تقي الدين ابن عبد القادر التميمي - الطبقات السنية في تراجم الحنفية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 950, entry [918]6,905 chars
٨٥٣ - داود بن عيسى بن أبى بكر بن أيّوب بن شادى بن مروان أبو المفاخر بن أبى العزائم الملك الناصر ابن الملك المعظّم (¬*) فقيه، أديب. ولد فى جمادى الآخرة، سنة ثلاث وستمائة. وتوفّى ليلة السبت، الثامن والعشرين، من جمادى الأولى، سنة ست وخمسين وستمائة، فى الطّاعون العامّ. وروى أنه كان يقول: أشتهى أن يرزقنى…
▸ expand full passage (6,905 chars)٨٥٣ - داود بن عيسى بن أبى بكر بن أيّوب بن شادى بن مروان أبو المفاخر بن أبى العزائم الملك الناصر ابن الملك المعظّم (¬*) فقيه، أديب. ولد فى جمادى الآخرة، سنة ثلاث وستمائة. وتوفّى ليلة السبت، الثامن والعشرين، من جمادى الأولى، سنة ست وخمسين وستمائة، فى الطّاعون العامّ. وروى أنه كان يقول: أشتهى أن يرزقنى الله الشهادة. فطعن فى جنبه الأيسر، فأصبح وهو يشكو ألما مثل الطّعن بالسيف، ودام على ذلك إلى آخر النهار، فلمّا أمسى نام، ثم انتبه، وقال: إنّي رأيت جنبى الأيسر يقول لجنبى الأيمن: أنا قد جاءت نوبتى فصبرت، والليلة نوبتك فاصبر كما صبرت. فأصبح وقد طعن فى جنبه الأيمن. فلمّا كان بين الصّلاتين، وقد سقطت قواه، نام ثم انتبه وهو يرعد، فقال: إنّى رأيت النبىّ ﷺ، والخضر ﵊، قد جاءا إلىّ، وجلسا عندى، ثم انصرفا. فلمّا كان آخر النهار قال لولده الأكبر شهاب الدين غازى: يا بنىّ ما بقى فىّ رجاء، فتهيّأ فى تجهيزى. فبكى، وبكى الحاضرون، فقال له: لا تكن إلاّ رجلا، ولا تعمل عمل النّساء، ولا تغيّر هيئتك. وأوصاه بأهله وأولاده. ثم اشتدّ به الضّعف، وغاب صوابه، ثم أفاق فقال: بالله تقدّموا إلى/جانبى، فإنّى أجد وحشة.ثم قال: أرى صفّا عن يمينى، فيهم أبو بكر وسعد، وصورهم جميلة، وعليهم ثياب بيض، وصفّا عن شمالى، وصورهم قبيحة، أبدان بلا رءوس، ورءوس بلا أبدان، وهؤلاء يطلبوننى، (¬١) وهؤلاء لا يطلبوننى (¬١). وأنا أريد أروح إلى أهل اليمين. ثم أغفى إغفاءة، ثم استيقظ، وقال: الحمد لله، خلصت، خلصت (¬٢) منهم. ثم مات، رحمه الله تعالى. ولقد كان واسع النّفس، محبّا للعلماء، مقرّبا لهم، محسنا إلى من يقدم عليه منهم، كثير العطاء لهم. قدم عليه راجح الحلّىّ (¬٣)، شاعر الملك الظّاهر غازى بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، ومدحه بقصيدته التى أوّلها: أمنكم خطرت مسكيّة النّفس … صبا تلقّيت منها برد منتكس فأعطاه ألف دينار، وقماشا وأثاثا بألف أخرى. وانقطع إليه الإمام العلاّمة شمس الدين الخسروشاهيّ (¬٤)، ووصل إليه منه أموال جمّة. ولا بأس بإيراد (¬٥) شئ يسير من نظمه البديع، فمنه قوله: عيون عن السّحر المبين تبين … لها عند تحريك القلوب سكون تصول ببيض وهى سود فرندها … فتور ذبول والجفون جفون إذا أبصرت قلبا خليا من الهوى … تقول له كن مغرما فيكونوقوله أيضا: (¬١) إذا عاينت عيناى أعلام جلّق … وبان من القصر المشيد قبابه (¬٢) تيقّنت أنّ البين قد بان والنّوى … نأى شخصه والعيش عاد شبابه (¬٣) وقوله أيضا: زار الحبيب وذيل الليل منسدل … وانجاب عن وجهه داجى غياهبه فقال لى صاحبى والضّوء قد رفعت … يداه من ليلنا مرخى جلاببه أما ترى الضوء فى ليل المحاق لقد … جاء الزمان بضرب من عجائبه فقلت يا غافلا عن نور طلعته … أما ترى البدر يبدو فى عقاربه وقوله أيضا: (¬٤) أحبّ الغادة الحسناء ترنو … بمقلة جؤذر فيها فتور ولا أصبو إلى رشاء غرير … وإن فتن الورى الرّشا الغرير وأنّى يستوى شمس وبدر … ومنها يستمدّ ويستنير (¬٥) وقوله أيضا: (¬٦) طرفى وقلبى قاتل وشهيد … ودمى على خدّيك منه شهود يا أيّها الرّشأ الذى لحظاته … كم دونهنّ صوارم وأسود من لى بطيفك بعد ما منع الكرى … عن ناظرىّ البعد والتّسهيد وأنا وحبّك لست أضمر سلوة … عن صبوتى ودع الفؤاد يبيد (¬٧) وألذّ ما لاقيت منك منيّتى … وأقلّ ما بالنفس فيك أجود (¬٨)ومن العجائب أنّ قلبك لم يلن … لى والحديد ألانه داود /ومن لطيف شعره، ما كتب به إلى الملك المنصور إبراهيم، صاحب حمص، يستدعيه إلى مجلس أنس، وذلك لمّا كانا نازلين ببيسان (¬١)، حين كانا متّفقين على حرب الصالح نجم الدين أيوب، صاحب مصر، وكان ذلك يوم عيد الفطر فى زمان الرّبيع، وهو: يا ملكا قد جمّل العصرا … وفاق أملاك الورى طرّا وفات فى نائله حاتما … وبتّ فى إقدامه عمرا وباكر العلياء فافتضّها … وكانت النّاهدة البكرا أما ترى الزّهر وقد جاءنا … مستقبلا بالبشر والبشرى الصّيد والنّيروز فى حالة … والملك المنصور والنّصرا والأرض قد باهت به واغتدت … تختال فى حلّتها الخضر (¬٢) عبّست السّحب على نورها … فراح ثغر النّور مفترّا الصّوم قد ولّى بآلاته … والفطر باللّذّات قد كرّا فانهض بلا مطل ولا فترة … نرتشف المعسولة الخمرا حيريّة قد عتّقت حقبة … فأقبلت تخبر عن كسرى واستجلها حمراء عانية … تحسبها فى كأسها تبرا أو ذوب جمر حلّ فى جامد ال … ماء فألقى فوقه درّا وبادر اللّذّات فى حينها … وقم بنا ننتهب العمرا فى روضة أترنجها يانع … يلوح فى الأغصان مصفرّا كأنّه قد لاح فى دوحها … وجه سماء أطلعت زهرا واسلم ودم فى عيشة رغدة … تبلى على جدّتها الدّهرا وقال شهاب الدين التّلّعفرىّ (¬٣) الشاعر المشهور: اجتمعت ليلة بالملك الناصر داود، علىشاطئ البحر بعسقلان، وقد طلع البدر، وألقى شعاعه على البحر، فقال الملك الناصر مرتجلا: (¬١) يا ليلة قطّعت عمر ظلامها … بمدامة صفراء ذات تأجّج بالسّاحل النّامى روائح نشره … عن روضه المتضوّع المتأرّج (¬٢) واليمّ زاه قد هدا تيّاره … من بعد طول تقلّق وتموّج طورا تدغدغه الشّمال وتارة … يكرى فتوقظه بنات الخزرج والبدر قد ألقى سنا أنواره … فى لجّه المتجعّد المتدبّج (¬٣) فكأنّه إذ قدّ صفحة متنه … بشعاعه المتوقّد المتوهّج نهر تكوّن من نضار يانع … يجرى على أرض من الفيروزج (¬٤) وقال أيضا: يا راكبا من أعالى الشّام يجذبه … إلى العراقين إدلاج وإسحار حدّثتنى عن ربوع طالما قضيت … للنّفس فيها لبانات وأوطار لدى رياض سقاها المزن ديمته … وزانها زهر غضّ ونوّار شحّ النّدى أن يسقّيها مجاجته … فجادها مفعم الشّؤبوب مدرار بكت عليها الغوادى وهى ضاحكة … وراحت الريح فيها وهى معطار يا حسنها حين زانتها جواسقها … وأينعت فى أعالى الدّوح أثمار فهى السماء اخضرارا فى جوانبها … كواكب زهر تبدو وأقمار ومنها: كرّر على نازح شطّ المزار به … حديثك العذب لا شطّت بك الدّار وعلّل النّفس عنهم بالحديث بهم … إنّ الحديث عن الأحباب أسمار وقال، يتضرّع إلى الله تعالى، ويشكو أهله وأقاربه: أيا ربّ إنّ الأقرباء تباعدوا … وعوملت منهم بالقطيعة والهجروقطّعت الأرحام بينى وبينهم … وجوزيت عن فعل الصّنائع بالنّكر وأغلق دونى بابه كلّ صاحب … فتحت له بابى وأدخلته خدرى تخيّرته منهم ليوم مساءتى … وأعددته فى كلّ نائبة ذخرى فخان عهودى إذ وفيت بعهده … وشحّ برفدى إذ بذلت له رفدى وأنت بمرأى يا إلهى ومسمع … وعالم مكنون السّرائر والجهر أجرنى من باغ علىّ بماله … ومعقله المحفوف بالعسكر المجر أمولاى إنّ العرب تمنع جارها … وتدفع عنه الضّيم بالبيض والسّمر وقد جئتك اللهمّ أرجوك ناصرا … لأنك أولى من يؤمّل للنّصر (¬١) فخذ بيدى فيما أرجّى وأتّقى … على رغم أقوام تواطوا على ضرّى فألطافك الحسنى لدىّ خفيّة … تبلّغنى الآمال من حيث لا أدرى ومن شعره أيضا، قوله: (¬٢) لمّا تنمّق وجهه المبيضّ من … خطّ السّواد المستقيم بأسطر عاينت مرأى لم أشاهد مثله … كلاّ ولم أسمع به من مخبر وجها تنقّل فى فنون ملاحة … حتى تمسّك بالعذار الأعطر (¬٣) فكأنّه لمّا استدار عذاره … بدر بدا فى هالة من عنبر ومن شعره أيضا، قصيدة عدّتها أربعة وثلاثون بيتا، منها قوله: (¬٤) صبّحانى بوجهه القمرىّ … واصبحانى بالسّلسبيل الرّوىّ ومنها: ما رأينا من قبل خدّيه وردا … يانعا فوق عارض سوسنىّ كيف يجنى البنفسج الغضّ منه … وهو يحمى بالنّاظر النّرجسىّ ومنها: أعطنيها كأنّها وهج الشّم … س تبدّت فى برجها الحملىّقال ابن كثير فى حقّ صاحب (¬١) الترجمة (¬٢): وكان فصيحا، وله شعر، ولديه فضائل، واشتغل فى علم الكلام على الشمس الخسروشاهيّ، تلميذ الرّازىّ (¬٣). وكان (¬٤) يعرف علم الأوائل جيّدا، وقد/حكوا عنه أشياء تدلّ (¬٥)، إن صحّت (¬٥)، على سوء عقيدته، والله أعلم. قال: وذكروا عنه (¬٦)، أنه حضر أوّل درس ذكر بالمستنصريّة، فى سنة اثنتين وستمائة، وأنّ الشعراء أنشدوا المستنصر مدائح كثيرة، فقال بعضهم فى قصيدة له: لو كنت فى يوم السّقيفة شاهدا … كنت المقدّم والإمام الأعظما فقال النّاصر للشاعر: اسكت، فقد أخطأت، قد كان جدّ أمير المؤمنين العباس شاهدا يومئذ، ولم يكن المقدّم ولا الإمام الأعظم، وإنما كان المقدّم والإمام الأعظم أبو بكر الصديق، رضى الله تعالى عنه. فقال الخليفة: صدق (¬٧). وهذا من أحسن ما نقل عنه، رحمه الله تعالى (¬٨). وكان، رحمه الله تعالى، شاعرا ماهرا، عالما فاضلا، وأشعاره وأخباره لا تدخل تحت الحصر، ولا يتيسّر الإحاطة بها، وفيما ذكرناه منها مقنع. ***