما تجري لهنَّ دُموعُ فاستعادوه الصوت إعجابًا، فأعاده. فلما تقضَّى غناءُ ابن زرياب مدَّ عباسٌ يده إلى العود، وغنَّى البيتينِ، ووصلهما من عنده بديهة، فقال: شددتُ بمحمودٍ يدًا حينَ خَانَها ... زمانٌ لأسبابِ الرجاءِ قطوعُبَنَى لمساعي الجود والمجدِ قبَّةً ... إليها جميعُ الأَجْوَدِينَ ركوعُ وكان محمودٌ جوادًا، فقال له: يا أبا القاسم، أعزُّ ما يحضرني من مالي القبةُ، وهي لك بما فيها من كسوتي هذه، ونكون في ضيافتك بقية يومنا. ودعا بكسوةٍ فلبسها، ودفع إليه كسوته، وكانوا يومهم كذلك، فلما حان الافتراق قال له عبد الملك بن جهور: يا أبا القاسم، هذه القبة لا تصلح لك، ولا بد من بيعها، وهي عندي بخمسمئة دينار. فقال عباس: هي لك.