تقي الدين ابن عبد القادر التميمي - الطبقات السنية في تراجم الحنفية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1037, entry [988]5,030 chars
٩١٩ - سفيان بن سعيد بن مسروق، الإمام، شيخ الإسلام، سيّد الحفّاظ، أبو عبد الله الثّورىّ (¬**) ثور مصر، لا ثور همدان. الكوفىّ، الفقيه. ذكر الصّيمرىّ عن علىّ بن مسهر، أنّ سفيان بن سعيد أخذ عنه علم أبى حنيفة، ونسخ كتبه، وكان أبو حنيفة ينهاه عن ذلك. وعن أبى يوسف، أنه قال: سفيان الثّورىّ أكثر متابعة لأبى …
▸ expand full passage (5,030 chars)٩١٩ - سفيان بن سعيد بن مسروق، الإمام، شيخ الإسلام، سيّد الحفّاظ، أبو عبد الله الثّورىّ (¬**) ثور مصر، لا ثور همدان. الكوفىّ، الفقيه. ذكر الصّيمرىّ عن علىّ بن مسهر، أنّ سفيان بن سعيد أخذ عنه علم أبى حنيفة، ونسخ كتبه، وكان أبو حنيفة ينهاه عن ذلك. وعن أبى يوسف، أنه قال: سفيان الثّورىّ أكثر متابعة لأبى حنيفة منّى. حدّث سفيان عن أبيه، وزبيد بن الحارث، وحبيب بن أبى ثابت، والأسود بن قيس،وزياد بن علاقة، ومحارب بن دثار، وطبقتهم. وعنه ابن المبارك، ويحيى القطّان، وابن وهب، ووكيع، والفريابىّ، وقبيصة، وأبو نعيم، ومحمد بن كثير، وأحمد بن يونس اليربوعىّ، وخلائق. قال شعبة، ويحيى بن معين، وجماعة: سفيان أمير المؤمنين فى الحديث. وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ، ما فيهم أفضل من سفيان. وقال أبو أسامة: من أخبرك أنّه رأى مثل سفيان، فلا تصدّقه. ومن كلام سفيان، رحمه الله تعالى: وددت أنّى نجوت من العلم، لا علىّ ولا لى، وما من عمل أنا أخوف علىّ منه من الحديث. وقال: العالم طبيب الدّين، والدّرهم داء الدّين، فإذا اجترّ الطبيب الدّاء إليه متى يداوى غيره! وقال: ليس شئ أنفع للناس من الحديث. وكان يقول: ليس طلب الحديث من عدّة الموت، لكنّه علّة تتشاغل به الرّجال. قال الذّهبىّ، بعد نقل هذا الكلام: قلت: صدق والله، إنّ طلب الحديث شئ غير الحديث، فطلب الحديث اسم عرفىّ لأمور زائدة على تحصيل ماهيّة الحديث، وكثير منها راق إلى العلم، وأكثرها أمور يسعف بها المحدّث؛ من تحصيل النّسخ المليحة، وتطلّب المعالى، وتكثير الشّيوخ، والفرح بالألقاب والثّناء، وتمنّى العمر الطويل ليروى، وحبّ التفرّد، إلى أمور كثيرة لازمة للأغراض النّفسانية، لا للأعمال الربّانيّة، فإذا كان طلب الحديث النبوىّ محفوفا بهذه الآفات، فمتى خلاصك منها إلى الإخلاص، فإذا كان علم الآثار مدخولا، فما ظنّك بعلم المنطق والجدل، وحكمة الأوائل التى تسلب الإيمان، وتورث الشّكوك والحيرة، التى لم تكن والله من علم الصّحابة ولا التّابعين، ولا من علم الأوزاعىّ والثّورىّ ومالك وأبى حنيفة وابن أبى ذئب وشعبة، ولا والله عرفها ابن المنذر، ولا أبو يوسف، القائل: من طلب الدّين بالكلام تزندق. ولا وكيع، ولا ابن مهدىّ، ولا ابن وهب، ولا الشافعىّ، ولا عفّان، ولا أبو عبيد، ولا ابن المدينىّ وأحمد وأبو ثور والمزنىّ والبخارىّ والأثرم ومسلم والنّسائىّ وابن خزيمة وابن سريج وابن المنذر، وأمثالهم، بل علومهم القرآن والحديث والفقه والنحو، وشبه ذلك. انتهى. قلت: هذا كلام الذّهبىّ مع أهل زمانه، ونصيحته لهم، فكيف لو رأى أهل زمنناهذا، وميلهم إلى ما يميل عنه أهل الحقّ ممّن ذكرهم، واعتقادهم أن لا علم إلاّ الكلام والمنطق، وما أشبههما من العلوم التى نهى عنها أهل العلم، وحذّر منها أعلام الأمّة، حتى لقد سمعت ممّن أثق به من فضلاء الديار الروميّة، أنّه سمع شخصا من مواليهم يدّعى العلم، وينسب/إليه، ويعتقد أنّه تفرّد به، وأن الفضائل انتهت إليه، يقول: ما أظنّ أنّ الصّحابة كأبى هريرة، رضى الله تعالى عنه، وأمثاله، ولا التّابعين، لهم من الفهم والتّحقيق والاستنباط ما لنا، وما كانوا يعرفون ما نعرف من هذه التّحقيقات. إلى غير ذلك من الهذايات، وهذا كلام زنديق أعمى الله بصيرته، ومكر به، فنسأل الله العافية والسلامة، والوفاة على الإسلام بمنّه وكرمه. وقال سفيان أيضا، فيما سمعه منه الفريابىّ: ما من عمل أفضل من طلب الحديث، إذا صحّت النّيّة فيه. قال: وسمعته يقول: لو أردنا أن نحدّثكم بالحديث كما سمعناه، ما حدّثنا بحديث واحد. وروى الذّهبىّ، أنّ شعيب بن حرب قال لسفيان الثّورىّ: حدّثنى بحديث فى السّنّة، ينفعنى الله به، فإذا وقفت بين يديه، وسألنى عنه، قلت: يا ربّ حدّثنى بهذا سفيان الثّورىّ، فأنجو أنا وتؤاخذ أنت. قال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، القرآن غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، من قال غير هذا فهو كافر، والإيمان قول وعمل ونيّة، ويزيد وينقص، وتقدمة الشّيخين، إلى أن قال: ولا ينفعك حتى ترى المسح على الخفّين، وحتى ترى الإخفاء ببسم الله الرحمن الرحيم أفضل من الجهر بها، وحتى تؤمن بالقدر، وحتى ترى الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر، والجهاد ماض إلى يوم القيامة، والصّبر تحت لواء السلطان جار أو عدل. قال شعيب: فقلت: يا أبا عبد الله، الصّلاة كلها؟ قال: لا، ولكن صلاة العيدين والجمعة، صلّ خلف من أدركت، وأمّا سائر ذلك، فأنت مخيّر، لا تصلّ إلاّ خلف من تثق به، وتعلم أنّه من أهل السّنّة، إذا وقفت بين يدى الله تعالى وسألك عن هذا، فقل: يا ربّ، حدّثنى بهذا سفيان بن سعيد. ثم خلّ بينى وبين ربىّ ﷿. وقال الفريابىّ: سمعت الثّورى يقول: دخلت على المهدىّ، فقلت: بلغنى أنّ عمر، رضى الله تعالى عنه، أنفق فى حجّته اثنى عشر دينارا، وأنت فيما أنت فيه. فغضب وقال: تريدنى أن اكون فيما أنت فيه! قلت: فإن لم تكن فى مثل ما أنا فيه، ففىدون ما أنت فيه. وعن ضمرة: سمعت مالكا يقول: إنّما كانت العراق تجيش علينا بالدّراهم والثّياب، ثم صارت تجيش علينا بسفيان الثّورىّ. وقال النّووىّ، فى «تهذيب الأسماء واللغات»: روينا عن عبد الرزّاق، قال: بعث أبو جعفر أمير المؤمنين الخشّابين قدّامة حين خرج إلى مكّة، وقال: إذا رأيتم سفيان الثّورىّ فاصلبوه. فوصلوا مكة، ونصبوا الخشب، ونودى سفيان، فإذا رأسه فى حجر الفضيل بن عياض، ورجله فى حجر ابن عيينة، فقالوا يا أبا عبد الله، اتّق الله ولا تشمت بنا الأعداء، فتقدّم إلى أستار الكعبة فأخذها، وقال: برئت منه إن دخلها أبو جعفر. فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكّة. قال النّووىّ: وأحوال الثّورىّ، والثناء عليه، أكثر من أن تحصر، وأوضح من أن تشهر، وهو أحد أصحاب المذاهب الستّة المتبوعة. انتهى كلام النّووىّ. ومات بالبصرة، فى شعبان، سنة إحدى وستين ومائة، مختفيا من المهدىّ؛ لأنّه/ كان كما ذكرناه قوّالا بالحق، شديد الإنكار على الظّلمة، لا تأخذه فى الله لومة لائم. وكان مولده فى سنة سبع وتسعين. وطلب العلم وهو حدث، فإنّ أباه كان من علماء الكوفة. وقد ألّف ابن الجوزىّ فى مناقبه «مجلّدا». رحمه الله تعالى، ونفعنا ببركاته فى الدنيا والآخرة. ***