الصحاري - الأنساب للصحاري
full-text— · 1 entry
- legacy full passagepage 120, entry [128]13,869 chars
وقعة القادسيةوكان من حديث وقعة القادسية ومشاهدة عمرو بن معدي كرب: أن عمر بن الخطاب ﵁ لما وجه سعد بن أبي وقاص إلى القادسبة لمحاربة العجم أقبل سَعد حتى وافى القادسية فعسكر بها، وكانت الفرس اذ ذاك قد ملكت أمرها غلاما قد نجب من عقب كسرى بن هرمز، يقال له: يزدجرد، وهو آخر من ملك من العَجَم، فأجلسوه على سر…
▸ expand full passage (13,869 chars)وقعة القادسيةوكان من حديث وقعة القادسية ومشاهدة عمرو بن معدي كرب: أن عمر بن الخطاب ﵁ لما وجه سعد بن أبي وقاص إلى القادسبة لمحاربة العجم أقبل سَعد حتى وافى القادسية فعسكر بها، وكانت الفرس اذ ذاك قد ملكت أمرها غلاما قد نجب من عقب كسرى بن هرمز، يقال له: يزدجرد، وهو آخر من ملك من العَجَم، فأجلسوه على سرير الملك، وعصبوه بالتاج، وبايعوه على السمع والطاعة، فجمع يَزْدَجرد إليه أطرافه، واستجاش جنوده، فاجتمع إليه عالمٌ عظيم، وَقَّواهم بالسلاح والأموال، وولي عليهم عظيما من عظماء مرازينه، له سنُّ وتَجْربة، يقال له رسُتُم بن مهر مرد، فوجَّهه في زهاء خمسين ألف من أبطال العجم وفرسانهم، وأقبل رُسْتُم حتى وافى دبر الأعور، فنزل هناك بعسكره، وبلغ الخبر سعد بن أبي وقاص - وهو بالقادسية - وبلغ ذلك جرير بن عبد الله اليحلي، والمثنى ابن حارثة الشيباني، ومن كان معهما من المسلمين، وكان جرير بناحية فلما بلغهم توجُّهُ رُسْتُم إليهم في زهاء خمسين ألفا من أبطال العجم وفرسانهم سعد إلى عمر بن الخطاب يطلب المَدد والنُّصْرة فأمد عمرُ بن الخطاب بعمر بن معدي كرب الزبيدي، وقيس بن هُبَيرة المكشوح المُرادي، وهو ابن أخت بن معدي كرب. وطليحة بن خويلد الأسدي، وكانوا من فرسان العرب المذكورين في الجاهلية والإسلام، فكتب عمرُ بن الخطاب إلى سعد، إني وجَّهْتُ إليك يقومان في الحرب مقام ألفي رجل، ولا أحسب لهما كثير نية في الجهاج، عهدهما بالشرك، فاعرف مكانهما وقدَّمْهُما واستشرِهما في أمورك وأعلمها أنا مستغن عنهما، فإنك تستخرج بذلك نُصْحُهما. فلما قدما على سعد بالقادسية فرح بهما المسلمون فرحا شديدا، لبعد صيتهما، وعظم ذكرهما، وإن رستم بعسكره يدبر الأمر أربعة أشهر، كراهية لقتال العرب، وخوفا أن يصيبه ما أصاب مهران، فصار يستريح إلى المطاولة يرى أنها مكيدة. فكان العرب يوجهون للميرة فيأخذون على البر ثم يعطفون إلى أي النواحي شاءوا من ابسواد، الميرة ثم يرجعون نحو البر ختى يخرجوا إلى معسكرهم، وكان الذي في حمل والميرة عمروُ بن معدي كرب وطليحة بن خويلد، وهما يومئذ شيخلن كبيران السن. وكان للمثتى ابن حارثة جارية من أجمل نساء بكر بن وائل، فمرض عند قدوم سعد بن أبي وقاص بالحيرة، فأقام بها ومعه امرأته تُمَرَّضُه، فكتب إلى سعد. بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإن الذي خلَّفَتي عنى المّصير إليك أصحابي شكوة قد أصابتني، وقد خِفْت على نفسي أن أهلك، فإني أشهد أن لا إله إلا الله ولا شريك له، وأن محمدا ﷺ عبده ورسوله، وأن الساعة لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وإن يَدْفع الله فإنني في أثر كتابي والسلام. وإن رأيت أن تُقِيم بمكانك بالقادسية والعذيب حتى توافيك فحاربهم على أدنى حجر من أرض العرب، فإن نصرك الله فتلك عادته وامتنانه، وإن تكن الأخرى كنت أنت ومن معك من العرب أعرف بسبُلُ وأرضكم. فلم يلبث المُثَنَّى أياماً حتى هلك بالحيرة، ودفن بالقادسبة. فلما انقضت عِدّضة المرأة خطبها سعد بن أبي وقاص فَتَزوجها وحملها إلى رحله ووافي إليه جرير بن عبد الله اليُحلي في قومه من بجيلة ومن كان معه من المسلمين، فعسكر معسكرهم مع سعد بن أبي وقاص بالقادسية.ثم إن رستم أقبل في عسكره وجنوده حتى قرب من معسكر المسلمين بالقادسية - بعد مخاطبة ورُسُل وكلام جرى بينه وبين سعد يطول ذكره - وجعل كلا الفريقين حتى دنا بعضهم من بعض في ليلتهم تلك يصفون الصفوف، ويعبئون الخيل والرجال، ويقفون الرايات، وكان بسعد علة لم تمكنه الخروج بنفسه إلى الحرب، فولى خالد بن عرفطة. وجعل على القَلْب قَيْس بن هُبَيْرة المكشوح المُرادي، وعلى المدينة شَرحْبيل بن السمط الكندي، وجعل على المسيرة هشام بن عُنْتَبة المعروف بالمِرْ قال، لأنه كان يُرْقل في الحرب إرقالا، وهو الخبب من المشي، واستعمل على الرجالة قَيْس بن خزيم، وبُسط لسعد في أعلى القصر بمكان يُشرف منه على الفريقين إذا اقتتلوا، ومعه في القصر ما كان من العرب من النساء والَّريّضة، فأصبح الفريقان تحت راياتهم ومصافاتهم، وجعلت الأمداد من قبل الملك يزدجرد تترى على رستم - عسكرا بعد عسكر - حتى صاروا في زهاء مائة ألف رجل، بين فارس وراجل، وقام خالد بن عرفطة في العرب خطيبا وقال: يا معشر العرب، إن هذه بلاد قد أذَلَّ الله لكم أهلها، فأنتم تقتلونهم وتُغيُرون عليهم منذ حَوْلَين كاملين، وقد جاءكم منهم هذه الجموع، وأنتم لها ميم العرب وساداتهم وخيار كل حي: وعز من وراءكم، فإن صدقتموهم الطعن والضرب كانت لكم بلادهم وذرايهم، وإن تقتلوا لم يبق منكم باقية، ألا ترون الأرض من خلفكم صفصفا قفرا، ليس فيها ملجأ ولا وزر، فلتكن حصونكم سيوفكم ورماحكم، ثم زحف الفريقان بعضهم إلى فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون بمثله، وتقدم عمرو بن معدي كرب الزبيدي وقيس بن هبيرة المكشوح المرادي أمام المسلمين كالاسد الاساود وجعل قيس بن هبيرة يرتجز ويقول: قد علمت واردة الوشايح ... ذات النقاب والجبين الواضح إني سمام البطل المشابح ... وفارج الامز المهم الفادحثم حمل هو وعمرو بن معدي كرب، وتبعتهم أبطال العرب وفرسانهمن فحملوا على العجم حملة رجل واحد، فتطاعنوا بالرماح، وتجالدوا بالسيوفن وصبرت لهم العجم صبرا صادقا، وقتل من الفرقين مقتلة عظيمة، حتى خاضت الخيل في الدماءن واظطربوا شديدا، بجد واجتهاد، وثار بينهم القتام، وكان من القوم جولة حتى لحقوا برستم - وهو آخر صفوفهم - فلما نظر رستم إلى ذلك نادى في العجم وقال: ما لكم ثكلتكم امكم تحتمون عن هؤلاء القوم وانتم إخوان الحرب وأحلاس الطعن والضرب. ثم صار في اوائل أصحابهن ثم حمل وحملوا معه حملة رجل واحد، فكان العرب في جولة شديدة حتى دنوا من القصر الذي فيه سعد ابن ابي وقاص ومع النساء والذراري. فأمر سعد أن يخرجن ومعهن اصاغر اولادهنن فخرجن جميعا. من القصر، واستقبلن المنهزمين من العرب فصحن وأعولن وقلن ويحكم، عاد بكم أن تدعونا وتهربوا. فأخذتهم الحمية فرجعوا إلى الحربن وانصرفن النساء والاولاد إلى القصر، وسعد ينظر إلى ذلكن ومعه المرأة التي كانت امرأة المثنى بن حارثة. فحملت العرب حملة صادقةن وأمامهم عمرو بن معدي كرب الزبيدي، وقيس بن هبيرة المكشوح المرادي، وطليحة بن خويلد الاسدي، وصبرت لهم العجمن فتطاعنوا وتضاربوا بالرماح حتى تكسرت، وقبل ذلك تراموا بالسهام حتى تفصدت، وصاروا إلى السيوف، وعمد الحديد، وحملت العجم على يحيلة - وهم في الميمنة وعليهم جرير بن عبد الله البجلي - وصَبَرت لهم يحيلة فاقتتلوا قِتالاً شديدا، وكثرت فيهم القتلى والجراحات. وسعد ينظر إلى ذلك وهو جالس بأعلى القصر، والى جانبه امرأته التي كانت أمرأة المثنى، فقال سعد وابجيلتاه، ولا بجيلة إلى اليوم. فقالت المرأة: وامُثناه ابن حارثاه، ولا مُثنى لي اليوم. فدخلته الغيرة من ذكرها المُثنى فلطم سعدٌ حُر وجهها، فقالت: يا بن وقاص، أغيرةً وجُبنا ثم عطف عمرو ابن معدى كرِب وابو محجن الثقفي حتى صاروا في أوائل بُجيلة وقد زالوا عن مصافهم، فأنقذهم حتى ردهم إلى مصافهم، وحملت العربُ معها حملة رجل واحد فقتلوا في حملتهم تلك من العجم مقتلة عظيمة، نهنهوهم عن أنفسهم، وسعد ينظر إلى ذلك. فقال لامرأته: لقد من الله على بجيلة. ثم اشتد القتال فاقتتل الفريقان قتالا لم يسمع السامعون بمثله وتقدم امام العجم رجل منهم كان يُعَدُّ لألف فارس، يعمل عمل الأسد البواسل وتقتل من المسلمين من أدرك منهم، فحمل عليه عمرو بن معدى كرب فاحتمل عن دابته وجعله أمامه على قَربُوس سرجه، وانصرف به حتى توسط به العرب فرماه عن القربوس فكسر عُنُقه. وقال:: يا معشر العرب هكذا فافعلوا. فقال بعض من حضره: يا أبا ثور من يستطيع منَّا أن يفعل كذا. ثم أضطرب الفريقان مِليَّا من النهار بالسيوف والعُمد وأمامهم عمرو بن سعدى كرب الزبيدي حتى أزالوا العجم عن أمكنتهم، وأفضى عمرو إلى رستم وكان في أواخر أصحابه - فحمل كُل واحد منهما على صاحبه، فتضاربا بسيفهما فلم يحك سيفاهما شيئا، وأثاب إلى رستم أصحابهُ وجُنوده، وقطعوا عمرو بن معدى كرب، فوقف في وسط العجم يجالدهم بسيفه - وهو على متن فرسه - حتى طُعن فرسه فسقط الفرس، ووثب عنه عمرو كالأسد، وجعل يضارب القوم لا يدنو منه رجل إلا جلده، وتحاماه القومُ. فنادى قيس بن هبيرة المكشوح وقال:يا معشر العرب، ماذا تنتظرون بصاحبكم؟ أدركوه قبل أن يقتل، واحملوا معي حملة رجل واحد فداكم أبي وأمي لتُخلصوه بإذن الله. ثم حمل قيسٌ وحمل معه عامة الناس حملة رجل واحد، فزحزحوا من كان في وجوههم ما العجم حتى انتهوا إلى عمرو - وهو يضاربهم - قدما - وقد اختصب بالدماء - فلما نظر عمرو إلى اصحابه استبشر، وتناول رجلٌ من العرب فرس فارس من العجم فحبسه، وجعل الفارس يضرب فرسه فلا يستطيع براحاً من يدي عمرو، فلما نظر الفارس إلى العرب قد أرهقته نزل عن الفرس وولى هاربا. فقال عمرو لأصحابه: امسكوا أنتم على عنانه، فأمسكوا عليه العنان، فأستوى عليه وحمل معه، فدخل في القوم حتى انتهى إلى فيل من تلك الفيلة، فضرب مِشفره فَبَراه، وولى الفيل وله صياح، وانهزم من كان معه من الفيلة ومن العجم، فلما رأى رُستم ذلك نادى في أبطال العجم وفرسانهم، فأحدقوا به، فحمل على المسلمين وحملوا معه، وحمل عمرو بسيفه المعروف بالصّمصامة على القوم يضاربهم به، ثم حمل رُستم على هلال بن عقبة - وكان من أطال العرب - فضربه على خده فقطعها مع الدرع إلى الجلد، وشدها هلال بن عقبة إلى قربوس سرجه، وجعل يقاتل بها، فلم يزالوا كذلك من طول النهار إلى وقت العصر، ثم تنادت القبائلُ على الموت - من كل مكان - وزحف أصحاب الرايات من العرب - وقد وطنوا أنفسهم على الموت - وتبعتهم جميع القبائل، وحملوا على العجم حملة رجل واحد فأزالهم عن مواقفهم، فلما رأى رُستم ذلك تَرجَّل وتَرجلت معه جميع العجم، وحمل الفريقان بعضهم على بعض، فتضاربوا بالسيوف والأعمدة، حتى تقمصت عامة السيوف وتقصفت عامة الأعمدة، وقتل من الفريقين - وقت المساء - مقتلة عظيمة، ونادى قيس بن هُبيرة في الناس: ألا يا معشر العرب، روِّحوا بنا الجنة، فاحملوا على القوم، فإنه لم يبق إلا آخر نفس. ثم حمل قيسُ بن هبيرة، وحمل معه الناس، وأمامهم عمرو بن معدى كرب حملةً صادقةً، فقتلوا في حملتهم تلك من العجم مقتلة عظيمة، فولت العجم منهزمة، وثبت مع رُستم أهل الوفاء والحِفاظِ من أصحابه، فشدّت عليهم العربُ بأسيافهم - وأمامهم عمروُ بن معدى كرب - فقتل رُستم وقتل من ثبت معه من مَرَازِبته وأبطال جنوده - في ربضة واحدة - ومرت العرب في إثر العجم يقتلون من أدركوا منهم. إلى أن حال بينهم الليل، فانصرفوا نحو القصر الذي فيه سعد بن أبي وقاص، فخرج سعد بن أبي وقاص من القصر إلى أصحابه فرحا بِهجاً حتى أتى المعركة، وأمر بطلب رستم بين القتلى، فوجدوه وبه نحو من عشرين ضربة، كلها في مقاديمة، لأنه باشر الحرب بنفسه، ويقال: بل انهزم عند مقتل أصحابه حتى انتهى إلى نهر القادسية ليجوزه فغرق - والله أعلم أي ذلك كان وقال سعد بن أبي وقاص في ذلك شعرا: لقد أبلت بجيلة غير أني ... أؤمل أجرهم يوم الحساب لقد لَقِيت جُمُوعهم أسودا ... فما حاموا لمختلف الضِّراب ولم تزل العجم تركض خيولهم منهزمة طول تلك الليلة، وأتبعتهم من العرب عالمٌ عظيم، حتى إذا أصبحوا أشرفوا على مردا قد أقبل إلى العجم من قبل الملك يزدجرد زهاء جمسة الآف من الفرس، وعليهم قائد لهم يقال له جيلاش، فلما استقبل المنهزمين قال: قفوا وموتوا كِراما، وقد طمعوا وشربوا وعلفوا دوابهم وأراحوها. ثم أقبل عظيم من عظماء الفُرس فقال: انج بنفسك وبأنفسنا معك قبل أن نقتل: فإن هذا أوان زورال المُلك عنَّا. فأبى جيلوش أن ينصرف أو يدع أحد من الفرس أن يمضي. فقال الرجل لجيلوش: انظر إلى هذا الرَّمي ثم حلق بكُرةٍ نحو السماء، فكانت الكُرة كُلما هبطت رماها بنشابة فتحلقها في الهواء حتى صارت الكرة كهيئة القُنفذ. فقال:هل رأيت رميا أحسن من هذا؟ قال جيلوش: ما رأيت. فقال الرجل: سأريك أن هذا الرمي لا يغني في القوم شيئا.ثم أقبلت أوائل العرب في آثارهم. فلما رآهم جيلوش وأصحابه زحفوا إليهم، فرشقهم ذلك الرجل - وجيلوش ينظر فلم يصيبوا من العرب أحدا: فقال الرجل لجيلوش: ألا ترى أن ما أخبرتك به. ثمولوا منهزمين، ومرت أوائل العرب على آثارهم، وأمامهم عمرو بن معدى كرب وقيس بن هُبيرة المكشوح المرادي، وطُليحة بن خُويلد الأسدي، وجرير بن عبد الله البُجلي، حتى انفرد جرير ابن عبد الله عن أصحابه في نفر يسير، فلما نظر العجم إلى قلتهم عطفوا عليهم وحملوا على جرير فطعنوه فسقط عن فرسه، فلم تعمل فيه الرماح لحصانة ردعه، وعاد فرسه فلحق بالفل، وتلاحق جرير بأصحابه من بُجيلة، وحالوا بينه وبين العجم، فانهزمت العجم عنهم، وأقبل إلى جرير بعضُ أهل بيته ببرذون من برذان العجم مضروب بالسف على كَفَله، وقال اركب أبا عمرو: فقال جرير: والله لا تتحدث العرب أني ركبت بِرذوناً مضروب الكفل بالسيف، وأقبل عليه بعض بني عمه ببرذون من براذين العجم مطوق بطوق من ذهب، وقال: اركب أبا عمرو. فقال: مثل هذا فنعم، فركبه وطلب القوم، فقتل من أدرك منهم، حتى أمعنوا في الهرب، ومرت العجم على وجهها هاربين منهزمين، حتى وافوا المدائن، فسقط في يد يزدجرد الملك، فتحمل من المدائن بأهله وحشمه وولىّ الحرب مرداتشاه أخا رستم المقتول، وسار حتى أتى مدينة نَّهاوَند. فأقام بها. وجمع سعد بن أبي وقاص أصحابه، وجميع قُوَّاده، وسار بالناس من القادسية حتى نزل بحذاء المدائن على شاطئ دِجلة، فعسكر هنالك حتى استعد، ونادى في العرب فركبوا خيولهم، ولبسوا أسلحتهم، ثم أقحموا خيولهم دجلة ليعبروا إلى المدائن، وقال لهم: إن الذي سلمكم في البرِّ قادر أن يسلمكم في البحر. وخرج مرداتشاه خليفة الملك يزدجرد في الليل هربا، وألقى الله الرعب في قلوب العجم فانهزموا وتركوا المدائن، وأخذوا نحو نهاوند - وفيها يَزدجرد الملك - حتى انتهوا إلى جلولا، فأقاموا بها، وكان يزدجرد يمددهم في كل يوم بالأمداد من نهاوند، وولى الحربّ رجلا من عظماء المَرَازَبة يسمى خُرزاد، ودخل المسلمون المدائن فغنموها، وما كان فيها من خزائن الأكاسرة من الأموال وآتيه الذهب والفضة والأثاث، وكان الرجلُ منهم تقعُ في يده الصفحة فينادي: من يأخذ حمراء ويعطي بيضاء. ووقعوا على بيوت مملوءة كافورا وعودا، فظنوا أن ذلك الكافور ملح، فجعلوا يلقونه في العجين فيخرج الخبز مُرَّا كالعلقم، فيقولون ما أمرّ ملحهم، ووقعوا على تاج كسرى بن هرمز وهي في يمينه فبعث بها سعدٌ إلى عُمر فأمر بها عمر فحملت إلى مكة، وعلقت في الكعبة، وهي فيها إلى الآن. ولما أن نصر الله المؤمنين بالقادسية، وقتلوا العجم وهزموهم، واستباحوا سوادهم، كتب سعدُ بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب، ﵁ كتابا هذه نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله عمر أمير المؤمنين من سعد بن مالك، سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، واسأله أن يصلي على محمد وآله. أما بعد فإنا لقينا جموع العجم بالقادسية، وهم في عدد وعدة. يقصر عنها الوصف فقاتلناهم قتلا شديداً لم يسمع السامعون بمثله، من لدن طلوع الشمس إلى أن توارت بالحجاب، فأنزل الله علينا نصره، وثبت أقدامنا، فضرب الله ﵎ وجوه العجم، ومنحنا أكتافهم فقاتلناهم في كل فج عميق، وعلى شاطئ كل نهر لإاحمد الله يا أمير المؤمنين على إغزاز دينه، وإظهار أوليائه، وقُتل من المسلمين ناس كثير صالحون، لو رأيتهم قبل الوقعة لسمعت لهم في صلاتهم دَوَيَّ اكدوي النحل من قراءة القرآن، فاحتسبهم يا عمر رحمك الله، فقد حَلّت فيهم المصيبة وعظمت وقد أصبنا ما كان في عساكرهم من سلاح وكراع، وأثاث وذهب وفضة، وغيرها محصية، وكاتب إليك بمبلغ الخمس منه والسلام.ثم وجه بالكتاب مع رجل يسمى مُخالد بن سعد، وكان عمر بن الخطاب يخرج حين أبطأ عليه خبرُ الناس من القادسية كلَّ يوم باكرا من المدينة وجده ماشيا في طريق الخُبَر، فيمشي ميلا أو ميلين طمعا أن يرى أحد يسأله عن الخبر فلا يجد أحدا فبينما هو كذلك ذات يوم إذ نظر إلى راكب من بعيد فاستقبله مُخالد - وهو لا يعلم أنه عمر ﵀ فقال له عمر: ما الخبر؟ فقال: أظفر الله المؤمنين وقتل المشركين - ثم جاء وترك عمر وجعل عمر يعدو معه ويسأله حتى دخل المدينة، فاستقبل الناسُ عمر فسلموا عليه بالخلافة، فوقف عمر وسلّم عليه مُخالد وقال: سبحان الله تعدو معي نحواً من ميلين ولا تعلمني أنك أمير المؤمنين!! فقال له عمر: سبحان الله. وما في ذلك؟؟ ثم نزل مخالد وناوله كتاب سعد بالفتح فقرأه على الناس واستبشروا به. وكتب عمر إلى سعد يأمُره أن يبني لمن قِبله من العرب دار هجرة ولا يكون بها بحر، فأقبل إلى موضع الكوفة فبناها، وجعلها خططا لمن كان معه من العرب وجعل لكُل حي من أحياء العرب خطة، وبنى مسجدا جامعا، وبنى لنفسه المسجد قصرا، وهو قصر الإمارة. وأعطى الناس عطاءً جزيلا، وأمرهم بالبناء، وبنى لنفسه فبنوا، واسكن فيها النساء والذرية، وخلف فيهم ثمانية الآف من المسلمين يحفظونهم بإذن الله، وسار سعد بالناس حتى نزل بالمدائن فعسكر بها، وأقام بها حولين. ثم كانت