أحمد الجابري - فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان
full-text— · 2 entries
- exact linked passagemedium confidencepage 120, entry [59]4,984 chars
هل أصاب عليٌّ ﵁ الحقَّ كاملاً بهذا القتال؟ مع كون علي ﵁ كان الأقرب إلى الحق -كما تقدَّم-، إلا أن بعض العلماء يرون أنه لم يصب الحق كاملاً، وأن الحق كان مع من اعتزل القتال بالكلية، فإن الإصلاح كان أولى من الاقتتال، وإلا فالاعتزال. قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة -بعد أن قرَّر أن عليَّاً وعسكره أولى بالحق…
▸ expand full passage (4,984 chars)هل أصاب عليٌّ ﵁ الحقَّ كاملاً بهذا القتال؟ مع كون علي ﵁ كان الأقرب إلى الحق -كما تقدَّم-، إلا أن بعض العلماء يرون أنه لم يصب الحق كاملاً، وأن الحق كان مع من اعتزل القتال بالكلية، فإن الإصلاح كان أولى من الاقتتال، وإلا فالاعتزال. قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة -بعد أن قرَّر أن عليَّاً وعسكره أولى بالحق من معاوية وعسكره-: «لكن الفئة الباغية هل يجب قتالها ابتداء قبل أن تبدأ الإمام بالقتال، أم لا تُقاتَل حتى تبدأ بالقتال؟ هذا مما تنازع فيه العلماء، وأكثرهم على القول الثاني، فلهذا كان مذهب أكابر الصحابة والتابعين والعلماء أن ترك عليّ القتال كان أكملَ وأفضلَ وأتمَّ في سياسة الدين والدنيا» (¬١). ثم اعتذر عن فعل عليٍّ بأنه كان إمام هدى من الخلفاء الراشدين، وأنه فعل ما فعل متأوِّلاً مجتهدا، وقد عَذَرَ النبي ﷺ أسامة بن زيد لما قتل الرجل الذي أشهر إسلامه لما رَفَع عليه السيف، وكذلك عَذَرَ خالد بن الوليد لما قتل من قتل من بني جذيمة، لأنهم لم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، وقالوا: صبئنا؛ لأن ذلك كان تأوُّلا منهما، ومعلوم أن عليَّاً وطلحة والزبير كانوا أفضل من أسامة وخالد وغيرهما، فهم أولى بقبول العذر منهم.وقال أيضاً: «ولما قال النبي ﷺ عن الحسن: إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين (¬١)، فمدح الحسن على الإصلاح، ولم يمدح على القتال في الفتنة؛ علمنا أن الله ورسوله كان يحب الإصلاح بين الطائفتين دون الاقتتال. ولما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح في الخوارج: يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة (¬٢)، وقال: يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق، ورُوِيَ: أولى الطائفتين بالحق (¬٣) من معاوية وأصحابه؛ أَعْلَمَ أن قتال الخوارج المارقة أهل النهروان الذين قاتلهم علي بن أبي طالب، كان قتالهم مما أمر الله به ورسوله، وكان عليٌّ محموداً مأجوراً مُثاباً على قتاله إياهم. وقد اتفق الصحابة والأئمة على قتالهم، بخلاف قتال الفتنة، فإن النص قد دلَّ على أنَّ ترك القتال فيها كان أفضل، لقوله ﷺ: ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي (¬٤)، ومثل قوله لمحمد بن مسلمة: هذا لا تضره الفتنة (¬٥)، فاعتزل محمد بن مسلمة الفتنة، وهو من خيار الأنصار، فلم يقاتل لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء.وكذلك أكثر السابقين لم يقاتلوا، بل مثل: سعد بن أبي وقاص، ومثل: أسامة بن وزيد، وعبدالله بن عمر، وعمران بن الحصين، ولم يكن في العسكرين -بعد عليٍّ- أفضل من سعد بن أبي وقاص ولم يقاتل، وزيد بن ثابت، ولا أبو هريرة، ولا أبو بكرة، ولا غيرهم من أعيان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وقد قال النبي ﷺ لأُهْبَان بن صَيْفِي: خذ هذا السيف فقاتل به المشركين، فإذا اقتتل المسلمون فاكسره (¬١)، ففعل ذلك ولم يقاتل في الفتنة. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن (¬٢). وفي الصحيح عن أسامة، عن النبي ﷺ قال: إني لأرى الفتنة تقع خلال بيوتكم كمواقع القَطْر (¬٣). والأحاديث عن النبي ﷺ كثيرة في إخباره بما سيكون في الفتنة بين أمته، وأمره بترك القتال في الفتنة، وأنَّ الإمساك عن الدخول فيها خيرٌ من القتال» (¬٤).وقال أيضاً: «والفقهاء ليس فيهم من رأيه القتال مع من قتل عمَّارا؛ لكن لهم قولان مشهوران كما كان عليهما أكابر الصحابة: منهم من يرى القتال مع عمَّار وطائفته، ومنهم من يرى الإمساك عن القتال مطلقا. وفي كل من الطائفتين طوائف من السابقين الأولين. ففي القول الأول: عمَّار، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب. وفي الثاني: سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة؛ وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر ونحوهم. ولعل أكثر الأكابر من الصحابة كانوا على هذا الرأي؛ ولم يكن في العسكرين بعد علي أفضل من سعد بن أبي وقاص، وكان من القاعدين.وحديث عمَّار قد يحتج به من رأى القتال؛ لأنه إذا كان قاتلوه بغاة فالله يقول: ﴿فقاتلوا التي تبغي﴾ والمتمسكون يحتجون بالأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ في أن القعود عن الفتنة خير من القتال فيها، وتقول: إن هذا القتال ونحوه هو قتال الفتنة، كما جاءت أحاديث صحيحة تبين ذلك؛ وأن النبي ﷺ لم يأمر بالقتال، ولم يرض به، وإنما رضي بالصلح، وإنما أمر الله بقتال الباغي، ولم يأمر بقتاله ابتداء، بل قال: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ قالوا: والاقتتال الأول لم يأمر الله به، ولا أمر كل من بُغي عليه أن يقاتل من بَغى عليه، فإنه إذا قَتَل كل باغٍ كفر، بل غالب المؤمنين، بل غالب الناس: لا يخلو من ظلم وبغي، ولكن إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين فالواجب الإصلاح بينهما، وإن لم تكن واحدة منهما مأمورة بالقتال، فإذا بغت الواحدة بعد ذلك قُوتِلت؛ لأنها لم تترك القتال، ولم تجب إلى الصلح، فلم يندفع شرها إلا بالقتال. فصار قتالها بمنزلة قتال الصائل الذي لا يندفع ظلمه عن غيره إلا بالقتال، كما قال النبي ﷺ: من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون حرمته فهو شهيد. قالوا: فبتقدير أن جميع العسكر بغاة فلم نؤمر بقتالهم ابتداء، بل أمرنا بالإصلاح بينهم، وأيضاً: فلا يجوز قتالهم إذا كان الذين معهم ناكلين عن القتال، فإنهم كانوا كثيري الخلاف عليه، ضعيفي الطاعة له» (¬١). وقال ابن كثير: «وكان ترك القتال أولى من فعله، كما هو مذهب جمهور الصحابة» (¬٢).وقال الحافظ ابن حجر: «واستدل به -أي: بحديث: إن ابني هذا سيد- على تصويب رأي من قعد عن القتال مع معاوية وعلي، وإن كان علي أحق بالخلافة وأقرب إلى الحق، وهو قول سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، وسائر من اعتزل تلك الحروب» (¬١).
- reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 120, entry [59]344 chars
فبتقدير أن جميع العسكر بغاة فلم نؤمر بقتالهم ابتداء، بل أمرنا بالإصلاح بينهم، وأيضاً: فلا يجوز قتالهم إذا كان الذين معهم ناكلين عن القتال، فإنهم كانوا كثيري الخلاف عليه، ضعيفي الطاعة له» (¬١). وقال ابن كثير: «وكان ترك القتال أولى من فعله، كما هو مذهب جمهور الصحابة» (¬٢).وقال الحافظ ابن حجر: «واستدل به -أي: بحديث: إن ابني هذا سيد- على تصويب رأ