أحمد الجابري - فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 270, entry [138]2,824 chars
الشبهة الثانية: تعامل معاوية ﵁ بالربا: عن أبي الأشعث قال: «غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقام، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ: ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، …
▸ expand full passage (2,824 chars)الشبهة الثانية: تعامل معاوية ﵁ بالربا: عن أبي الأشعث قال: «غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقام، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ: ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد، أو ازداد، فقد أربى. فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا، فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة، ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله ﷺ، وإن كره معاوية - أو قال: وإن رغم - ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء» (¬٢). وهذا حديثٌ صحيحٌ، لكن يُجاب عنه بما يلي:- أولاً: أن معاوية ﵁ لم ينفرد بالقول بجواز ربا الفضل وأنه لا يحرم إلا في نسيئة, بل جاء عن غيره من الصحابة؛ مثل: عبدالله بن عباس (¬١) , وعبد الله بن عمر (¬٢) ﵃، فلماذا يُخص معاوية ﵁ بالتهمة دون هؤلاء؟! قال الحافظ ابن حجر: «والصَّرْفُ -بفتح المهملة-: دفع ذهب وأخذ فضة، وعكسه، وله شرطان: منع النسيئة مع اتفاق النوع واختلافه، وهو المجمع عليه, ومنع التفاضل في النوع الواحد منهما، وهو قول الجمهور، وخالف فيه ابن عمر ثم رجع, وابن عباس واختلف في رجوعه» (¬٣). وقال النووي: «ثم رجع ابن عمر وابن عباس عن ذلك، وقالا بتحريم بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلاً, حين بلغهما حديث أبي سعيد كما ذكره مسلم من رجوعهما صريحاً» (¬٤). - ثانياً: وقد يحمل قول من قال من الصحابة ﵃ بجواز ربا الفضل, على أن ذلك لم يبلغه عن رسول الله. يدل على ذلك قول معاوية ﵁ لما بلغه عن عبادة النهي عن ربا الفضل: «ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث, قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه».قال القاضي عياض: «ويحتمل أن معاوية لم يبلغه هذه السُنة إنما يرى إنكاره لها» (¬١). قال النووي: «وهذه الأحاديث التي ذكرها مسلم تدل على أن ابن عمر وابن عباس لم يكن بلغهما حديث النهي عن التفاضل في غير النسيئة, فلما بلغهما رجعا إليه» (¬٢). - ثالثاً: أن من قال بجواز ربا الفضل -كمعاوية ﵁ وغيره من الصحابة- قال ذلك متأولاً أن الربا لا يحرم إلا في النسيئة. قال القاضي عياض: «ويحتمل أنه -أي: معاوية- تأوَّل أن النهى فى المصكوك والذى فى منعه من التجارة به والحرص على اقتنائه مصلحة للمسلمين، إذ به التعامل وهو قيم المتعلقات، فإذا كان مملوكاً كان كسائر العروض» (¬٣). قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «من المعلوم أن الذين استحلوا النبيذ المتنازع فيه من السلف والذين استحلوا الدرهم بالدرهمين من السلف أكثر وأجل قدراً من هؤلاء، فإن ابن عباس ومعاوية وغيرهما رخصوا في الدرهم بالدرهمين, وكانوا متأولين أن الربا لا يحرم إلا في النساء, لا في اليد باليد» (¬٤). وقال في موطن آخر: «ثم إن الذين بلغهم قول النبي ﷺ: إنما الربا في النسيئة، فاستحلوا بيع الصاعين بالصاع، يدا بيد؛ مثل: ابن عباس ﵁ وأصحابه: أبي الشعثاء، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وغيرهم من أعيان المكيين الذين هم من صفوة الأمة علما وعملا، لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحدا منهم بعينه، أو من قلده بحيث يجوز تقليده؛ تبلغهم لعنة آكل الربا، لأنهم فعلوا ذلك متأولين تأويلا سائغا في الجملة» (¬٥).