Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

عبد الله بن المبارك بن واضح

عبد الله بن المبارك بن واضح

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

2 books · 8 entries
Research data and provenancemoderate dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
moderate
Source entries
2
Strong identity entries
0
Chronology hints
0
Attribute hints
2
Relation hints
2
Assessment hints
6
Known assessors
1

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

2 books · 8 entries

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

2 exact linked passages0 legacy full passages6 assessment hints0 assessment snippets

ابن منظور - مختصر تاريخ دمشق

full-text

— · 4 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 4678, entry [2981]22,141 chars
    عبد الله بن المبارك بن واضح أبو عبد الرحمن الحنظلي، مولاهم، المروزي من أئمة المسلمين. قدم دمشق. حدث عن حميد الطويل عن أنس بن مالك، قال: كان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية يسأل رسول الله ﷺ. فأتى أعرابي فسأله، فقال: يا رسول الله، متى قيام الساعة؟ وأقيمت الصلاة فنهض فصلى. فلما فرغمن صلاته قال: أين…
    ▸ expand full passage (22,141 chars)
    عبد الله بن المبارك بن واضح أبو عبد الرحمن الحنظلي، مولاهم، المروزي من أئمة المسلمين. قدم دمشق. حدث عن حميد الطويل عن أنس بن مالك، قال: كان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية يسأل رسول الله ﷺ. فأتى أعرابي فسأله، فقال: يا رسول الله، متى قيام الساعة؟ وأقيمت الصلاة فنهض فصلى. فلما فرغمن صلاته قال: أين السائل؟ قال: أنا يا رسول الله. قال: وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاةٍ ولا صيام، إلا أني أحب الله ورسوله. فقال النبي ﷺ: المرء مع من أحب. قال: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم به. وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا ولها الدنيا وما فيها إلا الشهيد، لما يرى من فضل الشهادة فيتمنى أن يرجع فيقتل مرة أخرى. وحدث ابن المبارك عن سليمان التيمي عن أنس بن مالك شك في رفعه، ووقع عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن سليمان عن أنس مرفوعاً قال: قال رسول الله ﷺ لا هجرة بين المسلمين فوق ثلاثة أيام أو قال: ثلاث ليالٍ. قال عبد الله بن المبارك: قدمت الشام على الأوزاعي - قريته ببيروت - فقال لي: يا خاساني، من هذا الذي خرج بالكوفة؟ - يعني: أبا حنيفة - فرجعت إلى بيتي فأقبلت على كتب أبي حنيفة فأخرجت منها مسائل من جياد المسائل، وبقيت في ذلك ثلاثة أيام، فجئته يوم الثالث وهو مؤذن مسجدهم وإمامهم، والكتاب في يدي، فقال: أي شيء هذا الكتاب؟ فناولته، فنظر في مسألة منها، وقعت عليها: قال النعمان بن ثابت: ... فما زال قائماً بعدما أذن حتى قرأ صدراً من الكتاب، ثم وضع الكتاب في كمه، ثم أقام وصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمى، ثم أخرج الكتاب حتى أتى عليها. فقال لي: يا خراساني، من النعمان بن ثابت هذا؟ قلت: شيخ لقيته بالعراق، فقال: هذا نبيل من المشايخ، اذهب فاستكثر منه. قلت: هذا أبو حنيفة الذي نهيت عنه. قال ابن المبارك: قال ابن المبارك: ذاكرني عبد الله بن إدريس السن فقال: ابن كم أنت؟ فقلت: إن العجم لا يكادون يحفظون ذلك، ولكني أذكر أني لبست السواد وأنا صغير عندما خرج أبو مسلم، فقال لي:وقد ابتليت بلبس السواد؟ قلت: إني كنت أصغر من ذلك. كان أبو مسلم أخذ الناس كلهم بلبس السواد، الصغار والكبار. وعبد الله بن المبارك الخراساني مولى عبد شمس من بني سعد بني تميم، وكانت أم عبد الله بن المبارك خوارزمية وأبوه تركي. وكان عبداً لرجلٍ من التجار من همذان من بني حنظلة، وكان عبد الله إذا قدم همذان يخضع لولده ويعظمهم. وروى عبد الله بن المبارك كثيراً، وطلب العلم، وصنف٦ كتباً كثيرة في أبواب العلم وصنوفه، حملها عنه قوم، وكتبها الناس عنهم، وسمع علماً كثيراً وكان ثقة، مأموناً، إماماً، حجةً، كثير الحديث. وقال سلام بن أبي مطيع: ما خلف بالمشرق مثله. وكان من الربانيين في العلم، الموصوفين بالحفظ، ومن المنادين بالزهد. سئل ابن المبارك عن أول زهدة فقال: إني كنت يوماً في بستان، وأنا شاب مع جماعة من أترابي، وذلك في وقت الفواكه، فأكلنا وشربنا، وكنت مولعاً بضرب العود، فقمت في بعض الليل، وإذا غصن يتحرك تحت رأسي، فأخذت العود لأضرب به فإذا بالعود ينطق وهو يقول: " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله " قال: فضربت بالعود الأرض فكسرته، وصرفت ما عندي من جميع الأمور التي كنت عليها مما شغل عن الله، وجاء التوفيق من الله تعالى، فكان ما سهل لنا من الخير بفضل الله ورحمته. قال ابن المبارك: كنا نطلب هذا الحديث وفي خفافنا المباخر، وكنا نطلبه لغير الله فردنا إلى الله.سأل أبو خراش بالمصيصة عبد الله بن المبارك: إلى متى تطلب اعلم؟ قال: لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم أسمعها بعد. وفي رواية قال: لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أسمعها بعد. وفي رواية قال: أرجو أن تروني فيه إلى أن أموت. اجتمع ابن المبارك ووكيع عند شريك يكتبان عنه، فكان وكيع إذا سود ورقتيه تركهما تجف وأخذ في الكلام، وكان ابن المبارك إذا سود ورقتيه تركهما تجف وقام يركع. وسمع ابن المبارك وكيعاً يقدم علياً على عثمان فقال له: يا أبا سفيان، وإنك لعلى هذا! إنك لرجل لا كلمتك حتى ألقى الله ﷿. قال أحمد بن يونس: سمعت عبد الله بن المبارك قرأ شيئاً من القرآن ثم قال: من زعم أن هذا مخلوق فقد كفر بالله العظيم. وعن ابن المبارك قال: القرآن كلام الله ليس بخالق ولا مخلوق. قال سفيان بن سعيد: أحببت أن أكون خمسة أيام على وتيرة ابن المبارك، فلم أقدر عليه، وأربعة أيام فلم أقدر عليه، وثلاثة أيام فلم أقدر عليه، ويومين فلم أقدر عليه. قال شعيب: كنا نأتي ابن المبارك فنحفظ عنه هل نستطيع أن نتعلق عليه بشيء فلا نقدر على شيء من ذلك.قال عمران بن موسى الطرسوسي: جاء رجل فسأل سفيان الثوري عن مسألة فقال له: من أين أنت؟ قال: من أهل المشرق. قال: أوليس عندكم أعلم أهل المشرق؟ قال: ومن هو يا أبا عبد الله؟ قال: عبد الله بن المبارك. قال: هو أعلم أهل المشرق؟ قال: نعم، واهل المغرب. قال ابن عيينة: نظرت في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلاً إلا بصحبتهم للنبي ﷺ وغزوهم معه. قال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين أجمعين. قال عبد الرحمن بن مهدي: ما رأت عيناي مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري، ولا أشد تقشفاً من شعبة، ولا اعقل من مالك بن أنس، ولا أنصح للأمة من عبد الله بن المبارك. قال شعيب بن حرب: ما لقي ابن المبارك رجلاً إلا وابن المبارك أفضل منه. وقال علي بن صدقة: سمعت أبا أسامة يقول: ابن المبارك في أصحاب الحديث مثل أمير المؤمنين في الناس. قال معاذ بن خالد: تعرفت إلى إسماعيل بن عياش بعبد الله بن المبارك، فقال إسماعيل بن عياشِ: ما على وجه الأرض مثل عبد الله بن المبارك، ولا أعلم أن الله ﷿ خلق خصلة من خصال الخير إلا وجعلها في عبد الله بن المبارك، ولقد حدثني أصحابي أنهم صحبوه من مصر إلى مكة فكان يطعمهم الحبيس، وهو الدهر صائم. قال أسود بن سالم: كان ابن المبارك إماماً اقتدى به، كان من أثبت الناس في السنة. إذا رأيت رجلاً يغمز ابن المبارك بشيء فاتهمه على الإسلام.قال محمد بن معتمر: قلت لأبي: من فقيه العرب؟ قال: سفيان الثوري. فلما مات سفيان قلت له: من فقيه العرب؟ قال: عبد الله بن المارك. وقال المعتد أيضاً: ما رأيت مثل ابن المبارك نصيب عنده الشيء الذي لا نصيبه عند أحد. قال الحسن بن عيسى: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك مثل الفضل بن موسى ومخلد بن حسين ومحمد بن النضر فقالوا: تعالوا حتى نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير فقالوا: جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزهد، والشعر، والفصاحة، والورع، والإنصاف، وقيام الليل والعبادة، والحج، والغزو، والسخاء، والشجاعة، والفروسية، والشدة في بدنه، وترك الكلام فيما لا يعنيه، وقلة الخلاف على أصحابه. وكان كثيراً ما يتمثل: الرمل وإذا صاحبت فاصحب ما جداً ... ذا حياءٍ وعفافٍ وكرم قوله للشيء لا إن قلت لا ... وإذا قلت نعم قال نعم قال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: قلت ليحي بن معين: إذا اختلف يحيى القطان ووكيع؟ قال: القول قول يحيى. قلت: إذا اختلف عبد الرحمن ويحي؟ قال: يحتاج من يفصل بينهما. قلت: أبو نعيم وعبد الرحمن؟ قال: يحتاج من يفصل بينهما. قلت: الأشجعي؟ قال: مات الأشجعي ومات حديثه معه. قلت: ابن المبارك؟ قال: ذلك أمير المؤمنين. وقال عمار بن الحسن يمدح ابن المبارك: الطويل إذا سار عبد الله من مرو ليلةً ... فقد سار منها نورها وجمالها إذا ذكر الأخيار في كل بلدةٍ ... فهم أنجم فيها وأنت هلالهاقال ابن المبارك: استعرت قلماً بأرض الروم، فذهبت على أن أرده إلى صاحبه. فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي، فرجعت إلى ارض الشام حتى رددته على صاحبه. قال أبو وهب: مر ابن المبارك برجل أعمى. قال: فقال: أسألك أن تدعو الله أن يرد علي بصري قال: فدعا الله فرد عليه بصره، وانا أنظر. قال الحسن بن عيسى: رأيت ابن المبارك دخل زمزم، فاستقى دلواً واستقبل البيت ثم قال: اللهم، إن عبد الله بن المؤمل حدثني عن ابن الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: ماء زمزم لما شرب له. اللهم، إني أشربه لعطش يوم القيامة. فشرب. زاد في رواية: قال الحسن بن عرفة: ما رأيت أكثر شرباً من يومئذٍ. قيل لابن المبارك: رجلان أحدهما أخوف، والآخر قتل في سبيل الله. فقال: أحبهما إلي أخوفهما. دخل شيخ على عبد الله بن المبارك فرآه على وسادة حسنة مرتفعة. قال: فأردت أن أقول له، فرأيت به من الخشية حتى رحمته، فإذا هو يقول: قال الله ﷿: " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " قال: لم يرض الله أن ننظر إلى محاسن المرأة فكيف بمن يزني بها؟ وقال الله ﷿: " ويل للمطففين " في الكيل والوزن فكيف بمن يأخذ المال كله؟ وقال الله تعالى: " ولا يغتب بعضكم بعضاً " ونحو هذا. فكيف بمن يقتله؟ قال: فرحمته وما رأيته فيه فلم اقل له شيئاً. سئل ابن المبارك: من أحسن الناس حالاً؟ قال: من انقطع إلى الله ﷿.قال النضر بن مساور: قلت لعبد الله بن المبارك: هل تتحفظ الحديث؟ قال: فتغير لونه، وقال: ما تحفظت حديثاً قط، إنما آخذ الكتاب فأنظر فيه، فما اشتهيته علق بقلبي. قال عبد الله بن المبارك: قال لي أبي: لئن وجدت كتبك لأحرقنها؟ قال: قلت: وما علي من ذلك، وهو في صدري؟ حدث صخر صديق ابن المبارك قال: كنا غلماناً في الكتاب، فمررت أنا وابن المبارك ورجل يخطب خطبة طويلة. فلما فرغ قال لي ابن المبارك: وقد حفظتها، فسمعه رجل من القوم فقال له: هاتها، فأعادها عليهم ابن المبارك وقد حفظها. قال فضالة النسوي: كنت أجالس أصحاب الحديث بالكوفة، فكانوا إذا تشاجروا في حديث قالوا: مروا بنا إلى هذا الطبيب حتى نسأله. يعنون عبد الله بن المبارك. قال يحيى بن آدم: كنت إذا طلبت الدقيق من المسائل فلم أجده في كتب ابن المبارك أيست منه. قال ابن المبارك: من ضن بالحديث ولم يفده ابتلي بإحدى ثلاث: إما أن يصحب السلطان فيذهب علمه، أو يكذب في الحديث، او يموت. قال بعض الشعراء، ويقال: هو ابن المبارك: الطويل تعلم فليس المرء يخلق عالماً ... وليس أخو علمٍ كمن هو جاهل وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل ذكر لعبد الله بن المبارك رجل ممن كان يدلس فقال فيه قولاً شديداً، وأنشد: السريعدلس للناس أحاديثه ... والله لا يقبل تدليسا وكان يقول: لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يدلس حديثاً. قال محمد بن حميد ونوح بن حبيب: كنا عند ابن المبارك فألحوا عليه فقال: هاتوا كتبكم حتى أقرأ، فجعلوا يرمون إليه الكتب من قريب ومن بعيد، وكان رجل من أهل الري يسمع كتاب الاستئذان فرمى بكتابه، فأصاب صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمعة ابن المبارك حرف كتابه فانشق، وسال الدم، فجعل ابن المبارك يعالج الدم حتى سكن، ثم قال: سبحان الله كاد أن يكون قبالاً، ثم بدأ بكتاب الرجل فقرأه. حضر ابن المبارك عند حماد بن زيد مسلماً عليه، فقال أصحاب الحديث لحماد بن زيد: يا أبا إسماعيل، تسأل أبا عبد الرحمن أن يحدثنا؟ فقال: يا أبا عبد الرحمن، تحدثهم فإنهم قد سألوني؟ قال: سبحان الله يا أبا إسماعيل، أحدث وأنت حاضر! قال: فقال: أقسمت لتفعلن. قال: فقال ابن المبارك: خذوا: حدثنا أبو إسماعيل حماد بن زيد. فما حدث بحرفٍ إلا عن حماد بن زيد. قال ابن المبارك: من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته. عطس رجل عند ابن المبارك، فقال له ابن المبارك: أي شيء يقول الرجل إذا عطس؟ قال: يقول: الحمد الله، فقال له ابن المارك: يرحمك الله، فعجب من حضر من حسن أدبه. قال ابن المبارك لأصحاب الحديث: انتم إلى قليل من الأدب أحوج منكم إلى كثير من العلم. قال عباد بن زياد: سمعت ابن المبارك يقول: يا بن المبارك، إذا عرفت نفسك لم يضرك ما قيل فيك.قدم الرشيد هارون أمير المؤمنين الرقة فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك، وتقطعت النعال، وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب. فلما رأت الناس قالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قدم الرقة يقال له عبد الله بن المبارك، فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان. قال عبدة بن سليمان: كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو. فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو، فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فقتله، ثم آخر فقتله ثم آخر فقتله. ثم دعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه، فقتله، فازدحم إليه الناس. فكنت فيمن ازدحم إليه وهو يلثم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته، فإذا هو عبد الله بن المبارك، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا؟! قال محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة: أملى علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودعته للخروج وأنفذها معي لفضيل بن عياض في سنة سبعين ومئة. وقيل: في سنة سبع وسبعين: الكامل يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت انك في العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطلٍ ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيب ولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب: لا يستوي وغبار خيل الله في ... أنف امرئ ودخان نارٍ تلهب هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميتٍ لا يكذب فلقيت الفضيل بن عياض في مسجد الحرام بكتابه، فلما قرأه ذرفت عيناه، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قلت: نعميا أبا علي. قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا وأملى علي الفضيل بسنده إلى أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله، علمني عملاً أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله، فقال له النبي ﷺ: هل تستطيع أن تصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمي فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟ فقال: يانبي الله. أنا أضعف من أن أستطيع ذلك، ثم قال النبي ﷺ: فو الذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت فضل المجاهدين في سبيل الله، أما علمت أن فرس المجاهد ليستن في طوله، فتكتب بذلك الحسنات؟. قال عبد الله بن المبارك: خرج ابن المبارك من بغداد يريد المصيصة فصحبه الصوفية فقال لهم: أنتم لكم أنفس، تحتشمون أن ينفق عليكم، ياغلام، هات الطست، فألقى على الطست منديلاً ثم قال: يلقي كل رجل منكم تحت المنديل ما معه، قال: فجعل الرجل يلقي عشرة دراهم، والرجل يلقي عشرين درهماً، فأنفق عليهم إلى المصيصة. فلما بلغ المصيصة قال: هذه بلاد نفير فنقسم ما بقي، فجعل يعطي الرجل عشرين ديناراً فيقول يا أبا عبد الرحمن: إنما أعطيت عشرين درهماً، فيقول: وما تنكر؟ إن الله تعالى وتبارك يبارك للغازي في نفقته. قال علي بن الحسن بن شقيق: كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج اجتمع إليه إخوته من أهل مرو فيقولون: نصحبك، فيقول لهم: هاتوا نفقاتكم، فيأخذ نفقاتهم فيجعلها في صندوق ويقفل عليها ثم يكتري لهم، ويخرجهم من مرو إلى بغداد، ولا يزال ينفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام وأطيب الحلوى، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي وأكمل مروءة حتى يصلوا إلى مدينة سيدنا رسول الله ﷺ فيقول لكل رجل منهم: ما امرك عيالك أن تشتري لهم من طرفالمدينة؟ فيقول: كذا وكذا فيشتري لهم، ثم يخرجهم من مكة، فينفق عليهم إلى أن يصلوا إلى مرو فإذا صاروا إلى مرو صنع لهم بعد ثلاثة أيام وليمة وكساهم، إذا أكلوا وسروا دعا بالصندوق ففتحه، ودفع إلى كل رجل منهم صرته بعد أن كتب عليها اسمه، فحدث خادمه انه عمل آخر سفرة سافرها دعوة، فقدم إلى الناس خمسة وعشرين خواناً فالوذج، قال: وكان ينفق على الفقراء في كل سنة مئة ألف درهم. قال المسيب بن واضح: كنت عند ابن المبارك إذ كلموه في رجل يقضي عنه سبع مئة درهم ديناً، فكتب إلى وكيله أن يدفع له سبعة آلاف درهم. فلما ورد الكتاب على الوكيل قال للرجل: أي شيء قصتك؟ قال: كلموه أن يقضي عني سبع مئة درهم، فقال: الكتاب أصبت فيه غلطاً، ولكن اقعد موضعك حتى أجري عليك، من مالي وأبعث إلى صاحبي فأوامدة فبك فكتب إلى عبد الله بن المبارك اتاني كتابك وسألت صاحبه فذكر أنه كلمك في سبع مئة درهم وها هنا سبعة آلاف درهم، فإن يكن منك غلطاً فاكتب إلي، فكتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا فادفع إلى صاحب الكتاب أربعة عشر ألفاً، فكتب إليه: إن كان على هذا الفعل تفعل، ما أسرع ما تبيع الضيعة، فكتب إليه عبد الله: إن كنت وكيلي فأنفذ ما آمرك به، وإن كنت أنا وكيلك فتعال إلى موضعي حتى أصير إلى موضعك فأنفذ ما تامرني به. قال محمد بن عيسى: كان عبد الله بن المبارك كثير الاختلاف إلى طرسوس، وكان ينزل الرقة في خان، فكان شاب يختلف إليه ويقوم بحوائجه، ويسمع منه الحديث. قال: فقدم عبد الله الرقة مرة فلم ير ذلك الشاب، وكان مستعجلاً، فخرج في النفير، فلما قفل من غزوته ورجع إلى الرقة سأل عن الشاب فقالوا: إنه محبوس لدين ركبه. قال: فقال عبد الله: وكم يبلغ دينه؟ قالوا: عشرة آلاف درهم، فلم يزل يستقصي حتى دل على صاحب المال، فدعا به ليلاً ووزن له عشرة آلاف درهم وحلفه ألا يخبر أحداً ما دام عبد الله حياً، وقال: إذا أصبحت فأخرج الرجل من الحبس، وأدلج عبد الله فأخرج الفتى من الحبس، وقيل له: عبد الله بن المبارك كان ها هنا وكان يذكرك، وقد خرج، فخرج الفتى في أثرهفلحقه على مرحلتين أو ثلاث من الرقة، فقال: يا فتى، أين كنت؟ لم أرك في الخان، قال: نعم يا أبا عبد الرحمن، كنت محبوساً بدين، قال: فكيف كان سبب خلاصك؟ قال: جاء رجل فقضى ديني، ولم أعلم به حتى خرجت من الحبس، فقال لي عبد الله: يا فتى، احمد الله على ما وفق لك من قضاء دينك، فلم يخبر ذلك الرجل أحداً إلا بعد موت عبد الله. قال حبان بن موسى: عوتب ابن المبارك فيما يفرق المال في البلدان، ولا يفعل في أهل بلده فقال: إني لأعرف مكان قوم، ولهم فضل وصدق، طلبوا الحديث، فأحسنوا الطلب للحديث، وحاجة الناس إليهم شديدة، وقد احتاجوا، فإن تركناهم ضاع علمهم، وإن أغنيناهم بثوا العلم لأمة محمد ﷺ، ولا أعلم بعد النبوة درجة أفضل من بث العلم. قال علي بن الفضيل: سمعت أبي يقول لابن المبارك: أنت تامرنا بالزهد والتقلل وبالبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام، كيف ذا، وأنت تأمرنا بخلاف ذا؟! فقال ابن المبارك: يا أبا علي، أنا أفعل لأصون بها وجهي وأكرم بها عرضي، وأستعين بها على طاعة ربي، لا أرى لله حقاً إلا سارعت إليه حتى أقوم به، فقال له الفضيل: يا بن المبارك، ما احسن ذا إن تم ذا. قال نعيم بن حماد: قيل لابن المبارك: يا أبا عبد الرحمن، تكثر القعود في البيت وحدك! قال: أنا وحدي! أنا مع النبي ﷺ وأصحابه. يعني النظر في الحديث. قال الأصمعي: سمعت ابن المبارك يقول: إنه ليعجبني من القراء كل طلق مضحاك، فأما من تلقاه بالبشر ويلقاك بالعبوس كأنه يمن عليك بعمله فلا أكثر الله في القراء مثله.سئل ابن المبارك: ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: غريزة عقل. قيل: فإن لم يكن؟ قال: أدب حسن. قيل: فإن لم يكن؟ قال: أخ صالح بستشيره. قيل: فإن لم يكن؟ قال صمت طويل. قيل: فإن لم يكن؟ قال: موت عاجل. كان عبد الله بن المبارك كثيراً كان يتمثل بأييات حميد النحوي: الخفيف اغتنم ركعتين زلفى إلى الله إذا كنت فارغاً مستريحا وإذا ما هممت بالنطق في البا ... طل فاجعل مكانه تسبيحا فاغتنام السكوت أفضل من خوضَ ... وإن كنت بالحديث فصيحا سمع ابن المبارك رجلاً يتكلم بما لا يعنيه فقال: المتقارب تعاهد لسانك إن اللسان ... سريع إلى المرء في قتله وهذا اللسان بريد الفؤاد ... يدل الرجال على عقله قال محمد بن إدريس الحنظلي: قال عبد الله بن المبارك: المنسرح أدبت نفسي فما وجدت لها ... من بعد تقوى الإله من أدب في كل حالاتها وإن قصرت ... أفضل من صمتها عن الكذب وغيبة الناس إن غيبتهم ... حرمها ذو الجلال في الكتب إن كان من فضةٍ كلامك يا ... نفس فإن السكوت من ذهب قال أبو أمية الأسود: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: أحب الصالحين ولست منهم، وأبغض الصالحين وأنا شر منهم، ثم أنشأ عبد الله يقول: مجزوء الكامل الصمت أزين بالفتى ... من منطقٍ في غير حينه والصدق أجمل بالفتى ... في القول عندي من يمينهوعلى الفتى بوقاره ... سمة تلوح على جبينه فمن الذي يخفى عليك ... إذ نظرت إلى قرنيه رب امرئٍ متيقنٍ ... غلب الشقاء على يقينه فأزاله عن رأيه ... فابتاع دنياه بدينه كان عبد الله بن المبارك يقول: سخاء النفس عما في أيدي الناس أكثر من سخاء النفس بالبذل، والقناعة والرضا أكثر من مروءة الإعطاء، وانشد: البسيط ماذاق طعم الغنى من لا قنوع له ... ولن ترى قانعاً ما عاش مفتقرا فالعرف من يأته تحمد عواقبه ... ما ضاع عرف وإن أوليته حجرا وعن عبد الله بن المبارك: البسيط لا تضرعن لمخلوقٍ على طمعٍ ... فإن ذاك مضر منك بالدين واسترزق الله مما في خزائنه ... فإنما هي بين الكاف والنون ألا ترى كل من ترجو وتامله ... من البرية مسكين ابن مسكين؟ قال عبد الله بن المبارك: لن يخلو المؤمن من ثلاثة: من نفس تدعوه، وشيطان يبغيه، ومنافق يحسده. سئل ابن المبارك: من الناس؟ قال: العلماء. قال: فمن الملوك؟ قال: الزهاد. قال: فمن السفلة؟ قال: الذي يأكل بدينه. قيل له: فمن الغوغاء؟ قال: خزيمة بن حازم وأصحابه. قيل له: فمن الدنيء؟ قال: الذي يذكر غلاء السعر عند الضيف. كان ابن المبارك يقول: من طلب العلم تعلم العلم، ومن تعلم العلم خاف من الذنب، ومن خاف من الذنب هرب من الذنب، ومن هرب من الذنب نجا من الحساب.قال زرقان: سمعت ابن المبارك يقول على سور طرسوس: الكامل ومن البلاء وللبلاء علامة ... ألا يرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النفس في شهواتها ... والحر يشبع مرة ويجوع أنشد الحسن بن إبراهيم البجلي لعبد الله بن المبارك: الكامل تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في الفعال بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع قال الأصمعي: سمعت ابن المبارك يقول: الرمل خالق المناس بخلقٍ حسنٍ ... لاتكن كلباً على الناس تهر كان ابن المبارك يقلو: إذا تاكد الإخاء قبح الثناء. قال عبد الله بن المبارك: إن العبد إذا استخف بستر الله عليه أنطق الله لسانه بمعايب نفسه حتى يكفي الناس مؤنته. سأل حاتم بن عبد الله العلاف ابن المبارك حين أراد الخروج إلى مكة فقال: أما توصينا؟ فقال عبد الله بن المبارك: الوافر إذا صاحبت في الأسفار قوماً ... فكن لهم كذي الرحم الشفيق بعيب النفس ذا بصرٍ وعلمٍ ... غني النفس عن عيب الرفيق ولا تأخذ بعثرة كل قومٍ ... ولكن قل هلم إلى الطريق فإن تأخذ بعثرتهم يقلوا ... وتبقى في الزمان بلا صديق قال عبد الله بن المبارك: حفروا بخراسان حفيراً، فوجدوا رأس إنسان فوزنوا سناً من أسنانه فإذا فيه سبعة اسانينوفي رواية: فوزنهما أو وزن أحدهما فإذا فيه منوان وزيادة في كل سن، فقال عبد الله من أبيات: المتقارب أرى الناس يبكون موتاهم ... وما الحي أبقى من الميتينا أليس مصيرهم للفناء ... وإن عمر القوم أيضاً سنينا يساقون سوقاً إلى يومهم ... فهم في السياق وما يشعرونا فإن كنت تبكين من قد مضى ... فبكي لنفسك في الهالكينا أتيت بسنين قد رمتا ... من الحصن لما أثاروا الدفينا على وزن منيين إحداهما ... تقل به الكف شيئاً رزينا ثلاثين أخرى على قدرها ... تباركت يا أحسن الخالقينا فماذا يقوم لأجرامهم ... وما كان يملأ تلك البطونا إذا ما تذكرت أجسامهم ... تصاغرت النفس حتى تهونا وكل على ذاك لاقي الردى ... فبادوا جيمعاً فهم خامدونا وعن أبي موسى الأشعري قال: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضان فجدال ومعاذير وأما العرضة الثالثة فتطاير الصحف في الأيدي. ثم قال عبد الله بن المبارك: البسيط وطارت الصحف في الأيدي منشرةً ... فيها السرائر والأخبار تطلع فكيف سهوك والأنباء واقعة ... عما قليلٍ ولا تدري بما يقع أفي الجنان وفوز لا انقطاع له ... أم الجحيم فما تبقي وما تدع تهوي بسكانها طوراً وترفعهم ... إذا رجوا مخرجاً من غمها وقعوا طال البكاء فلم ينفع تضرعهم ... هيهات لا رقة تجزي ولا جزعلن ينفع العلم قبل الموتٍ عالمه ... قد سال قوم بها الرجعى فما رجعوا كان ابن المبارك يقول في دعائه: اللهم، إني أسألك الشهادة في غير جهد بلية ولا تبديل نية، فأجيبت دعوته، فمات شهيداً غريباً في غير تربته من غير جهد في الشهادة ولا تبديل في الإرادة. ولما حضرت ابن المبارك الوفاة قال لنصر مولاه: اجعل رأسي على التراب. قال: فبكى نصر، فقال له: ما يبكيك؛ قال: أذكر ما كنت فيه من النعيم، وأنت هو ذا تموت فقيراً غريباً فقال له: اسكت، فإني سألت الله ﵎ أن يجنبني جباه الأغنياء، وان يميتني ميتة الفقراء. ثم قال: لقني، ولا تعد علي إلا أن أتكلم بكلام ثان. لما حضر ابن المبارك جعل رجل يلقنه: قل: لا إله إلا الله، فأكثر عليه، فقال: إنك ليس تحسن، وأخاف أن تؤذي بها رجلاً مسلماً بعدي. إذا لقنتني فقلت: لا إله إلا الله ثم لم أحدث كلاماً بعدها فدعني، فإذا أحدثت كلاماً بعدها فلقني حتى تكون آخر كلامي. لما احتضر ابن المبارك فتح عينيه وضحك وقال: " لمثل هذا فليعمل العاملون ". لما مات ابن المبارك قال هارون أمير المؤمنين: مات سيد العلماء. قال ابن المديني: مات خيار الرض جميعاً في سنة واحدة: مالك، وحماد، وخالد، وسلام بن سليم أبو الأحوص، وعبد الله بن المبارك سنة تسع وسبعين ومئة. قال: وهذا القول وهم، والمحفوظ أن عبد الله خرج إلى العراق سنة إحدى وأربعين ومئة ومات بهيت وعانات في رمضان سنة إحدى وثمانين ومئة. مات سحراً ودفن بهيت، وهو ابن ثلاث وستين سنة. وكان منصرفاً من الغزو.وولد عبد الله بن المبارك بمرو سنة ثمان عشرة ومئة. وقيل: سنة تسع عشرة. قال عبد الله بن رستم: رئي على قبر عبد الله بن المبارك مكتوب: السريع الموت بحر موجه غالب ... تذهل فيه حيل السابح لا يصحب المرء إلى قبره ... غير التقى والعمل الصالح قال أبو حاتم الفربري: رأيت عبد الله بن المبارك في المنام واقفاً على باب الجنة، بيده مفتاح فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، ما يوقفك ها هنا؟ قال: مفتاح باب الجنة دفعه إلي محمد ﷺ وقال: حتى أزور الرب، فكن أميني في السماء كما كنت أميني في الأرض. قال إسماعيل بن إبراهيم بن أبي جعفر المصيصي: رأيت الحارث بن عطية في النوم، فقلت: ما فعل الله بك يا أبا عبد الله؛ قال: غفر لي. قلت: فأين ابن المبارك؟ قال: بخٍ بخٍ، ابن المبارك في عليين ممن يلج على الله في كل يوم مرتين. قال صخر بن راشد: رأيت عبد الله بن المبارك في منامي بعد موته، فقلت: أليس قد مت؟ قال: بلى. قلت: فما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي مغفرة أحاطت بكل ذنب. قلت: فسفيان الثوري؟ قال: بخٍ بخٍ، ذاك: " مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ". قال محمد بن فضيل بن عياض: رأيت عبد الله بن المبارك في المنام فقلت: أي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: الأمر الذي كنت فيه. قلت: الرباط والجهاد؟ قال: نعم. قلت: فأي شيء صنع بك ربك؟ قال غفر لي مغفرة تتبعها مغفرة، وكلمتني امرأة من أهل الجنة، أو امرأة من الحور العين. وفي حديث آخر: قلت: أي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: وجهي هذا الذي مت فيه. قال: فقلت له: فالحديث؟ قال: قدم الحديث.
  • reviewable assessment hintmudallisneeds reviewmedium confidencepage 4678, entry [2981]344 chars
    كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل ذكر لعبد الله بن المبارك رجل ممن كان يدلس فقال فيه قولاً شديداً، وأنشد: السريعدلس للناس أحاديثه ... والله لا يقبل تدليسا وكان يقول: لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يدلس حديثاً. قال محمد بن حميد ونوح بن حبيب: كنا عند ابن المبارك فألحوا عليه فقال: هاتوا كتبكم حتى أقرأ، فجعلوا يرمون إليه ال
  • reviewable assessment hintsahabineeds reviewmedium confidencepage 4678, entry [2981]343 chars
    وجعلها في عبد الله بن المبارك، ولقد حدثني أصحابي أنهم صحبوه من مصر إلى مكة فكان يطعمهم الحبيس، وهو الدهر صائم. قال أسود بن سالم: كان ابن المبارك إماماً اقتدى به، كان من أثبت الناس في السنة. إذا رأيت رجلاً يغمز ابن المبارك بشيء فاتهمه على الإسلام.قال محمد بن معتمر: قلت لأبي: من فقيه العرب؟ قال: سفيان الثوري. فلما مات سفيان قلت له: من فقيه الع
  • reviewable assessment hintthiqaneeds reviewmedium confidencepage 4678, entry [2981]342 chars
    همذان يخضع لولده ويعظمهم. وروى عبد الله بن المبارك كثيراً، وطلب العلم، وصنف٦ كتباً كثيرة في أبواب العلم وصنوفه، حملها عنه قوم، وكتبها الناس عنهم، وسمع علماً كثيراً وكان ثقة، مأموناً، إماماً، حجةً، كثير الحديث. وقال سلام بن أبي مطيع: ما خلف بالمشرق مثله. وكان من الربانيين في العلم، الموصوفين بالحفظ، ومن المنادين بالزهد. سئل ابن المبارك عن أو

تقي الدين ابن عبد القادر التميمي - الطبقات السنية في تراجم الحنفية

full-text

— · 4 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 1178, entry [1151]26,946 chars
    ١٠٧٦ - عبد الله بن المبارك بن واضح (¬*) الإمام المشهور، والعلم المنشور، الذى اتّفقت الألسن/على مدحه، والقلوب على حبّه، ووقع الإجماع على أنّه فريد عصره، ووحيد دهره، ونسيج وحده، وواسطة عقده. ذكره أبو إسحاق الشّيرازىّ، فى أصحاب أبى حنيفة، ثم حمله الانحراف عن الإمام الأعظم وأصحابه، كما هو المشهور عنه، أ…
    ▸ expand full passage (26,946 chars)
    ١٠٧٦ - عبد الله بن المبارك بن واضح (¬*) الإمام المشهور، والعلم المنشور، الذى اتّفقت الألسن/على مدحه، والقلوب على حبّه، ووقع الإجماع على أنّه فريد عصره، ووحيد دهره، ونسيج وحده، وواسطة عقده. ذكره أبو إسحاق الشّيرازىّ، فى أصحاب أبى حنيفة، ثم حمله الانحراف عن الإمام الأعظم وأصحابه، كما هو المشهور عنه، أن قال: ثم تركه، ورجع عن مذهبه (¬١). ولم يذكر لكلامه دليلا، ولا أتى فيه بحجّة، ولا ذكر إلى أىّ مذهب رجع، وإلى أىّ طريق اتّبع، وهل تفرّد بمذهب، وتمسّك بمطلب، وترك التقليد أصلا، واجتهد كبقيّة أصحاب المذاهب المتّبعة أم لا، وحسن رأى ابن المبارك فى أبى حنيفة، ومدحه له، وثناؤه عليه، إلى أن توفّاه الله تعالى، كما هو مستفيض عنه، ومشحونة به الكتب،ومتّفقة عليه ألسن الرّواة، يدلّ على أنّه لم يزل آخذا برأيه، مصوّبا لأقواله، ذاهبا إلى مذهبه، رضى الله تعالى عنهما، وجمع بينهما فى دار كرامته. ولا يلتفت إلى ما يلفّقه الخطيب البغداذىّ فى «تاريخه»، من كلام يحكيه عن ابن المبارك، وينسبه إليه، ويرويه عنه، ممّا يريد الخطيب أن يشنّع به على أبى حنيفة، رضى الله تعالى عنه؛ فإنّ تعصّبه معلوم، وبغضه غير مكتوم، حتى إنّ بعض الأفاضل صنّف فى الرّدّ عليه كتابا سمّاه «السّهم المصيب فى كبد الخطيب». وحيث كان الأمر على ما ذكرنا، والشّان على ما قرّرنا، وجب أن نذكره فى جملة الأصحاب، ونجمّل بنشر محاسنه طىّ هذا الكتاب، كما ذكر جميع من صنّف فى تراجم الحنفيّة، وعدّوه [من] أئمّتهم المرضيّة، فنقول وبالله التوفيق: ذكره الحافظ الذّهبىّ، فى «طبقات الحفّاظ»، وقال فى حقّه (¬١): الإمام الحافظ، العلاّمة، شيخ الإسلام، فخر المدرّسين، قدوة الزاهدين، أبو عبد الرحمن الحنظلىّ مولاهم، التّركىّ الأب، الخوارزمىّ الأمّ، التاجر السّفّار، صاحب التصانيف النافعة، والرّحلات الشاسعة، ولد سنة ثمانى عشرة ومائة، أو بعدها بعام، وأفنى عمره فى الأسفار، حاجّا ومجاهدا، وتاجرا. سمع سليمان التّيمىّ، وعاصما الأحول، وحميدا الطّويل، والربيع بن أنس، وهشام بن عروة، والجريرىّ، وإسماعيل بن أبى خالد، وخالدا الحذّاء، ويزيد بن عبد الله بن أبى بردة، وأمما سواهم، حتى كتب عمّن هو أصغر منه. دوّن العلم فى الأبواب، وفى الغزو، والزهد، والرّقائق، وغير ذلك. حدّث عنه خلق لا يحصون من أهل الأقاليم، فإنّه من صباه ما فتر عن السّفر، منهم: عبد الرحمن بن مهدىّ، ويحيى بن معين، وحبّان بن موسى، وأبو بكر ابن أبى شيبة، وأخوه عثمان، وأحمد بن منيع، وأحمد ابن حنبل المروزىّ، والحسن بن عيسى بن ماسرجس، والحسين بن الحسن المروزىّ، والحسن بن عرفة. قال-أعنى الذّهبىّ -: ووقع لى من غير وجه عاليا، وبالإجازة بينى وبينه، ستّة أنفس، ووالله إنّى لأحبّه فى الله، وأرجو الخير بحبّه، لما منحه الله من التقوى، والعبادة، والإخلاص، وسعة العلم، والإتقان، والمواساة، والفتوّة، والصّفات الحميدة. انتهى. وعن ابن مهدىّ: الأئمة أربعة: مالك،/والثّورىّ، وحمّاد بن زيد، وابن المبارك.وعنه أيضا، أنّه فضّله على الثّورىّ. وقال مرّة: حدّثنا ابن المبارك، وكان نسيج وحده. وعن أحمد ابن حنبل، رضى الله تعالى عنه: لم يكن فى زمن ابن المبارك أطلب منه للعلم. وعن شعيب بن حرب قال: ما لقى ابن المبارك مثل نفسه. وعن شعبة: ما قدم علينا مثل ابن المبارك. وقال أبو إسحاق الفزارىّ: ابن المبارك إمام المسلمين. وعن ابن معين: كان ثقة ثبتا، وكانت كتبه التى حدّث بها نحوا من عشرين ألف حديث. وعن يحيى بن آدم قال: كنت إذا طلبت الدّقيق من المسائل، فلم أجده فى كتب ابن المبارك، أيست منه. وعن إسماعيل بن عيّاش، قال: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك. وقال العباس بن مصعب: جمع ابن المبارك الحديث، والفقه، والعربيّة، وأيّام الناس، والشجاعة، ومحبّة الفرق له. وقال شعيب بن حرب: لو جهدت جهدى على أن يكون فى السّنة ثلاثة أيّام على ما عليه ابن المبارك، لم أقدر. وقال أبو أسامة: هو أمير المؤمنين فى الحديث. وقال الحسن بن عيسى بن ماسرجس: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك، فقالوا: عدّوا خصال ابن المبارك. فقالوا: جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزّهد، والشجاعة، والشعر، والفصاحة، وقيام اللّيل، والعبادة، والحج، والغزو، والفروسيّة، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف وقلّة الخلاف على أصحابه. وروى العباس بن مصعب، فى «تاريخه» (¬١)، عن إبراهيم بن إسحاق، عن ابنالمبارك، قال: تحمّلت عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف منهم. ثم قال العباس: وقع لى من شيوخه ثمانمائة. وعن على بن الحسن بن شقيق، قال: قمت مع ابن المبارك فى ليلة باردة، ليخرج من المسجد، فذاكرنى عند الباب بحديث، وذاكرته، فما زال يذاكرنى حتى جاء المؤذّن، فأذّن للفجر. وكان ابن المبارك من صيانة العلم، وعدم ابتذاله لأهل الدّول وأهل المناصب، ومن ليس له بأهل، على جانب عظيم. وروى أنّ رجلا من بنى هاشم جاء إليه يسمع منه، فامتنع ابن المبارك، فقال الهاشمىّ لغلامه: قم بنا. فلمّا أراد الرّكوب، جاء ابن المبارك ليمسك بركابه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، لا ترى أن تحدّثنى، وتمسك بركابى؟ فقال: رأيت أن أذلّ لك بدنى، ولا أذلّ لك الحديث. وعن الفضيل بن عياض، أنّه قال. وهو بمكة: وربّ هذا البيت ما رأت عيناى مثل ابن المبارك. وقال عبد الله بن سنان: قدم ابن المبارك مكة وأنا بها، فلما خرج شيّعه سفيان ابن عيينة، والفضيل بن عياض، وودّعاه، فقال أحدهما: هذا فقيه أهل المشرق. وقال الآخر: وفقيه أهل المغرب. وقال نعيم بن حمّاد: كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب «الزهد» كأنّه ثور قد ذبح، لا يقدر أن يتكلّم. وقال أبو عمر ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدا من الفقهاء سلم أن يقال فيه شئ، إلاّ عبد الله بن المبارك (¬١). وذكر ابن عساكر، فى «تاريخ دمشق» لعبد الله بن المبارك ترجمة واسعة، أحببت أن ألخّص منها ما يكون فيه قدوة لأهل العلم، وهاد لأهل الرّشاد، وطريق لأهل النّجاة، ومبين لما كان عليه عبد الله من العلم والدّين والورع وغير ذلك، وإن كان فيما ذكرناه كفاية، فإنّ مثل أخبار عبد الله وأوصافه، لا يملّ سماعها إلاّ مبتدع،/عميت بصيرته، ولم تخلص من الكدر سريرته؛ فمن ذلك ما روى، أنّ عبد الله بن المبارك،رضى الله تعالى عنه، قال-وقد سئل عن أوّل زهده-إنّى كنت يوما فى بستان، وأنا شابّ، مع جماعة من أترابى، وذلك فى وقت الفواكه، فأكلنا وشربنا، وكنت مولعا بضرب العود، فقمت فى بعض الليل، وإذا غصن يتحرّك عند رأسى، فأخذت العود لأضرب، فإذا بالعود ينطق وهو يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ (¬١)، قال: فضربت بالعود الأرض فكسرته، وصرفت ما عندى من جميع الأمور التى كنت عليها، ممّا يشغل عن الله تعالى، وجاء التوفيق من الله تعالى، فكان ما سهّل لنا من الخير، بفضل الله ورحمته. وقال عبد الله: نظر أبو حنيفة إلى أبى فقال: أدّت أمّه إليك الأمانة، وكان أشبه الناس بعبد الله. وقيل له: يا أبا عبد الرحمن، حتى متى تكتب الحديث؟ فقال: لعلّ الكلمة التى أنتفع بها ما كتبتها بعد. وفى رواية: لعلّ الكلمة التى فيها نجاتى لم أسمعها بعد. وعن عيسى بن سلمة بن وصيف، قال: اجتمع ابن المبارك ووكيع عند شريك، يكتبان عنه، وكان ابن المبارك إذا سوّد ورقته تركها تجفّ، وقام يركع، قال: وسمع ابن المبارك وكيعا يقدّم عليّا على عثمان، فقال: يا أبا سفيان، وإنّك لعلى هذا، لا كلّمتك حتى ألقى الله ﷿. وعن سفيان بن سعيد، أنّه كان يقول: أحببت أن أكون خمسة أيّام على وتيرة ابن المبارك، فلم أقدر عليه، وأربعة أيّام، فلم أقدر عليه، وثلاثة أيّام، فلم أقدر عليه، ويومين، فلم أقدر عليه. قال شعيب بن حرب: وكنّا نأتى ابن المبارك، فنحفظ عنه، ثم ننظر هل نستطيع أن نتعلّق عليه بشئ، فلا نقدر على شئ من ذلك. وعن عمران بن موسى الطّرسوسىّ، قال: جاء رجل، فسأل سفيان الثّورىّ عن مسألة، فقال له: من أين أنت؟ قال: من أهل المشرق. قال: أو ليس عندكم أعلم أهل المشرق؟ قال: ومن هو يا أبا عبد الله؟ قال: عبد الله بن المبارك. قال: هو أعلم أهل المشرق؟ قال: نعم، وأهل المغرب.وعن عبد الرحمن ابن أبى جميل، قال: كنّا حول ابن المبارك بمكة، فقلنا له: يا عالم المشرق حدّثنا، وسفيان قريب منا، فقال: ويحكم، عالم المشرق والمغرب وما بينهما. وعن سفيان بن عيينة، قال: نظرت فى أمر الصحابة وأمر ابن المبارك، فما رأيت لهم عليه فضلا إلاّ بصحبتهم النبىّ ﷺ، وغزوهم معه. وعن أبى إسحاق الفزارىّ، أنّه كان يقول: ابن المبارك عندنا إمام المسلمين. وفى رواية عنه: إمام المسلمين أجمعين. وكان أبو إسحاق هذا يجلّ ابن المبارك، ويجلس بين يديه، ويسائله، ويستفيد منه، مع جلالة أبى إسحاق، وعلوّ قدره. وسأله رجل مرّة عن [مسألة] (¬١) فقال: هل كتبت فيها إلى إمام المسلمين. يعنى عبد الله بن المبارك. وكان ابن مهدىّ يقول: كان ابن المبارك أعلم من سفيان الثّورىّ. وعنه أيضا أنّه قال: ما رأيت مثل ابن المبارك. فقال له يحيى بن سعيد القطّان: ولا سفيان ولا شعبة؟ قال: ولا سفيان ولا شعبة، كان ابن المبارك عالما فقيها فى علمه، حافظا، زاهدا عابدا، غنيّا، حجّاجا، غزّاء، نحويّا، شاعرا، ما رأيت مثله. وعن عبد الله بن إدريس، كان يقول: كلّ حديث لا يعرفه ابن المبارك،/فنحن منه براء. وعن ابن مهدىّ، أنّه كان يقول: ما رأت عيناى مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث من الثّورىّ، ولا أشدّ تقشّفا من شعبة، ولا أعقل من مالك بن أنس، ولا أنصح للأمّة من عبد الله بن المبارك. وعن إسماعيل بن عيّاش، قال: ما على وجه الأرض مثل عبد الله بن المبارك، ولا أعلم أنّ الله ﷿ خلق خصلة من خصال الخير إلاّ وقد جعلها فى عبد الله بن المبارك. وروى عن عبد الله بن المبارك، أنّه استعار قلما بأرض الشام، ونسى أن يردّه إلى صاحبه، فلمّا قدم مرو، رأى القلم فى أمتعته، فرجع إلى أرض الشام حتى ردّه إلى صاحبه. وهذا من نهاية الورع، الذى لا مزيد عليه، رحمه الله تعالى، ورضى عنه، فما كان أزهده وأتقاه.وعن أبى وهب، أنّه قال (¬١): مرّ ابن المبارك برجل أعمى، فقال له: أسألك أن تدعو الله أن يردّ علىّ بصرى. قال: فدعا الله، فردّ عليه بصره وأنا انظر. وعن سويد بن سعيد، قال: رأيت عبد الله بن المبارك بمكة أتى زمزم، فاستقى منه شربة، ثم استقبل الكعبة فقال: اللهمّ إن ابن أبى الموّال حدّثنا، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبىّ ﷺ، أنّه قال: «ماء زمزم لما شرب له» (¬٢)، وهذا أشربه لعطش القيامة. ثم شربه. وعن عبد الله بن سنان، قال: كنت مع ابن المبارك، والمعتمر بن سليمان، بطرسوس، فصاح الناس: النّفير، النفير. قال: فخرج ابن المبارك والمعتمر، وخرج الناس، فلما اصطفّ المسلمون والعدوّ، خرج علج من الرّوم يطلب البراز، فخرج إليه رجل مسلم، فشدّ العلج على المسلم، فقتل المسلم، حتى قتل ستّة من المسلمين مبارزة، فجعل يتبختر بين الصّفّين، يطلب المبارزة، لا يخرج إليه أحد، قال: فالتفت إلىّ ابن المبارك فقال: يا عبد الله، إن حدث بى حدث الموت، فافعل كذا وكذا. قال: وحرّك دابّته، وخرج العلج، فعالج معه ساعة، فقتل العلج، وطلب المبارزة، فخرج إليه علج آخر، فقتله، حتى قتل ستّة من العلوج مبارزة، وطلب البراز، فكأنّهم كاعوا عنه، فضرب دابّته، ونظر بين الصّفّين، وغاب، فلم أشعر بشئ إلاّ وابن المبارك فى الموضع الذى كان فيه، فقال لى: يا عبد الله لئن حدّثت بهذا أحدا وأنا حىّ. وذكر كلمة. قال: فما حدّثت به أحدا وهو حىّ. وعن محمد بن إبراهيم بن أبى سكينة، قال: أملى علىّ عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودّعته للخروج، وأنفذها معى إلى الفضيل بن عياض، فى سنة سبعين ومائة، وفى رواية، سنة سبع وسبعين ومائة (¬٣): يا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنّك فى العبادة تلعب من كان يخضب خدّه بدموعه … فنحورنا بدمائنا تتخضّبأو كان يبعث خيله فى باطل … فخيولنا يوم الصّبيحة تتعب (¬١) ريح العبير لكم ونحن عبيرنا … رهج السّنابك والغبار الأطيب (¬٢) ولقد أتانا من مقال نبيّنا … قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوى وغبار خيل الله فى … أنف امرئ ودخان نار تلهب (¬٣) هذا كتاب الله ينطق بيننا … ليس الشهيد بميّت لا يكذب /قال: فلقيت الفضيل بن عياض فى المسجد الحرام بكتابه، فلمّا قرأه ذرفت عيناه، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن. ونصحنى، ثم قال: أنت ممّن يكتب الحديث؟ قلت: نعم يا أبا على. قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبى عبد الرحمن إلينا. وأملى علىّ الفضيل: حدّثنا منصور بن المعتمر، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، رضى الله تعالى عنه، أنّ رجلا قال: يا رسول الله، علّمنى عملا أنال به ثواب المجاهدين فى سبيل الله. فقال النبىّ ﷺ: «هل تستطيع أن تصلّى فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟» فقال يا رسول الله، أنا أضعف من أن أستطيع ذلك. ثمّ قال النبىّ ﷺ: «فو الّذى نفسى بيده، لو طوّقت ذلك، ما بلغت فضل المجاهدين فى سبيل الله، أما علمت أنّ فرس المجاهد ليستنّ فى طوله، فتكتب بذلك الحسنات» (¬٤). وعن عمر بن حفص الصّوفىّ، قال: خرج ابن المبارك من بغداد، يريد المصيّصة، فصحبه الصّوفيّة، فقال: أنتم لكم أنفس تحتشمون أن ينفق عليكم، يا غلام، هات الطّشت، فألقى على الطّشت منديلا، ثمّ قال: يلقى كلّ رجل منكم تحت المنديل ما معه، قال: فجعل الرجل يلقى عشرة دراهم، والرجل يلقى عشرين درهما، فأنفق عليهم إلى المصّيصة، فلمّا بلغ المصّيصة، قال: هذه بلاد نفير، فقسم ما بقى، فجعل يعطى الرجل عشرين دينارا، فيقول: يا أبا عبد الرحمن، إنّما أعطيت عشرين درهما، فيقول: وما تنكر إنّ الله ﵎ يبارك للغازى فى نفقته. وعن سلمة بن سليمان، قال (¬٥): جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك، فسأله أنيقضى دينا عليه، فكتب له إلى وكيل له، فلمّا ورد عليه الكتاب، قال له الوكيل: كم الدّين الذى سألت فيه عبد الله أن يقضيه عنك؟ قال: سبعمائة درهم. قال: فكتب إلى عبد الله: إنّ هذا الرجل سألك أن تقضى عنه سبعمائة درهم، وكتبت إلىّ سبعة آلاف درهم، وقد فنيت الغلاّت. فكتب إليه عبد الله: إن كانت الغلاّت قد فنيت، فإنّ العمر أيضا قد فنى، فأجر له ما سبق به قلمى له. وفى رواية أخرى، أنّه كتب إلى الوكيل فى جواب كتابه: إذا أتاك كتابى هذا، وقرأته، وفهمت ما ذكرت فيه، فادفع إلى صاحب هذا الكتاب أربعة عشر ألفا. فكتب إليه: إن كان على الفعل نفعل، ما أسرع ما نبيع الضّيعة. فكتب إليه عبد الله: إن كنت وكيلى فأنفذ ما آمرك به، وإن كنت أنا وكيلك فتعال إلى موضعى حتى أصير إلى موضعك، فأنفذ ما تأمرنى به. وعن محمد بن عيسى، قال (¬١): كان عبد الله بن المبارك كثير الاختلاف إلى طرسوس، وكان ينزل الرّقّة فى خان، فكان شابّ يختلف إليه، ويقوم بحوائجه، ويسمع منه الحديث، قال: فقدم عبد الله الرّقّة مرّة، فلم ير ذلك الشابّ، وكان مستعجلا، فخرج فى النّفير، فلما قفل من غزوته، ورجع إلى الرّقّة، سأل عن الشابّ، قال: فقالوا: إنّه محبوس لدين ركبه. قال: فقال عبد الله: وكم مبلغ دينه؟ قالوا: عشرة آلاف درهم. فلم يزل يستقصى حتى دلّ على صاحب المال، فدعا به ليلا، ووزن له عشرة آلاف درهم، وحلّفه أن لا يخبر أحدا ما دام عبد الله حيّا، وقال: إذا أصبحت فأخرج الرجل من الحبس. وأدلج عبد الله، فأخرج الفتى، فقيل له: عبد الله بن المبارك كان هاهنا/، وكان يذكرك، وقد خرج، فخرج الفتى فى إثره، فلحقه على مرحلتين أو ثلاثة من الرّقّة، فقال: يا فتى، أين كنت، لم أرك فى الخان. قال: نعم يا أبا عبد الرحمن، كنت محبوسا لدين علىّ. قال: فكيف كان سبب خلاصك؟ فقال: جاء رجل، فقضى دينى، ولم أعلم به حتى خرجت من الحبس. فقال له عبد الله: يا فتى، احمد الله على ما وفّق لك من قضاء دينك. فلم يخبر ذلك الرّجل أحدا إلاّ بعد موت عبد الله. وعن عثمان بن سعيد، أنّه قال (¬٢): سمعت نعيم بن حمّاد، يقول: كان ابن المباركيكثر الجلوس فى بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبىّ ﷺ وأصحابه. يعنى النّظر فى الحديث. وعن أبى نعيم، أنّه قال: كان ابن المبارك يتّجر، ويقدم كلّ سنة مكة، فيبعث بالصّرر إلى أربابها، كفضيل بن عياض، وابن عيينة، وابن عليّة وغيرهم، فقدم سنة مكة، فوجد ابن عليّة قد ولى الصّدقات لهارون الرّشيد، فبعث بالصّرر إلى أربابها، ولم يبعث إلى ابن عليّة شيئا، وكان يعطيه فى كلّ سنة خمسمائة درهم، فركب ابن عليّة إليه، فسلّم عليه، فلم يرفع له رأسا، ولم يكلّمه، فكتب إليه: أسعدك الله بطاعته، وتولاّك بحفظه، وحاطك بحياطته، قد كنت منتظر البرّ والصّلة منك، لأتبرّك بها، وجئتك مسلّما، فلم تكلّمنى، فأىّ شئ بدا منّى، فعرّفنى حتى أعتذر منه. فلما قرأها ابن المبارك، قال: يأبى هذا الرجل إلاّ أن أقشر له العصا. وكتب إليه، رحمه الله تعالى (¬١): يا جاعل العلم له بازيا … يصيد أموال المساكين (¬٢) احتلت للدّنيا ولذّاتها … بحيلة تذهب بالدّين فصرت مجنونا بها بعد ما … كنت دواء للمجانين أين رواياتك فى سردها … عن ابن عون وابن سيرين أين أحاديثك والقول فى … لزوم أبواب السّلاطين (¬٣) إن قلت أكرهت فما كان ذا … زلّ حمار العلم فى الطّين (¬٤) فلما قرأ الأبيات بكى، ودخل على هارون، فاستعفاه فقال: لعلّك التقيت بالمروزىّ؟ فقال له: ارحم شيبى. فأقاله، فبعث إليه ابن المبارك برسمه. وعن الأصمعىّ، قال: سمعت ابن المبارك يقول: إنّه ليعجبنى من القرّاء كلّ طلق مضحاك، فأمّا من تلقاه بالبشر ويلقاك بالعبوس، كأنّه يمنّ عليك بعمله، فلا أكثر الله فى القرّاء مثله.وسئل ابن المبارك: من أحسن الناس حالا؟ قال: من انقطع إلى الله ﷿. وكان يقول: من بخل بالعلم ابتلى بثلاث: إمّا أن يموت، فيذهب علمه، أو ينسى، او يتّبع السّلطان. وكان يقول: لأن أخرّ من السماء، أحبّ إلىّ من أن أدلّس حديثا. وذكر عنده رجل ممّن كان يدلّس، فقال فيه قولا شديدا، وأنشد فيه (¬١): دلّس للناس أحاديثه … والله لا يقبل تدليسا وعنه أنّه قال: من استخفّ بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخفّ بالأمراء ذهبت/ دنياه، ومن استخفّ بالإخوان ذهبت مروءته. وعن محمد بن حميد، قال: عطس رجل عند ابن المبارك. قال: فقال له ابن المبارك: أيش يقول الرجل إذا عطس؟ قال: يقول الحمد لله. قال: فقال له ابن المبارك: يرحمك الله. قال: فعجبنا كلّنا من حسن أدبه. وكان يقول لأصحاب الحديث: أنتم إلى قليل من الأدب أحوج منكم إلى كثير من العلم. وسمع وهو يخاطب نفسه فيقول: يا ابن المبارك، إذا عرفت نفسك، لم يضرّك ما قيل فيك. وعنه أنّه قال: خصلتان من كانتا فيه نجا: الصّدق، وحبّ أصحاب رسول الله محمد ﷺ. ومن شعر ابن المبارك، رحمه الله تعالى (¬٢): إنّى امرؤ ليس فى دينى لغامزة … لين ولست على الإسلام طعّانا شغلى بقوم مضوا كانوا لنا سلفا … وللرّسول مع العرفان أعوانا فما الدّخول عليهم فى الذى عملوا … بالطّعن منّى وقد فرّطت عصيانا فلا أسبّ أبا بكر ولا عمرا … ولا أسبّ معاذ الله عثمانا ولا ابن عمّ رسول الله أشتمه … حتى ألبّس تحت التّرب أكفاناولا الزّبير حوارىّ الرّسول ولا … أهدى لطلحة شتما عزّ أو هانا ولا أقول علىّ فى السّحاب إذا … قد قلت والله ظلما ثمّ عدوانا ولا أقول بقول الجهم إنّ له … قولا يضارع أهل الشّرك أحيانا ولا أقول تخلّى من خليقته … ربّ العباد وولّى الأمر شيطانا ما قال فرعون هذا فى تجبّره … فرعون موسى ولا هامان طغيانا (¬١) لكن على ملّة الإسلام ليس لنا … اسم سواه بذاك الله سمّانا إنّ الجماعة حبل الله ما اعتصموا … بها من العروة الوثقى لمن دانا ومن نظمه أيضا، وأظنّه من النظم الذى قبله، قوله: إنّى أحبّ عليّا حبّ مقتصد … ولا أرى دونه فى الفضل عثمانا أمّا علىّ فقد كانت له قدم … فى السّابقين بها فى الناس قد بانا وكان عثمان ذا صدق وذا ورع … برّا حييّا جزاه الله غفرانا ما كان والله من قلبى مشايعة … للمبغضين عليّا وابن عفّانا لأمنحنّهم بغضى علانية … ولست أكتمه فى الصّدر كتمانا ولا أرى حرمة يوما لمبتدع … وهنا يكون له منّى وإدهانا وعن بعضهم قال: سئل ابن المبارك: ما خير ما أعطى الإنسان؟ قال: غزير عقل. قيل: فإن لم يكن. قال: أدب حسن. قيل: فإن لم يكن. قال: أخ صالح يستشيره. قيل: فإن لم يكن، قال: صمت طويل. قيل: فإن لم يكن. قال: موت عاجل. وعن الحسن بن عيسى، قال: سمعت عبد الله بن المبارك، رضى الله تعالى عنه يقول (¬٢): اغتنم ركعتين زلفى إلى اللّ … هـ إذا كنت فارغا مستريحا /وإذا ما هممت بالزّور والبا … طل فاجعل مكانه تسبيحا (¬٣) فاغتنام السّكوت أفضل للمر … ء وإن كان بالكلام فصيحا (¬٤)وعن عبد السّلام بن صالح، قال: سمع ابن المبارك رجلا يتكلّم بما لا يعنيه، فقال (¬١): تعاهد لسانك إنّ اللسان … سريع إلى المرء فى قتله (¬٢) وهذا اللسان بريد الفؤاد … يدلّ الرجال على عقله (¬٣) وعن محمد بن إدريس الحنظلىّ، قال: قال عبد الله بن المبارك (¬٤): أدّبت نفسى فما وجدت لها … من بعد تقوى الله من أدب (¬٥) فى كلّ حالاتها وإن قصرت … أفضل من صمتها عن الكذب (¬٦) وغيبة الناس إنّ غيبتهم … حرّمها ذو الجلال فى الكتب إن كان من فضّة كلامك يا … نفس فإنّ السّكوت من ذهب وعن أبى أميّة الأسود، أنّه قال: سمعت عبد الله بن المبارك، يقول: أحبّ الصّالحين ولست منهم، وأبغض الطّالحين وأنا شرّ منهم. ثم أنشأ (¬٧): الصّمت زين بالفتى … من منطق فى غير حينه (¬٨) والصّدق أجمل بالفتى … فى القول عندى من يمينه وعلى الفتى بوقاره … سمة تلوح على جبينه من ذا الذى يخفى علي … ك إذا نظرت إلى قرينه ربّ امرئ متيقّن … غلب الشّقاء على يقينه فأزاله عن رأيه … فابتاع دنياه بدينه انتهى. قلت: وممّا ينسب إلى الإمام الشافعىّ، رضى الله تعالى عنه، من النظم قوله:أحبّ الصّالحين ولست منهم … ولكنّى أروم بهم شفاعه وأكره من بضاعته المعاصى … ولكنّى شريك فى البضاعه فكأنّه أخذه من قول عبد الله بن المبارك المتقدّم آنفا. وكان ابن المبارك يقول: سخاء النفس عمّا فى أيدى الناس أكبر من سخاء النفس بالبذل، والقناعة والرّضا أكبر من مروءة الإعطاء. وكان ينشد: ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع له … ولن ترى قانعا ما عاش مفتقرا والعرف من يأته يحمد عواقبه … ما ضاع عرف وإن أوليته حجرا ومن شعره أيضا قوله: لا تضرعنّ لمخلوق على طمع … فإنّ ذاك مضرّ منك بالدّين واسترزق الله ممّا فى خزائنه … فإنّما هى بين الكاف والنّون ألا ترى كلّ من ترجو وتأمله … من البريّة مسكين بن مسكين /ومنه قوله (¬١): كل من الجاورس والرّزّ … ومن خبز الشّعير (¬٢) واجعلن ذاك حلالا … تنج من نار السّعير والتمس رزقك من ذى ال … عرش والرّبّ القدير وارض يا ويحك من دن … ياك بالقوت اليسير إنّها دار بلاء … وزوال وغرور كم لعمرى صرعت قب … لك أصحاب القصور (¬٣) وذوى الهيئة فى المج … لس والجمع الكثيرأخرجوا منها فما كا … ن لديهم من نكير كم ببطن الأرض ثاو … من شريف ووزير وصغير الشأن عبد … خامل الذّكر حقير لو تصفّحت قبور ال … قوم فى يوم بصير (¬١) لم تميّزهم ولم تع … رف غنيّا من فقير خمدوا فالقوم صرعى … تحت أطباق الصّخور (¬٢) استووا عند مليك … بمساويهم خبير حكم يعدل لا يظ … لم مقدار النّقير ومن شعره أيضا، رضى الله تعالى عنه (¬٣): يا عائب الفقر ألا تعتبر … عيب الغنى أكبر لو تعتبر (¬٤) من شرف الفقر ومن فضله … على الغنى إن صحّ منك النّظر أنّك تعصى لتنال الغنى … ولست تعصى الله كى تفتقر وعن الفضيل بن عياض، قال: سئل عبد الله بن المبارك: من الناس؟ قال: العلماء. قيل: فمن الملوك؟ قال: الزّهّاد. قيل: فما السّفلة؟ قال: الذى يأكل بدينه. وفى رواية أخرى، عن الحسن بن عيسى، قيل له: فمن الغوغاء؟ قال: خزيمة بن خازم وأصحابه، قيل: فما الدّنىّ؟ قال: الذى يذكر غلاء السّعر عند الضّيف. وكان ابن المبارك يتمثّل بقول بعضهم (¬٥): ركوب الذّنوب يميت القلوب … وقد يورث الذّلّ إدمانها (¬٦) وترك الذنوب حياة القلوب … وخير لنفسك عصيانها (¬٧)وكان يتمثّل أيضا بقول الآخر: وكيف تحبّ أن تدعى حكيما … وأنت لكلّ ما تهوى ركوب وتضحك دائبا ظهرا لبطن … وتذكر ما عملت ولا تتوب وسمع وهو على سور طرسوس يقول هذين البيتين (¬١): ومن البلاء وللبلاء علامة … أن لا يرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النّفس فى شهواتها … والحرّ يشبع مرّة ويجوع وأنشد الحسن بن إبراهيم البجلىّ لابن المبارك قوله: تعصى الإله وأنت تظهر حبّه … هذا محال فى الفعال بديع لو كان حبّك صادقا لأطعته … إن المحبّ لمن يحبّ مطيع والذى يغلب على الظّنّ، أنّ هذين البيتين أخوا البيتين اللذين قبلهما. وروى أنّ بعض أصحابه أراد أن يسافر إلى مكة، فقال له: أما توصينا، أما تقوّينا؟ فقال له عبد الله: إذا صاحبت فى الأسفار قوما … فكن لهم كذى الرّحم الشّفيق بعيب النفس ذا بصر وعلم … غبىّ النفس عن عيب الرّفيق ولا تأخذ بعثرة كلّ يوم … ولكن قل هلمّ إلى الطريق فإن تأخذ بعثرتهم يقلّوا … وتبقى فى الزمان بلا صديق وقال بعضهم: سمعت عبد الله بن المبارك ينشد: أعداء غيب اخوة التّلاقى … يا سوءنا من هذه الأخلاق كأنّما اشتقّت من النّفاق فى إخوان العلانية وأعداء السّريرة. وعن المسيّب بن واضح، قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: حفروا بخراسان حفيرا، فوجدوا رأس إنسان، فوزنوا سنّا من أسنانه، فإذا فيه سبعة أساتير (¬٢).وفى رواية أخرى، عن محمد بن أعين، حمل أبو جميل سنّين من خارج حصن مرو إلى عبد الله بن المبارك، فوضعهما عبد الله بين يديه، ودعا بالميزان فوزنهما أو وزن أحدهما، فإذا فيه منوان وزيادة فى كلّ سنّ، فوضعه عبد الله، وقال فيه شعرا (¬١): أتيت بسنّين قد رمّتا … من الحصن لمّا أثاروا الدّفينا على وزن منّين إحداهما … يقلّ به الكفّ شيئا رزينا (¬٢) ثلاثين أخرى على قدرها … تباركت يا أحسن الخالقينا (¬٣) فماذا يقوم لأفواهها … وما كان يملأ تلك البطونا إذا ما تذكّرت أجسامهم … تقاصرت بالنّفس حتى تهونا (¬٤) وكلّ على ذاك لاقى الرّدى … فبادوا جميعا فهم خامدونا ومن شعر عبد الله أيضا قوله: أيا ربّ يا ذا العرش أنت رحيم … وأنت بما تخفى الصّدور عليم فيا ربّ هب لى منك حلما فإنّنى … أرى الحلم لم يندم عليه حليم ويا ربّ هب لى منك عزما على التّقى … أقيم به فى الناس حيث أقيم ألا إنّ تقوى الله أكرم نسبة … يسامى بها عند الفخار كريم /إذا أنت نافست الرجال على التّقى … خرجت من الدنيا وأنت سليم أراك امرءا ترجو من الله عفوه … وأنت على ما لا يحبّ مقيم وإنّ امرءا لا ترتجى الناس عفوه … ولم يأمنوا منه الأذى للئيم وعن عمر بن عقبة، عن ابن المبارك، أنّه كان يقول فى دعائه: اللهمّ إنّى أسألك الشهادة فى غير جهد بليّة، ولا تبديل نيّة. وقد روى أنّ الله تعالى قد منّ عليه بإجابة دعوته، فأماته شهيدا غريبا فى غير تربته، من غير جهد فى الشهادة، ولا تبديل فى الإرادة.وعن الحسن بن عيسى، قال: لمّا حضرت ابن المبارك الوفاة، قال لنصر مولاه: اجعل رأسى على التّراب. قال: فبكى نصر، فقال له: ما يبكيك؟ قال: أذكر ما كنت فيه من النّعيم، وأنت هو تموت فقيرا غريبا. فقال له: اسكت، فإنّى سألت الله ﵎ أن يحيينى حياة الأغنياء، وأن يميتنى ميتة الفقراء. ثم قال: لقّنّى، ولا تعد علىّ إلاّ أن أتكلّم بكلام ثان. وروى أنّه لمّا حضرته الوفاة، جعل رجل يلقّنه: قل لا إله إلاّ الله. فأكثر عليه، فقال: إنّك ليس تحسن، أخاف أن تؤذى بها رجلا مسلما بعدى، إذا لقّنتنى فقل: لا إله إلاّ الله. ثمّ إن لم أحدث كلاما بعدها فدعنى، فإذا أحدثت كلاما بعدها، فلقّنى حتى تكون آخر كلامى. وعن أبى القاسم القشيرىّ، أنّه قال: قيل فتح عبد الله بن المبارك عينيه عند الوفاة، فضحك، وقال: ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ (¬١). وروى أن رؤى على قبر عبد الله بن المبارك مكتوب: الموت بحر موجه غالب … تذهل فيه حيل السّابح لا يصحب المرء إلى قبره … غير التقى والعمل الصّالح ولمّا مات ابن المبارك، وبلغ موته الرّشيد، جلس للعزاء، وأمر الأعيان أن يعزّوه فيه، وعدّ ذلك من محاسن الرشيد. وروى عن أبى حاتم الفربرىّ، أنّه كان يقول: رأيت عبد الله بن المبارك فى المنام، واقفا على باب الجنة، بيده مفتاح، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، ما يوقفك ههنا؟ قال: هذا مفتاح باب الجنة، دفعه إلىّ محمد ﷺ، وقال: حتى أزور الرّبّ ﷾، فكن أمينى فى السماء، كما كنت أمينى فى الأرض. وفى «تاريخ العينىّ» عن على بن الحسن بن شقيق، أنّه قال: توجّه ابن المبارك من مرو إلى الكوفة للحجّ، فخرج ثم رجع بعد ذلك عن قريب، فسألته عن سبب رجوعه، فقال: خرجت إلى موقف الكوفة، وفى كمّى خمسمائة دينار، لأشترى بها جمالا، فرأيت امرأة تسارق الناس من بعيد، وتتقدّم إلى مزبلة هناك، عليها بطّة ميّتة، تريد أن تأخذها، فإذا نظر إليها أحد أمسكت، فغفل الناس عنها، فأخذتها وأنا أسارقهاالنّظر، فتبعتها وقلت لها: تأكلين الميتة! فقالت: يا أبا عبد الله، ألا تسألنى؟ قال: فوقع كلامها فى قلبى، فألححت عليها، فقالت: قد أحوجتنى إلى هتك سترى، وكشف سرّى، أنا امرأة شريفة، مات زوجى، وترك أربعة/بنات يتامى، وليس يسترنا إلاّ الحيطان، ولنا أربعة أيّام ما أكلنا شيئا، فخرجت أتسبّب لهنّ فى شئ، فلم أجد غير هذه البطّة، فأخذتها لأصلحها وأحملها إلى بناتى فيأكلنها. فقلت: افتحى حجرك. ففتحته، فصببت الدّنانير فيه، ونزع الله من قلبى شهوة الحجّ فى تلك السّنة، وعدت إلى بلدى، وأقمت حتى عاد الناس من الحجّ، فخرجت أتلقّاهم، فجعلت كلّ من أقول له: قبل الله حجّك. يقول: وأنت قبل الله حجّك. وأكثر علىّ الناس، وبتّ متعجّبا، فرأيت رسول الله ﷺ فى المنام، فقال لى: يا ابن المبارك، لا تعجب، فإنّك أغثت ملهوفة من ولدى، فسألت الله أن يخلق على صورتك ملكا يحجّ عنك إلى يوم القيامة، وهو يحجّ عنك، فإن شئت أن تحجّ، وإن شئت أن لا تحجّ. وروى عن محمد بن فضل بن عياض، أنّه قال: رأيت عبد الله بن المبارك فى المنام، فقلت: أىّ العمل، وفى رواية: أىّ الأعمال وجدت أفضل؟ قال: الأمر الذى كنت فيه. قلت: الرّباط والجهاد؟ قال: نعم. قلت: فأىّ شئ صنع بك؟ وفى رواية: صنع بك ربّك؟ قال: غفر لى مغفرة تتبعها مغفرة. وفى رواية: ما بعدها مغفرة، وكلّمتنى امرأة من أهل الجنة وامرأة من الحور العين. وروى أنّ بعض الصّلحاء رأى فى منامه، كأنّ غمامة على السماء مكتوبا عليها سطر: من أراد النّجاة، فعليه بكتب عبد الله بن المبارك. وفى «تهذيب الأسماء واللّغات» (¬١)، للإمام النّووىّ، فى ترجمة ابن المبارك، وروينا عن عبثر (¬٢) بن القاسم، قال: لمّا قدم هارون الرّشيد الرّقّة، أشرفت أمّ ولد له من قصر، فرأت الغبرة قد ارتفعت، والبغال قد تقطّعت، وانجفل الناس، فقالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من خراسان، يقال له ابن المبارك. قالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذى لا يجتمع له الناس إلاّ بالسّوط والخشب. قال عمّار بن الحسن يمدح ابن المبارك، رضى الله تعالى عنه (¬٣):إذا سار عبد الله من مرو ليلة … فقد سار منها نورها وجمالها إذا ذكر الأخيار من كلّ بلدة … فهم أنجم فيها وأنت هلالها (¬١) وكان ابن المبارك كثيرا ما يتمثّل بهذين البيتين (¬٢): إذا صاحبت فاصحب ماجدا … ذا حياء وعفاف وكرم (¬٣) قوله للشّئ لا إن قلت لا … وإذا قلت نعم قال نعم *وأمّا روايات عبد الله بن المبارك عن أبى حنيفة فى الفقه وغيره فكثيرة جدّا؛ منها: أنه قال: سألت أبا حنيفة، رضى الله تعالى عنه، عن الرّجل يبعث بزكاة ماله من بلد إلى بلد آخر، فقال: لا بأس بأن يبعثها من بلد إلى بلد آخر، لذى قرابته. *وقال ابن وهب: سئل عبد الله بن المبارك عن أكل لحم العقعق (¬٤)، فقال: كرهه أبو حنيفة. *وسئل عن وقت عشاء الآخرة، فذكر عن أبى حنيفة: حتى يصبح. *قال: وقال عبد الله بن المبارك: كان أبو حنيفة يقول: قدم أيّوب بن أبى تميمة السّختيانىّ، وأنا بالمدينة، فقلت: لأنظرنّ ما يصنع، فجعل ظهره ممّا يلى القبلة، ووجهه ممّا يلى وجه رسول الله ﷺ، وبكى غير متباك، فقام مقام رجل فقيه. ومن كلام ابن المبارك: إذا غلبت محاسن الرجل لم نذكر المساوى، وإذا غلبت /المساوى على المحاسن لم نذكر المحاسن. وكان يقول: عتق الجارية الحسناء مضيعة. وسئل عن العجب ما هو؟ فقال: أن ترى عندك شيئا ليس عند غيرك. وسئل عن الكبر، فقال: أن تزدرى الناس. وسئل عن التّواضع، فقال: التّكبّر على الأغنياء. فأخذ هذا المعنى شاعر، فنظمه، وقال:لم ألق مستغنيا إلاّ تحرّك لى … عند اللّقاء له الكبر الذى فيه ولا حلا لى من الدنيا ولذّتها … إلاّ مقابلتى للتّيه بالتّيه *وقال أحمد بن عبد الله بن يونس: سمعت ابن المبارك قرأ شيئا من القرآن، ثم قال: من زعم أنّ هذا مخلوق فقد كفر بالله العظيم. وكان وفاة ابن المبارك-كما قاله الذّهبىّ -بهيت، فى رمضان، سنة إحدى وثمانين ومائة، رحمه الله تعالى. ومحاسن ابن المبارك ومناقبه وفضائله لا تدخل تحت الحصر، وفيما ذكرناه منها مقنع، ونحن نسأل الله تعالى، ونتوسّل إليه بنبيّه محمد ﷺ، وبأبيه إبراهيم الخليل ﵊، وأولاده السّادة الأكرمين، وجميع الأنبياء والمرسلين، وبعبد الله بن المبارك، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، أن يتوفّانا على الإسلام، وأن يدخلنا فى شفاعة سيّد الأنام، وأن لا يعسّر علينا مرادا، وأن لا يردّ بخيبة الحرمان لنا مرتادا، إنّه جواد كريم، رءوف رحيم، لا يخيّب من سأله، ولا يردّ من قصده، آمين. ***
  • reviewable assessment hintthiqa thiqaneeds reviewhigh confidenceيحيى بن معينpage 1178, entry [1151]347 chars
    نه للعلم. وعن شعيب بن حرب قال: ما لقى ابن المبارك مثل نفسه. وعن شعبة: ما قدم علينا مثل ابن المبارك. وقال أبو إسحاق الفزارىّ: ابن المبارك إمام المسلمين. وعن ابن معين: كان ثقة ثبتا، وكانت كتبه التى حدّث بها نحوا من عشرين ألف حديث. وعن يحيى بن آدم قال: كنت إذا طلبت الدّقيق من المسائل، فلم أجده فى كتب ابن المبارك، أيست منه. وعن إسماعيل بن عيّاش، قال
  • reviewable assessment hintmajhulneeds reviewmedium confidencepage 1178, entry [1151]347 chars
    ولا سفيان ولا شعبة، كان ابن المبارك عالما فقيها فى علمه، حافظا، زاهدا عابدا، غنيّا، حجّاجا، غزّاء، نحويّا، شاعرا، ما رأيت مثله. وعن عبد الله بن إدريس، كان يقول: كلّ حديث لا يعرفه ابن المبارك،/فنحن منه براء. وعن ابن مهدىّ، أنّه كان يقول: ما رأت عيناى مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث من الثّورىّ، ولا أشدّ تقشّفا من شعبة، ولا أعقل من مالك بن أنس، ولا
  • reviewable assessment hintmudallisneeds reviewmedium confidencepage 1178, entry [1151]345 chars
    سّلطان. وكان يقول: لأن أخرّ من السماء، أحبّ إلىّ من أن أدلّس حديثا. وذكر عنده رجل ممّن كان يدلّس، فقال فيه قولا شديدا، وأنشد فيه (¬١): دلّس للناس أحاديثه … والله لا يقبل تدليسا وعنه أنّه قال: من استخفّ بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخفّ بالأمراء ذهبت/ دنياه، ومن استخفّ بالإخوان ذهبت مروءته. وعن محمد بن حميد، قال: عطس رجل عند ابن المبارك. قال: فقا