Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

جعفر بن يحيى بن خالد، أبو الفضل البرمكى

جعفر بن يحيى بن خالد، أبو الفضل البرمكى

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

4 books · 6 entries
Research data and provenancemoderate dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
moderate
Source entries
4
Strong identity entries
0
Chronology hints
0
Attribute hints
4
Relation hints
0
Assessment hints
2
Known assessors
0

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

4 books · 6 entries

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

4 exact linked passages0 legacy full passages2 assessment hints0 assessment snippets

ابن الجوزي - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagemedium confidencepage 3074, entry [2482]10,933 chars
    ١٠١٩- جعفر بن يحيى بن خالد، أبو الفضل البرمكي [٦] . كانت له فصاحة وبلاغة وكرم زائد، وكان أبوه يحيى بن خالد قد ضمه إلى القاضي أَبِي يوسف ففقهه، فصار له اختصاص بالرشيد. وقيل إنه وقع له [٧] في ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع، فنظر في جميعها فلم يخرج شيء منها عن موجب الفقه. أخبرنا [أبو منصور] القز…
    ▸ expand full passage (10,933 chars)
    ١٠١٩- جعفر بن يحيى بن خالد، أبو الفضل البرمكي [٦] . كانت له فصاحة وبلاغة وكرم زائد، وكان أبوه يحيى بن خالد قد ضمه إلى القاضي أَبِي يوسف ففقهه، فصار له اختصاص بالرشيد. وقيل إنه وقع له [٧] في ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع، فنظر في جميعها فلم يخرج شيء منها عن موجب الفقه. أخبرنا [أبو منصور] القزاز قال: أخبرنا [أبو بكر أحمد بْن علي بْن ثابت] [٨] . الخطيب قَالَ: أخبرنا الجوهري قَالَ: أخبرنا محمد بن عمران بن المرزباني قال: حدثنا عبد الواحد بن محمد الخصيبي قَالَ: سمعت علي بن الحسين الإسكافي يحدثقَالَ [١] : كان [٢] أحمد بن الجنيد الإسكافي وكان أخص الناس بجعفر بن يحيى البرمكي، وكان النَّاسَ يقصدونه في حوائجهم إلى جعفر، وإن رقاع الناس كثرت في خف أحمد بن الجنيد، فلم يزل كذلك إلى أن تهيأت له الخلوة بجعفر فقال لَهُ: جعلني الله فداك، قد كثرت رقاع النَّاسَ معي وأشغالك كثيرة، وأنت اليوم خال، فإن رأيت أن تنظر فيها. فقال له جعفر: على أن تقيم عندي اليوم. فَقَالَ: نعم. فصرف دوابه وأقام، فلما تغدوا جاءه بالرقاع، فقال له جعفر: هذا وقت ذا دعنا اليوم، فأمسك عنه وانصرف ولم ينظر في الرقاع، فلما كان بعد أيام خلا به، فأذكره [٣] [الرقاع] [٤] ، فقال: نعم، على أن تقيم عندي اليوم. فأقام عنده، ففعل به مثل الفعل/ الأول، حتى فعل به ذلك ثلاثا، فلما كان ذلك في آخر يوم أذكره فَقَالَ: دعني الساعة. وناما، فانتبه جعفر قبل أَحْمَد، فقال لخادم له: اذهب إلى خف أحمد بن الجنيد فجئني بكل رقعة فيه، وانظر لا يعلم أحمد. فذهب الغلام، وجاء بالرقاع، فوقع فيها جعفر عن آخرها بخطه بما أحب أصحابها، ووكد ذَلِكَ، ثم أمر الغلام أن يردها إلى الخف، فردها، فانتبه أحمد ولم يقل فيها شيئا، وانصرف أَحْمَد، فركب يعلل أصحاب الرقاع بها أياما، ثم قال لكاتب لَهُ: ويحك هذه الرقاع قد أخلقت في خفي، وهذا ليس ينظر فيها، فخذها فتصفحها، وجدد ما أخلق منها. فأخذها الكاتب، فنظر فيها، فوجد الرقاع موقعا فيها بما سأل أصحابها، فتعجب من كرمه ونبل أخلاقه، ومن أنه قضى حاجته ولم يعلمه بها لئلا يظن أنه اعتد بها عَلَيْهِ [٥] . أخبرنا أبو منصور القزاز [٦] ، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: أخبرنا أبو القاسم الأزهري حدثنا محمد بن العباس الخزَّاز، حدثنا محمد بن خلف بنالمرزبان، حدثنا يعقوب النَّخْعي، حدثنا علي بن زيد كاتب العباس المأمون قَالَ: حدثني محمد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قَالَ: حدثني أَبِي قَالَ: حج هارون الرشيد ومعه جعفر بن يحيى البرمكي. قَالَ: وكنت معهم، فلما صرنا إلى مدينة رسول الله ﷺ قال لي جعفر بن يحيى: أحب أن تنظر لي جارية، / ولا تبقى غاية في حذاقتها بالغناء والضرب، والكمال في الظرف [١] والأدب، وجنبني قولهم صفراء. قَالَ: فأرشدت إلى جارية لرجل، فدخلت عليه فرأيت رسول النعمة، وأخرجها إلي فلم أر أجمل منها ولا أصبح ولا آدب، ثم تغنت إلي أصواتا فأجادتها. قَالَ: فقلت لصاحبها: قل ما شئت. قال: أقول لك قولا ولا انقص منه درهما. قَالَ: قُلْتُ: قل. قَالَ: أربعين ألف دينار. قال: قُلْتُ: قد أخذتها وأشترط عليك نظرة قَالَ: ذاك لك [٢] . قَالَ: فأتيت جعفر بن يحيى. فقلت لَهُ: قد أصبت حاجتك على غاية الظرف والأدب والجمال ونقاء اللون وجوده الضرب، وقد اشترطت نظرة [٣] ، فاحمل المال ومر بنا [٤] . فحمل المال على حمالين، وجاء جعفر مستخفيا، فدخلنا على الرجل، فأخرجها، فلما رآها جعفر أعجب بها، وعرف أن قد صدقته، ثم غنّته فازداد بها عجبا، فقال لي: اقطع أمرها. فقلت لمولاها هذا المال، قد وزناه ونقدناه، فإن قنعت وإلا فوجه إلى من شئت لينقد. فَقَالَ: لا بل أقنع بما قلتم. قَالَ: فقالت الجارية: يا مولاي في أي شيء أنت؟ فَقَالَ: قد عرفت ما كنت [٥] فيه من النعمة، وما كنا [٦] فيه من انبساط اليد، وقد انقبضت عن ذلك لتغير الزمان [علينا] [٧] ، فقدرت أن تصيري إلى هذا الملك فتنبسطي في شهواتك وإرادتك. فقالت الجارية: والله يا مولاي لو ملكت منك ما ملكت مني ما بعتك بالدنيا وما فيها، وبعد فاذكر العهد/ الذي بيني وبينك. وقد كان حلف لها أن لا يأكل لها ثمنا.فتغرغرت عينا المولى، وقَالَ: اشهدوا أنها حرة لوجه الله تعالى، وإني قد تزوجتها وأمهرتها داري. قَالَ: فقال لي جعفر: انهض بنا. قَالَ: فدعوت الحمالين ليحملوا المال فقال جعفر: والله لا يصحبنا منه درهم، [ثم قال لمولاها: بارك الله لك فيه، انفقه عليها وعليك] [١] . قَالَ: وقمنا فخرجنا [٢] . أخبرنا القزاز قَالَ: أخبرنا [أحمد بن علي] [٣] الخطيب قال: أخبرنا سلام بن الحسن المقرئ قَالَ: أخبرنا علي بن عمر الحافظ قَالَ: حدثنا إبراهيم بن حمَّاد قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بن أَبِي سعد [٤] قَالَ: حدثني محمد بن أحمد بن المبارك العبدي قَالَ: حدثني عبد الله بن علي أبو مُحَمَّد قَالَ: لما غضب [الرشيد] [٥] على البرامكة أصيب في خزانة لجعفر بن يحيى في جرة ألف دينار، في كل دينار مائة دينار، على أحد جانبي كل دينار منها: وأصفر من ضرب دار الملوك ... يلوح على وجهه جعفر يزيد على مائة واحدا ... متى تعطه معسرا يوسر [٦] . [قال المصنف: وقد ذكرنا السبب الذي أوجب قتل جعفر، ونكب البرامكة فلا نحتاج إلى إعادة. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، ومحمد بن ناصر قالا: أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَبْد الجبار قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ محمد النصيبي قَالَ: أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن سُوَيْد قَالَ: حدثنا أبو بكر الأنباري قَالَ: حدثني أبي قَالَ: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن المدائني قَالَ: قال أبو زكار الأعمى [٧] : كنت عند جعفر بنيحيى البرمكي في الليلة التي قتل فيها وهو يغني بهذا الشعر: فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يبكر أو يغادي [١] وكل ذخيرة لا بد يوما ... وإن بقيت تصير إلى نفاد فلو فوديت من حدث الليالي ... فديتك بالطريف وبالتلاد فقلت لَهُ: يا سيدي، ممن أخذت هذا الشعر؟ فَقَالَ: أخذته من أحسن الناس شعرا [من] [٢] حكم الوادي. فما قام عن موضعه حتى جاء مسرور غلام الرشيد فأخذ رأسه] [٣] . أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أَخْبَرَنَا أبو يعلي أَحْمَد بن عبد الواحد قَالَ: أَخْبَرَنَا إسماعيل بن سعيد المعدل قَالَ: حدثنا الحسين بن الفهم قَالَ: أخبرني الحسين بن سعيد العنبري قَالَ: حدثني حماد بن إسحاق، عن أَبِيهِ قَالَ: قال أبو يزيد الرياحي: كنت قاعدا عند خشبة جعفر بن يحيى البرمكي أتفكر في زوال ملكه، وحاله التي صار إليها إذ أقبلت امرأة راكبة لها رواء وهيئة، فوقفت على جعفر فبكت فأحزنت [٤] ، / وتكلمت فأبلغت، وقالت: أما والله لئن أصبحت في الناس آية، لقد بلغت فيهم الغاية، ولئن زال ملكك، وخانك دهرك، ولم يطل بك عمرك، لقد كنت المغبوط حالا، الناعم بالا، يحسن بك الملك، فاستعظم الناس فقدك إذ لم يستخلفوا ملكا بعدك، فنسأل الله الصبر على عظيم الفجيعة وجليل الرزية التي لا تستعاض بغيرك، والسلام عليك وداع غير قال ولا ناس لذكرك، ثم أنشأت تَقُولُ: العيش بعدك مر غير محبوب ... ومذ صلبت ومقنا كل مصلوب أرجو لك الله ذا الإحسان إن له ... فضلا علينا وعفوا غير محسوب ثم سكتت [٥] ساعة وتأملته، ثم أنشأت تقول:عليك من الأحبة كل يوم ... سلام الله، ما ذكر السلام لئن أمسى صداك برأي عين ... على خشب حباك بها الإمام فمن ملك إلى ملك برغم ... من الأملاك أسلمك الحمام [١] أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: أخبرنا عمر بن جعفر بن محمد بن مُسْلِم قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: حدثني إسماعيل بن مُحَمَّد قال: لما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر بن يحيى وما نزل بالبرامكة حول وجهه إلى القبلة/ وقال: اللَّهمّ إنه كان قد كفاني مئونة الدنيا فاكفه مئونة الآخرة [٢] . أخبرنا أبو منصور القزاز قال أخبرنا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلي مُحَمَّد بْن الحسين الجازري قال: حدثنا المعافى بن زكريّا (ح) [٣] . وأخبرنا محمد بن ناصر قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عبد الواحد قَالَ: حدثنا مُحَمَّد بْن عبد الرحيم المازني قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو علي الحسين بْن القَاسِم الكوكبي قَالَ: حدثنا أبو بكر الضرير قَالَ: حدثني غسان بن عمر القاضي، عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي قَالَ: دخلت على أمي في يوم أضحى وعندها امرأة برزة في أثواب دنسة رثه، فقالت لي: أتعرف هذه؟ قُلْتُ: لا. قالت: هذه عبادة أم جعفر بن يحيى بن خالد. فسلمت عليها ورحبت بها، وقلت لها: يا فلانة، حدثيني ببعض أمركم. قالت: أذكر لك جملة كافية فيها اعتبار لمن اعتبر، وموعظة لمن فكر، لقد هجم علي مثل هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أن جعفرا ابني عاق بي، وقد أتيتكم في هذا اليوم [أسألكم] [٤] جلد شاتين أجعل أحدهما شعارا والآخر دثارا [٥] .أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ، أَنْبَأَنَا عَلي بْن أبي على البصري، عن أبيه، أن مسروا قَالَ: استدعاني المأمون فقال لي: قد أكثر علي أخبار السر بأن شيخا يأتي خراب البرامكة فيبكي وينتحب طويلا ثم ينشد شعرا يرثيهم به وينصرف، فاركب أنت ودينار بْن عَبْد الله/ واستتر بالجدران، فإذا جاء وشاهدتما ما فعل وسمعتما ما قال فأتياني به، فركبنا مغلسين، فأتينا الموضع فاختفينا فيه وأبعدنا الدواب، فلما أصبحنا إذا بخادم أسود قد أقبل ومعه كرسي حديد، فطرحه وجاء على أثره كهل فجلس على الكرسي وتلفت فلم ير أحدا، فبكى وانتحب حتى قلت قد فارق الدنيا، ثم أنشأ يَقُولُ: ولما رأيت السيف خلل جعفرا ... ونادى مناد للخليفة في يحيى [١] وذكر أبياتا قد تقدمت، فلما قام قبضنا عَلَيْهِ، فقال: ما تريدان مني. قُلْتُ: هذا دينار بْن عَبْد الله وأنا مسرور خادم أمير المؤمنين وهو يستدعيك فالبس، ثم قَالَ: إني لا آمنه عَلَى نفسي، فأمهلني حتى أوصي. قُلْتُ: شأنك. فسرنا معه فوقف على دكان رجل واستدعى دواة وبيضاء، فكتب فيها وصيته، ودفعها إلى خادمه، وسرنا بِهِ، فلما مثل بين يدي الخليفة زبره وقَالَ: من أنت؟ وبم استحق منك البرامكة ما تصنع [٢] . فقال غير هائب ولا محتشم: يا أمير المؤمنين، إن للبرامكة عندي أيادي خضراء، فإن أمر أمير المؤمنين حدثته ببعضها. فَقَالَ: هات. فقال: أنَا المنذر بن المغيرة الدمشقي، نشأت في نعمة فزالت حتى أفضت إلى بيع داري، وأملقت إلى [غير] [٣] غاية، فأشير علي بقصد البرامكة، فخرجت إلى بغداد/ ومعي نيف وعشرون امرأة وصبيا، فدخلت بهم إلى [مسجد] [٤] ببغداد، ثم خرجت وتركتهم جياعا لا نفقة لهم، فمررت بمسجد فيه جماعة عليهم أحسن زي، فجلست معهم أردد في صدري ما أخاطبهم به فتحيد نفسي عن ذل السؤال [٥] ، فإذا خادم قد أزعج القوم، فقاموا فقمت معهم، فدخلوا دارا كبيرة، فدخلت معهم، فإذا يحيى بن خالد على دكة وسط بستان، فجلسوا وجلست، وكنا مائةرَجُل ورجل، فخرج مائة خادم وخادم، في يد كل واحد منهم مجمرة [١] ذهب، فيها قطعة عنبر، فسجروا العود، وأقبل يحيى على القاضي فَقَالَ زوج ابن عمي هذا بابنتي عائشة فخطب وعقد النكاح، فأخذنا النثار من فتات المسك وبنادق العنبر وتماثيل الند، فالتقط النَّاسَ والتقط، ثم جاءنا الخدم في يد كل واحد منهم صينية فضة، فيها ألف دينار، مخلوط بالمسك، فوضع بين يدي كل واحد واحدة، فأقبل كل واحد يأخذ الدنانير في كمه، والصينية تحت إبطه، ويخرج، فبقيت وحدي، لا أجسر أفعل ذَلِكَ، فغمزني بعض الخدم وقَالَ: خذها [وقم] [٢] ، فأخذتها وقمت، وجعلت أمشي، والتفت/ [خوفا من أن يؤخذ مني،] [٣] ويحيى يلاحظني من حيث لا أفطن، فلما قاربت الستر رددت فيئست من الصينية، فجئت فأمرني بالجلوس، فجلست فسألني عن حالي فحدثته بقصتي، فبكى، ثم قَالَ: علي بموسى. فجاءه، فَقَالَ: يا بني، هذا رجل من أولاد النعم، قد رمته الأيام بصرفها، فخذه واخلطه بنفسك، فأخذني فخلع علي وأمر لي بحفظ الصينية فكنت في العيش يومي وليلتي، ثم استدعى [أخاه] [٤] لعباس وقَالَ: إن الوزير سلم إلي هذا، وأريد الركوب إلى دار أمير المؤمنين، فليكن عندك اليوم. فكان يومي مثل أمسي، وأقبلوا يتداولوني وأنا قلق بأمر عيالي، ولا أتجاسر أن أذكرهم، فلما كان اليوم العاشر أدخلت إلى الفضل بن يحيى، فأقيمت عنده يومي وليلتي، فلما أصبحت جاءني خادم فَقَالَ: قم إلى عيالك وصبيانك. فقلت: إنا للَّه، ذهبت الصينية وما فيها، فيا ليت هذا كان من أول يوم. فقمت والخادم يمشي بين يدي، فأخرجني من الدار، فازداد يأسي [٥] ، ثم أدخلني إلى دار كأن الشمس تطلع من جوانبها، وفيها من صنوف الآلات والفرش، فلما توسطتها رأيت عيالي يرتعون فيها في الديباج والستور، وقد حمل إليهم مائة ألف درهم، وعشرة آلاف دينار/، وسلم إلي الخادم صكا بضيعتين جليلتين، وقال: هذه الدار وما فيها والضياع لك. فأقمت مع البرامكة في أخفض عيش إلى الآن.ثم قصدني عمرو بن مسعدة [١] في الضيعتين، فألزمني من خراجهما ما لا يفي به دخلهما، فكلما لحقتني نائبة قصدت دورهم فبكيتهم، فاستدعى المأمون عمرو بن مسعدة، فأمره أن يرد على الرجل ما استخرج منه، ويقرر خراجه على ما كان في أيام البرامكة. فبكى الرجل بكاء شديدا، فقال له المأمون: ألم استأنف لك جميلا؟ قال: بلى، ولكن هذا من بركة البرامكة. فَقَالَ: امض، فإن الوفاء مبارك، وحسن العهد من الإيمان.

الخطيب البغدادي - تاريخ بغداد - ت بشار

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagemedium confidencepage 4204, entry [3921]12,425 chars
    جعفر بن يحيى بن خالد، أبو الفضل البرمكي. كان من علو القدر ونفاذ الأمر وعظم المحل وجلالة المنزلة عند هارون الرشيد بحالة انفرد بها ولم يشارك فيها، وكان سمح الأخلاق، طلق الوجه، ظاهر البشر. فأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يذكر، وأبين من أن يظهر. وكان أيضا من ذوي الفصاحة، والمذكورين باللسن …
    ▸ expand full passage (12,425 chars)
    جعفر بن يحيى بن خالد، أبو الفضل البرمكي. كان من علو القدر ونفاذ الأمر وعظم المحل وجلالة المنزلة عند هارون الرشيد بحالة انفرد بها ولم يشارك فيها، وكان سمح الأخلاق، طلق الوجه، ظاهر البشر. فأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يذكر، وأبين من أن يظهر. وكان أيضا من ذوي الفصاحة، والمذكورين باللسن والبلاغة. ويقال: إنه وقع ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع، ونظر في جميعها فلم يخرج شيء منها عن موجب الفقه. وكان أبوه يحيى بن خالد قد ضمه إلى أبي يوسف القاضي حتى علمه وفقهه، وغضب الرشيد عليه في آخر أمره فقتله، ونكب البرامكة لأجله. أخبرنا الحسين بن علي الصيمري قال: حدثنا محمد بن عمران بن موسى، أخبرني محمد بن أبي الأزهر قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال: زعم الجاحظ أن ثمامة بن أشرس النميري قال: ما رأيت رجلا أبلغ من جعفر بن يحيى والمأمون. أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس النعالي قال: أخبرنا أحمد بن نصر بن عبد الله الذارع قال: حدثنا زكريا - يعني ابن جعفر - قال: حدثنا العباس بن الفضل قال: اعتذر رجل إلى جعفر بن يحيى البرمكي، فقال له جعفر: قد أغناك الله بالعذر منا عن الاعتذار إلينا، وأغنانا بالمودة لك عن سوء الظن بك.أخبرنا أبو القاسم سلامة بن الحسين المقرئ قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن عبد الله بن طهمان قال: حدثني أبي قال: كان أبو علقمة الثقفي صاحب الغريب عند جعفر بن يحيى في بعض لياليه التي يسمر فيها، فأقبلت خنفساءة إلى أبي علقمة فقال: أليس يقال: إن الخنفساء إذا أقبلت إلى رجل أصاب خيرا: قالوا: بلى. قال جعفر بن يحيى: يا غلام، أعطه ألف دينار. قال: فنحوها عنه فعادت إليه، فقال: يا غلام، أعطه ألف دينار. فأعطاه ألفي دينار. قال: وأنشد جعفرا مرثية ابن أبي حفصة لمعن بن زائدة التي يقول فيها (من الوافر): كأن الشمس يوم أصيب معن من الإظلام ملبسة جلالا فاستجادها جعفر فوهب له عشرة آلاف درهم. أخبرنا علي بن أبي علي قال: حدثنا محمد بن عمران بن موسى الكاتب قال: حدثنا علي بن سليمان الأخفش قال: حدثني بعض أصحابنا قال: خرج عبد الملك بن صالح مشيعا لجعفر بن يحيى البرمكي، فعرض عليه حاجاته، فقال له: قصارى كل مشيع الرجوع، وأريد - أعز الله الأمير - أن تكون لي كما قال بطحاء العذري (من الطويل): وكوني على الواشين لداء شغبة فإني على الواشي ألد شغوب فقال جعفر: بل أكون لك كما قال جميل [من الرمل]: وإذا الواشي وشى يوما بها نفع الواشي بما جاء يضر أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال: حدثنا محمد بن عمران المرزباني قال: حدثنا أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي قال:سمعت علي بن الحسين بن عبد الأعلى الإسكافي يحدث قال: كان أحمد بن الجنيد الإسكافي أخص الناس بجعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، فكان الناس يقصدونه في حوائجهم إلى جعفر. قال: وإن رقاع الناس كثرت في خف أحمد بن الجنيد، فلم يزل كذلك إلى أن تهيأ له الخلوة بجعفر، فقال له: يا جعلني الله فداك، قد كثرت رقاع الناس معي، وأشغالك كثيرة وأنت اليوم خال، فإن رأيت أن تنظر فيها؟ فقال له جعفر: على أن تقيم عندي اليوم، فقال له أحمد: نعم. فصرف دوابه وأقام، فلما تغدوا جاءه بالرقاع، فقال له جعفر: هذا وقت ذا؟ دعنا اليوم. فأمسك عنه أحمد وانصرف في ذلك اليوم، ولم ينظر في الرقاع، فلما كان بعد أيام خلا به فأذكره الرقاع، فقال: نعم، على أن تقيم عندي اليوم. فأقام عنده ففعل به مثل الفعل الأول، حتى فعل به ذلك ثلاثا، فلما كان في آخر يوم أذكره فقال: دعني الساعة، وناما، فانتبه جعفر قبل أحمد، فقال لخادم له: اذهب إلى خف أحمد بن الجنيد فجئني بكل رقعة فيه، وانظر لا يعلم أحمد. فذهب الغلام وجاء بالرقاع، فوقع جعفر فيها عن آخرها بخطه بما أحب أصحابها، ووكد ذلك، ثم أمر الخادم أن يردها في الخف، فردها، وانتبه أحمد وأخذوا في شأنهم، ولم يقل له فيها شيئا، وانصرف أحمد، فركب يعلل أصحاب الرقاع بها أياما، ثم قال لكاتب له: ويحك! هذه الرقاع قد أخلقت في خفي، وهذا - يعني جعفرا - ليس ينظر فيها، فخذها تصفحها وجدد ما أخلق منها، فأخذها الكاتب فنظر فيها فوجد الرقاع موقعا فيها بما سأل أهلها وأكثر، فتعجب من كرمه ونبل أخلاقه، ومن أنه قد قضى حاجته ولم يعلمه بها لئلا يظن أنه اعتد بها عليه. أخبرني أبو القاسم الأزهري قال: حدثنا محمد بن العباس الخزاز قال: حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثنا أبو يعقوب النخعي،قال: حدثنا علي بن زيد كاتب العباس بن المأمون قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: حدثني أبي قال: حج الرشيد ومعه جعفر بن يحيى البرمكي قال: وكنت معهم، فلما صرنا إلى مدينة الرسول ﷺ قال لي جعفر بن يحيى: أحب أن تنظر لي جارية، ولا تبقي غاية في حذاقتها بالغناء والضرب والكمال في الظرف والأدب، وجنبني قولهم صفراء. قال: فوضعتها على يد من يعرف. قال: فأرشدت إلى جارية لرجل، فدخلت عليه فرأيت رسوم النعمة، وأخرجها إلي فلم أر أجمل منها، ولا أصبح ولا آدب. قال: ثم تغنت لي أصواتا فأجادتها. قال: فقلت لصاحبها: قل ما شئت. قال: أقول لك قولا لا أنقص منه درهما. قال: قلت: قل. قال: أربعين ألف دينار. قال: قلت: قد أخذتها واشترطت عليك نظرة. قال: ذاك لك. قال: فأتيت جعفر بن يحيى فقلت: قد أصبت حاجتك على غاية الكمال، والظرف والأدب والجمال، ونقاء اللون، وجودة الضرب والغناء، وقد اشترطت نظرة، فاحمل المال ومر بنا. قال: فحملنا المال على حمالين، وجاء جعفر مستخفيا، فدخلنا على الرجل فأخرجها، فلما رآها جعفر أعجب بها، وعرف أن قد صدقته، ثم غنته فازداد بها عجبا، فقال لي: اقطع أمرها. فقلت لمولاها: هذا المال قد نقدناه ووزناه، فإن قنعت وإلا فوجه إلي من شئت لينتقده. فقال: لا، بل أقنع بما قلتم. قال: فقالت الجارية: يا مولاي، في أي شيء أنت؟ فقال: قد عرفت ما كنا فيه من النعمة، وما كنت فيه من انبساط اليد، وقد انقبضت عن ذلك لتغير الزمان علينا، فقدرت أن تصيري إلى هذا الملك فتنبسطي في شهواتك وإرادتك. فقالت الجارية: والله يا مولاي لو ملكت منكما ملكت مني ما بعتك بالدنيا وما فيها، وبعد فاذكر العهد، وقد كان حلف لها أن لا يأكل لها ثمنا، قال: فتغرغرت عين المولى وقال: اشهدوا أنها حرة لوجه الله، وأني قد تزوجتها وأمهرتها داري. فقال لي جعفر: انهض بنا. قال: فدعوت الحمالين ليحملوا المال. قال: فقال جعفر: لا، والله لا يصحبنا منه درهم. قال: ثم أقبل على مولاها فقال: هو لك مباركا لك فيه، أنفقه عليها وعليك. قال: وقمنا فخرجنا. أخبرنا سلامة بن الحسين المقرئ قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ قال: حدثنا إبراهيم بن حماد قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن أحمد بن المبارك العبدي قال: حدثني عبد الله بن علي أبو محمد قال: لما غضب على البرامكة أصيب في خزانة لجعفر بن يحيى في جرة ألف دينار، في كل دينار مائة دينار، على أحد جانبي كل دينار منها (من المتقارب): وأصفر من ضرب دار الملوك يلوح على وجهه جعفر يزيد على مائة واحدا متى يعطه معسرا يوسر وأخبرنا سلامة بن الحسين وعمر بن محمد بن عبيد الله المؤدب؛ قالا: حدثنا علي بن عمر قال: حدثنا إبراهيم بن حماد قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني مثنى بن محمد المذحجي قال: حدثني أبو عبد الرحمن مؤدب محمد بن عمران بن يحيى بن خالد قال: أمر جعفر بن يحيى أن تضرب دنانير، في كل دينار ثلاثمائة مثقال، ويصور عليها صورة وجهه، فضربت، فبلغ أبا العتاهية، فأخذ طبقا فوضع عليه بعض الألطاف فوجه به إلى جعفر، وكتب إليه رقعة في آخرها (من المتقارب): وأصفر من ضرب دار الملوك يلوح على وجهه جعفر ثلاث مئين يكن وزنه متى يلقه معسر يوسرفأمر بقبض ما على الطبق، وصير عليه دينارا من تلك الدنانير ورده إليه. أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين بن محمد الجازري قال: حدثنا المعافى بن زكريا الجريري إملاء قال: حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال: حدثني أبو بكر الضرير وجه الهرة قال: حدثني غسان بن محمد القاضي، عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي صاحب صلاة الكوفة قال: دخلت على أمي في يوم أضحى وعندها امرأة برزة في أثواب دنسة رثة، فقالت لي: أتعرف هذه؟ قلت: لا. قالت: هذه عبادة أم جعفر بن يحيى بن خالد. فسلمت عليها ورحبت بها، وقلت لها: يا فلانة، حدثيني ببعض أمركم. قالت: أذكر لك جملة كافية فيها اعتبار لمن اعتبر وموعظة لمن فكر، لقد هجم علي مثل هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أن جعفرا ابني عاق بي، وقد أتيتكم في هذا اليوم، والذي يقنعني جلدا شاتين؛ أجعل أحدهما شعارا والآخر دثارا. أخبرنا عبيد الله بن عمر بن أحمد الواعظ قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عمر بن الحسن بن علي الشيباني قال: أخبرنا الحارث بن محمد قال: حدثني العباس بن الفضل، عن إسماعيل بن علي قال: قال أبو قابوس النصراني: دخلت على جعفر بن يحيى البرمكي في يوم بارد فأصابني البرد، فقال: يا غلام، اطرح عليه كساء من أكسية النصارى. فطرح علي كساء خز قيمته ألف. قال: فانصرفت إلى منزلي، فأردت أن ألبسه في يوم عيد فلم أصب له في منزلي ثوبا يشاكله، فقالت لي بنية لي: اكتب إلى الذي وهبه لك حتى يرسل إليك بما يشاكله من الثياب. فكتبت إليه [من الطويل]: أبا الفضل لو أبصرتنا يوم عيدنا رأيت مباهاة لنا في الكنائس ولو كان ذاك المطرف الخز جبة لباهيت أصحابي بها في المجالس فلا بد لي من جبة من جبابكم ومن طيلسان من جياد الطيالسومن ثوب قوهي وثوب غلالة ولا بأس إن أتبعت ذاك بخامس إذا تمت الأثواب في العيد خمسة كفتك فلم تحتج إلى لبس سادس لعمرك ما أفرطت فيما سألته وما كنت لو أفرطت فيه بآيس وذاك لأن الشعر يزداد جده إذا ما البلى أبلى جديد الملابس قال: فبعث إليه حين قرأ شعره بتخوت خمسة، من كل نوع تختا. قال: فوالله ما انقضت الأيام حتى قتل جعفر بن يحيى وصلب، فرأينا أبا قابوس قائما تحت جذعه يزمزم، فأخذه صاحب الخبر وأدخله على الرشيد، فقال له: ما كنت قائلا تحت جذع جعفر؟ قال: فقال أبو قابوس: أينجيني منك الصدق؟ قال: نعم. قال: ترحمت والله عليه، وقلت في ذلك [من الوافر]: أمين الله هب فضل بن يحيى لنفسك أيها الملك الهمام وما طلبي إليك العفو عنه وقد قعد الوشاة بنا وقاموا أرى سبب الرضى فيه قويا على الله الزيادة والتمام نذرت علي فيه صيام حول فإن وجب الرضى وجب الصيام وهذا جعفر بالجسر تمحو محاسن وجهه ريح قتام أقول له وقمت لديه نصبا إلى أن كاد يفضحني القيام أما والله لولا خوف واش وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا كما للناس بالركن استلام قال: فأطرق هارون مليا، ثم قال: رجل أولى جميلا فقال فيه جميلا، يا غلام، ناد بأمان أبي قابوس وأن لا يعرض له. ثم قال لحاجبه: إياك أن تحجبه عني، صر متى شئت إلينا في مهمك. أخبرني الأزهري قال: أخبرنا محمد بن العباس قال: أخبرنا أبو بكرمحمد بن خلف قال: أخبرني أبو النضر هاشم بن سعيد بن علي البلدي قال: أخبرني أبي قال: لما صلب الرشيد جعفر بن يحيى وقف الرقاشي الشاعر فقال: أما والله لولا خوف واش وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا كما للناس بالحجر استلام فما أبصرت قبلك يا ابن يحيى حساما فله السيف الحسام على اللذات والدنيا جميعا لدولة آل برمك السلام فقيل للرشيد فأمر به فأحضر، فقال له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: تحركت نعمته في قلبي فلم أصبر. قال: كم كان أعطاك؟ قال: كان يعطيني في كل سنة ألف دينار. فأمر له بألفي دينار. أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد قال: أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدل قال: حدثنا الحسين بن القاسم قال: أخبرني الحسن بن سعيد العنبري قال: حدثني حماد بن إسحاق، عن أبيه قال: قال أبو يزيد الرياحي: كنت قائما عند خشبة جعفر بن يحيى البرمكي أتفكر في زوال ملكه وحاله التي صار إليها، إذ أقبلت امرأة راكبة لها رواء وهيئة، فوقفت على جعفر فبكت وأحرقت، وتكلمت فأبلغت، فقالت: أما والله لئن أصبحت للناس آية لقد بلغت فيهم الغاية، ولئن زال ملكك وخانك دهرك ولم يطل عمرك لقد كنت المغبوط حالا الناعم بالا، يحسن بك الملك وينفس بك الهلك أن تصير إلى حالك هذه، ولقد كنت الملك بحقه، في جلالته ونطقه، فاستعظم الناس فقدك، إذ لم يستخلفوا ملكا بعدك، فنسأل الله الصبر على عظيم الفجيعة وجليل الرزية التي لا تستعاض بغيرك، والسلام عليك وداع غير قال ولا ناس لذكرك. ثم أنشأت تقول [من البسيط]:العيش بعدك مر غير محبوب ومذ صلبت ومقنا كل مصلوب أرجو لك الله ذا الإحسان إن له فضلا علينا وعفوا غير محسوب ثم سكتت ساعة وتأملته، ثم أنشأت تقول [من الوافر]: عليك من الأحبة كل يوم سلام الله ما ذكر السلام لئن أمسى صداك برأي عين على خشب حباك بها الإمام فمن ملك إلى ملك برغم من الأملاك أسلمك الهمام أخبرنا أبو علي بن الحسين بن محمد الجازري قال: حدثنا المعافى بن زكريا قال: حدثنا محمد بن مزيد قال: حدثنا الزبير بن بكار. وأخبرنا محمد بن عبد الواحد بن علي البزاز - واللفظ له - قال: أخبرنا أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي قال: حدثنا محمد بن أبي الأزهر النحوي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: لما قتل جعفر بن يحيى، وصلب بباب الجسر رأسه وفي الجانب الآخر جسده، وقفت امرأة على حمار فاره فنظرت إلى رأسه، فقالت بلسان فصيح: والله لئن صرت اليوم آية، لقد كنت في المكارم غاية. ثم أنشأت تقول [من الطويل]: ولما رأيت السيف خالط جعفرا ونادى مناد للخليفة في يحيى بكيت على الدنيا وأيقنت أنما قصارى الفتى يوما مفارقة الدنيا وما هي إلا دولة بعد دولة تخول ذا نعمى وتعقب ذا بلوى إذا أنزلت هذا منازل رفعة من الملك حطت ذا إلى الغاية القصوى ثم إنها حركت الحمار الذي كان تحتها، فكأنها كانت ريحا لم يعرف لها أثر. أخبرنا أبو طالب عمر بن إبراهيم بن سعيد الفقيه قال: أخبرنا محمد بن العباس الخزاز قال: أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن خلف المرزبان قال: أنشدونا للعباس بن الأحنف: ولما رأيت السيف خالط جعفراوذكر هذه الأبيات الأربعة كما سقناها سواء. أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: حدثنا عمر بن جعفر بن محمد بن سلم الختلي قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال: حدثني إسماعيل بن محمد - ثقة - ق ل: لما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر بن يحيى وما نزل بالبرامكة، حول وجهه إلى الكعبة وقال: اللهم إنه كان قد كفاني مؤونة الدنيا، فاكفه مؤونة الآخرة. أخبرني الحسن بن أبي بكر قال: كتب إلي محمد بن إبراهيم الجوري من شيراز يذكر أن أحمد بن حمدان بن الخضر أخبره قال: حدثنا أحمد بن يونس الضبي قال: حدثني أبو حسان الزيادي قال: سنة سبع وثمانين ومائة فيها قتل جعفر بن يحيى بن خالد؛ في أول يوم من صفر بالعمر من أرض الأنبار. أخبرنا إبراهيم بن مخلد إجازة قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي. وأخبرنا الأزهري قراءة قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق قال: أخبرنا الحارث بن محمد قال: حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر الواقدي قال: سنة سبع وثمانين ومائة فيها نزل هارون بن محمد بن عبد الله العمر بناحية الأنبار منصرفا من مكة، وغضب على البرامكة، وقتل جعفر بن يحيى بن خالد في أول يوم من صفر وصلبه على الجسر ببغداد. ٣٥٦٠ -

الخطيب البغدادي - تاريخ بغداد - ط العلمية

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagemedium confidencepage 2813, entry [3986]12,195 chars
    ٣٦٠٦ - جعفر بن يحيى بن خالد، أبو الفضل البرمكيّ (¬٤). كان من علو القدر، ونفاذ الأمر، وعظم المحل، وجلالة المنزلة عند هارون الرّشيد بحالة انفرد بها ولم يشارك فيها، وكان سمح الأخلاق، طلق الوجه ظاهر البشر، فأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يذكر، وأبين من أن يظهر، وكان أيضا من ذوي الفصاحة، وا…
    ▸ expand full passage (12,195 chars)
    ٣٦٠٦ - جعفر بن يحيى بن خالد، أبو الفضل البرمكيّ (¬٤). كان من علو القدر، ونفاذ الأمر، وعظم المحل، وجلالة المنزلة عند هارون الرّشيد بحالة انفرد بها ولم يشارك فيها، وكان سمح الأخلاق، طلق الوجه ظاهر البشر، فأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يذكر، وأبين من أن يظهر، وكان أيضا من ذوي الفصاحة، والمذكورين باللسن والبلاغة، ويقال إنه وقع ليلة بحضرة الرّشيد زيادة على ألف توقيع، ونظر في جميعها فلم يخرج شيء منها عن موجب الفقه. وكان أبوه يحيى بن خالد قد ضمه إلى أبي يوسف القاضي حتى علمه وفقهه، وغضب الرّشيد عليه في آخر أمره فقتله، ونكب البرامكة لأجله. أخبرنا الحسين بن علي الصيمري حدّثنا محمّد بن عمران بن موسى أخبرني محمّد بن الأزهر حدّثنا محمّد بن يزيد النّحويّ قال: زعم الجاحظ أن ثمامة بن أشرس النميري قال: ما رأيت رجلا أبلغ من جعفر بن يحيى والمأمون. أخبرنا الحسين بن العبّاس النّعاليّ أخبرنا أحمد بن نصر بن عبد الله الذارع حدّثنازكريّا- يعنى ابن جعفر- حدّثنا العبّاس بن الفضل قال: اعتذر رجل إلى جعفر بن يحيى البرمكيّ، فقال له جعفر: قد أغناك الله بالعذر منا عن الاعتذار إلينا، وأغنانا بالمودة لك عن سوء الظن بك. أخبرنا أبو القاسم سلامة بن الحسين المقرئ حدّثنا على بن عمر الحافظ القاضي [حدّثنا (¬١)] الحسين بن إسماعيل حدّثنا عبد الله بن أبي سعد حدّثني محمّد بن عبد الله بن طهمان حدّثني أبي قال كان أبو علقمة الثّقفيّ- صاحب الغريب- عند جعفر بن يحيى في بعض لياليه التي يسمر فيها، فأقبلت خنفساء إلى أبي علقمة، فقال: أليس يقال إن الخنفساء إذا أقبلت إلى رجل أصاب خيرا، قالوا: بلى؟ قال جعفر ابن يحيى: يا غلام أعطه ألف دينار، قال فنحوها عنه، فعادت إليه فقال يا غلام، أعطه ألف دينار فأعطاه ألفي دينار، قال: وأنشد جعفرا مرثية ابن أبي حفصة لمعن بن زائدة التي يقول فيها: كأنّ الشّمس يوم أصيب معن … من الإظلام ملبسة جلالا فاستجادها جعفر فوهب له عشرة آلاف درهم. أخبرنا علي بن أبي علي حدّثنا محمّد بن عمران بن موسى الكاتب حدّثنا علي بن سليمان الأخفش حدّثني بعض أصحابنا قال خرج عبد الملك بن صالح مشيعا لجعفر ابن يحيى البرمكيّ، فعرض عليه حاجاته فقال له: قصارى كل مشيع الرجوع وأريد أعز الله الأمير أن يكون لي كما قالبظحاء العذرى: وكوني على الواشين لدّاء شغبة … فإنّي على الواشي ألدّ شغوب فقال جعفر: بل أكون لك كما قال جميل: وإذا الواشي وشي يوما بها … نفع الواشي بما جاء يضرّ أخبرنا الحسن بن على الجوهريّ حدّثنا محمّد بن عمران المرزباني حدّثنا أبو الحسين عبد الواحد بن محمّد الخصيبى قال سمعت على بن الحسين بن عبد الأعلى الإسكافي يحدث. قال: كان أحمد بن الجنيد الإسكافى أخص الناس بجعفر بن يحيى ابن خالد البرمكيّ، فكان الناس يقصدونه في حوائجهم إلى جعفر. قال: وإن رقاع الناس كثرت في خف أحمد بن الجنيد، فلم يزل كذلك إلى أن تهيأ له الخلوة بجعفر فقال له: يا جعفر (¬٢) جعلني الله فداك، قد كثرت رقاع الناس معي، وأشغالك كثيرةوأنت اليوم خال، فإن رأيت أن تنظر فيها؟ فقال له جعفر: على أن تقيم عندي اليوم، فقال له أحمد: نعم! فصرف دوابه وأقام فلما تغدوا جاءه بالرقاع فقال له جعفر: هذا وقت ذا؟ دعنا اليوم، فأمسك عنه أحمد وانصرف في ذلك اليوم ولم ينظر في الرقاع، فلما كان بعد أيام خلا به فذاكره الرقاع، فقال: نعم على أن تقيم عندي اليوم، فأقام عنده ففعل به مثل الفعل الأول حتى فعل به ذلك ثلاثا، فلما كان في آخر يوم أذكره فقال: دعني الساعة وناما، فانتبه جعفر قبل أحمد فقال لخادم له: اذهب إلى خف أحمد بن الجنيد فجئنى بكل رقعة فيه. وانظر لا يعلم أحمد، فذهب الغلام وجاء بالرقاع، فوقع جعفر فيها عن آخرها بخطه بما أحب أصحابها، ووكد ذلك، ثم أمر الخادم أن يردها في الخف، فردها، وانتبه أحمد وأخذوا في شأنهم، ولم يقل له فيها شيئا، وانصرف أحمد، فركب يعلل أصحاب الرقاع بها أياما، ثم قال لكاتب له: ويحك هذه الرقاع قد أخلقت في خفي، وهذا- يعنى جعفرا- ليس ينظر فيها، فخذها تصفحها وجدد ما خلق منها فأخذها الكاتب فنظر فيها فوجد الرقاع موقعا فيها بما سأل أهلها وأكثر، فتعجب من كرمه ونبل أخلاقه، ومن أنه قد قضى حاجته ولم يعلمه بها لئلا يظن أنه اعتد بها عليه. أخبرني أبو القاسم الأزهرى حدّثنا محمّد بن العبّاس الخزاز حدّثنا محمّد بن خلف بن المرزبان حدّثنا أبو يعقوب النّخعيّ حدّثنا على بن زيد- كاتب العبّاس بن المأمون- حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي حدّثني أبي. قال: حج الرّشيد ومعه جعفر بن يحيى البرمكيّ، قال: وكنت معهم، فلما صرنا إلى مدينة الرسول ﷺ قال لي جعفر بن يحيى: أحب أن تنظر لي جارية، ولا تبقى غاية في حذاقتها بالغناء والضرب، والكمال في الظرف والأدب، وجنبني قولهم صفراء، قال فوضعتها على يد من يعرف، قال فأرشدت إلى جارية لرجل، فدخلت عليه فرأيت رسوم النعمة، وأخرجها فلم أر أجمل منها، ولا أصبح ولا آدب، قال ثم تغنت إلى أصواتا وأجادتها، قال فقلت لصاحبها: قل ما شئت، قال أقول لك قولا لا أنقص منه درهما، قال قلت قل، قال أربعين ألف دينار، قال قلت قد أخذتها واشترطت نظرة، قال ذاك لك، قال فأتيت جعفر بن يحيى فقلت قد أصبت حاجتك على غاية الكمال، والظرف والأدب والجمال، ونقاء اللون، وجودة الضرب والغناء، وقد اشترطت نظرة، فاحمل المال ومر بنا، قال فحملنا المال على حمالين وجاء جعفر مستخفيا فدخلنا على الرجل فأخرجها، فلما رآها جعفر عجب بها، وعرف أن قد صدقته، ثم غنته فازداد بها عجبا، فقاللي: اقطع أمرها قال، قلت لمولاها هذا المال قد نقدناه ووزناه، فإن قنعت وإلا فوجه إلى من شئت لينقد. فقال: لا بل أقنع بما قلتم قال فقالت الجارية: يا مولاي في أى شيء أنت؟ فقال: قد عرفت ما كنا فيه من النعمة، وما كنت فيه انبساط اليد، وقد انقبضت عن ذلك لتغير الزمان علينا، فقدرت أن تصيري إلى هذا الملك فتنبسطي في شهواتك وإرادتك، فقالت الجارية: والله يا مولاي لو ملكت منك ما ملكت منى ما بعتك بالدنيا وما فيها، وبعد فاذكر العهد، وقد كان حلف لها أن لا يأكل لها ثمنا، قال فتغرغرت عين المولى وقال: اشهدوا أنها حرة لوجه الله، وأنى قد تزوجتها وأمهرتها دارى. فقال لي جعفر: انهض بنا، قال فدعوت الحمالين ليحملوا المال، قال فقال جعفر: لا والله لا يصحبنا منه درهم، قال: ثم أقبل على مولاها فقال: هو لك مبارك لك فيه، أنفقه عليها وعليك، قال: وقمنا فخرجنا. أخبرنا سلامة بن الحسين المقرئ أخبرنا علي بن عمر الحافظ حدّثنا إبراهيم بن حمّاد حدّثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدّثني محمّد بن أحمد بن المبارك العبدى حدّثني عبد الله بن علي- أبو محمّد- قال: لما غضب على البرامكة أصيب في خزانة لجعفر بن يحيى في جرة ألف دينار، في كل دينار مائة دينار، على أحد جانبي كل دينار منها: وأصفر من ضرب دار الملو … ك يلوح على وجهه جعفر يزيد على مائة واحدا … متى تعطه معسرا يوسر أخبرنا سلامة بن الحسين وعمر بن محمّد بن عبيد الله المؤدّب قالا: حدّثنا علي ابن عمر حدّثنا إبراهيم بن حمّاد قال حدّثنا عبد الله بن أبي سعد حدّثني مثنى بن محمّد المذحجي حدّثني أبو عبد الرّحمن مؤدب محمّد بن عمران بن يحيى بن خالد قال: أمر جعفر بن يحيى بن خالد أن تضرب دنانير، في كل دينار ثلاثمائة مثقال، ويصور عليها صورة وجهه، فضربت فبلغ أبا العتاهية، فأخذ طبقا فوضع عليه بعض الألطاف فوجه به إلى جعفر، وكتب إليه رقعة في آخرها: وأصفر من ضرب دار الملو … ك يلوح على وجهه جعفر ثلاث مئين يكن وزنه … متى يلقه معسر يوسر فأمر بقبض ما على الطبق، وصير عليه دينارا من تلك الدنانير ورده إليه.أخبرنا أبو علي محمّد بن الحسين بن محمّد الجازري حدّثنا المعافي بن زكريّا الجريري- إملاء- حدّثنا الحسين بن القاسم الكوكبي حدّثني أبو بكر الضّرير- وجه الهرة- قال: حدّثني غسان بن محمّد القاضي عن محمّد بن عبد الرّحمن الهاشمي- صاحب صلاة الكوفة- قال دخلت على أمي في يوم عيد أضحى، وعندها امرأة برزة في أثواب دنسة رثة، فقالت لي: أتعرف هذه؟ قلت لا، قالت: هذه عبادة أم جعفر بن يحيى بن خالد، فسلمت عليها ورحبت بها، وقلت لها: يا فلانة حدثيني ببعض أمركم. قالت أذكر لك جملة كافية فيها اعتبار لمن اعتبر، وموعظة لمن فكر، لقد هجم على مثل هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أن جعفرا ابني عاق بى، وقد أتيتكم في هذا اليوم، والذي يقنعني جلدا شاتين، أجعل أحدهما شعارا والآخر دثارا. أخبرنا عبيد الله بن عمر بن أحمد الواعظ حدّثنا أبي حدّثنا عمر بن الحسن بن علي الشّيبانيّ أخبرنا الحارث بن محمّد حدّثني العبّاس بن الفضل عن إسماعيل بن علي قال: قال أبو قابوس النّصراني: دخلت على جعفر بن يحيى البرمكيّ في يوم بارد، فأصابنى البرد، فقال: يا غلام اطرح عليه كساء من أكسية النصارى، فطرح على كساء خز قيمته ألف. قال فانصرفت إلى منزلي فأردت أن ألبسه في يوم عيد، فلم أصب له في منزلي ثوبا يشاكله، فقالت لي بنية لي: اكتب إلى الذي وهبه لك حتى يرسل إليك بما يشاكله من الثياب، فكتبت إليه: أبا الفضل لو أبصرتنا يوم عيدنا … رأيت مباهاة لنا في الكنائس ولو كان ذاك المطرف الخز جبة … لباهيت أصحابي بها في المجالس فلا بد لي من جبة من جبابكم … ومن طيلسان من جياد الطيالس ومن ثوب قوهي وثوب غلالة … ولا بأس إن أتبعت ذاك بخامس إذا تمت الأثواب في العيد خمسة … كفتك فلم تحتج إلى لبس سادس لعمرك ما أفرطت فيما سألته … وما كنت لو أفرطت فيه بآيس وذاك لأن الشعر يزداد حدة … إذا ما البلا أبلى جديد الملابس قال فبعث إليه حين قرأ شعره بتخوت خمسة، من كل نوع تختا. قال: فو الله ما انقضت الأيام حتى قتل جعفر بن يحيى وصلب، فرأينا أبا قابوس قائما تحت جذعه يزمزم، فأخذه صاحب الخبر وأدخله على الرّشيد، فقال له ما كنت قائلا تحت جذعجعفر؟ قال فقال أبو قابوس: أينجيني منك الصدق؟ قال نعم، قال ترحمت والله عليه، وقلت في ذلك: أمين الله هب فضل بن يحيى … لنفسك أيها الملك الهمام وما طلبى إليك العفو عنه … وقد قعد الوشاة بنا وقاموا أرى سبب الرضى فيه قويا … على الله الزيادة والتمام نذرت على فيه صيام حول … وإن وجب الرضى وجب الصيام وهذا جعفر بالجسر تمحو … محاسن وجهه ريح قتام أقول له وقمت إليه نصبا … إلى أن كاد يفضحني القيام أما والله لولا خوف واش … وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا … كما للناس بالركن استلام قال: فأطرق هارون مليا، ثم قال: رجل أولى جميلا فقال فيه جميلا. يا غلام ناد بأمان أبي قابوس وأن لا يعرض له. ثم قال لحاجبه: إياك أن تحجبه عنى، صرمتى شئت إلينا في مهمك. أخبرني الأزهري حدّثنا محمّد بن العبّاس أخبرنا أبو بكر محمّد بن خلف أخبرني أبو النّضر هاشم بن سعيد بن علي البلديّ أخبرني أبي، قال لما صلب الرّشيد جعفر بن يحيى، وقف الرقاشي الشّاعر فقال: أما والله لولا خوف واش … وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا … كما للناس بالحجر استلام فما أبصرت قبلك يا ابن يحيى … حساما فلّه السيف الحسام على اللذات والدنيا جميعا … لدولة آل برمك السلام فقيل للرشيد، فأمر به فأحضر، فقال له: ما حملك على ما فعلت؟ قال تحركت نعمته في قلبي فلم أصبر. قال: كم كان عطاؤك؟ قال: كان يعطيني في كل سنة ألف دينار، فأمر له بألفي دينار. أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدّل حدّثنا الحسين بن القاسم أخبرني الحسن بن سعيد العنبري حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه. قال: قال أبو يزيد الرياحي: كنت قائما عند خشبة جعفر بن يحيى البرمكيّ أتفكر في زوال ملكه، وحاله التي صار إليها، إذ أقبلت امراة راكبة، لها رواء وهيئة،فوقفت على جعفر فبكت فأحزنت وتكلمت فأبلغت، فقالت: أما والله لئن أصبحت للناس آية، لقد بلغت فيهم الغاية، ولئن زال ملكك، وخانك دهرك، ولم يطل عمرك، لقد كنت المغبوط حالا، الناعم بالا، يحسن بك الملك، وينفس بك الهلك، أن تصير إلى حالك هذه، ولقد كنت الملك بحقه، في جلالته ونطقه، فاستعظم الناس فقدك، إذ لم يستخلفوا ملكا بعدك، فنسأل الله الصبر على عظيم الفجيعة، وجليل الرزية التي لا تستعاض بغيرك والسلام عليك وداع غير قال ولا ناس لذكرك، ثم أنشأت تقول: العيش بعدك مر غير محبوب … ومذ صلبت ومقنا كل مصلوب أرجو لك الله ذا الإحسان إن له … فضلا علينا وعفوا غير محسوب ثم سكتت ساعة وتأملته، ثم أنشأت تقول: عليك من الأحبة كل يوم … سلام الله، ما ذكر السلام لئن أمسى صداك برأى عين … على خشب حباك بها الإمام فمن ملك إلى ملك برغم … من الأملاك أسلمك الهمام أخبرنا أبو على بن الحسين بن محمّد الجازري أخبرنا المعافى بن زكريّا حدّثنا محمّد بن مزيد حدّثنا الزبير بن بكّار. وأخبرنا محمّد بن عبد الواحد بن علي البزّاز- واللفظ له- قال أخبرنا أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي حدّثنا محمّد بن أبي الأزهر النّحويّ حدّثنا الزبير بن بكّار حدّثني عمي مصعب بن عبد الله. قال: لما قتل جعفر بن يحيى، وصلب بباب الجسر رأسه، وفي الجانب الآخر جسده، وقفتامرأة على حمار فاره، فنظرت إلى رأسه، فقالت بلسان فصيح: والله لئن صرت اليوم آية، لقد كنت في المكارم غاية، ثم أنشأت تقول: ولما رأيت السيف خالط جعفرا … ونادى مناد للخليفة في يحيى بكيت على الدنيا وأيقنت أنما … قصارى الفتى يوما مفارقة الدنيا وما هي إلا دولة بعد دولة … تخول ذا نعمى وتعقب ذا بلوى إذا أنزلت هذا منازل رفعة … من الملك حطت ذا إلى الغاية القصوى ثم إنها حركت الحمار الذي كان تحتها، فكأنها كانت ريحا لم يعرف لها أثر. حدّثنا أبو طالب عمر بن إبراهيم بن سعيد الفقيه أخبرنا محمّد بن العبّاس الخزاز أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن خلف المرزبان قال أنشدونا للعبّاس بن الأحنف: ولما رأيت السيف خالط جعفراوذكر هذه الأبيات الأربعة كما سقناها سواء. أخبرنا محمّد بن أحمد بن رزق حدّثنا عمر بن جعفر بن محمّد بن سلم الختلّيّ حدّثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدّثني إسماعيل بن محمّد- ثقة- قال: لما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر بن يحيى، وما نزل بالبرامكة، حول وجهه إلى الكعبة وقال: اللهم إنه كان قد كفاني مئونة الدنيا، فاكفه مئونة الآخرة. أخبرني الحسن بن أبي بكر قال كتب إلى محمّد بن إبراهيم الجورى- من شيراز- يذكر أن أحمد بن حمدان بن الخضر أخبره، قال حدّثنا أحمد بن يونس الضبي حدّثني أبو حسّان الزّيادي. قال سنة سبع وثمانين ومائة فيها قتل جعفر بن يحيى بن خالد، في أول يوم من صفر، بالغمر من أرض الأنبار. أخبرنا إبراهيم بن مخلد- إجازة- أخبرنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي. وأخبرنا الأزهرى- قراءة- أخبرنا على بن عمر الحافظ أخبرنا عبد الله بن إسحاق أخبرنا الحارث بن محمّد حدّثنا محمّد بن سعد أخبرنا محمّد بن عمر الواقدي: سنة سبع وثمانين ومائة فيها نزل هارون بن محمّد بن عبد الله الغمر بناحية الأنبار منصرفا من مكة، وغضب على البرامكة، وقتل جعفر بن يحيى بن خالد في أول يوم من صفر، وصلبه على الجسر ببغداد.

تقي الدين ابن عبد القادر التميمي - الطبقات السنية في تراجم الحنفية

full-text

— · 3 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 714, entry [674]19,351 chars
    ٦١٦ - جعفر بن يحيى بن خالد، أبو الفضل البرمكى (¬*) قال الخطيب: كان من علوّ القدر، ونفاذ الأمر، وعظم المحلّ، وجلالة المنزلة، عند هارون الرشيد، بحالة انفرد بها، ولم يشارك فيها، وكان سمح الأخلاق، طلق الوجه، ظاهر البشر، فأما جوده وعطاؤه فأشهر من أن يذكر، وأبين من أن يظهر، وكان أيضا من ذوى الفصاحة، المذك…
    ▸ expand full passage (19,351 chars)
    ٦١٦ - جعفر بن يحيى بن خالد، أبو الفضل البرمكى (¬*) قال الخطيب: كان من علوّ القدر، ونفاذ الأمر، وعظم المحلّ، وجلالة المنزلة، عند هارون الرشيد، بحالة انفرد بها، ولم يشارك فيها، وكان سمح الأخلاق، طلق الوجه، ظاهر البشر، فأما جوده وعطاؤه فأشهر من أن يذكر، وأبين من أن يظهر، وكان أيضا من ذوى الفصاحة، المذكور (¬١) باللّسن والبلاغة، ويقال: إنه وقّع ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع، نظر فى جميعها، فلم يخرج شئ منها عن موجب الفقه. قال: وكان أبوه يحيى بن خالد قد ضمّه إلى أبى يوسف القاضى، حتى علّمه وفقّهه. وقال ثمامة بن أشرس: ما رأيت رجلا أبلغ من جعفر بن يحيى والمأمون. /وحكى العباس بن الفضل، (¬٢) قال: اعتذر رجل إلى جعفر بن يحيى البرمكىّ، فقال له جعفر: قد أغناك الله بالعذر [منّا] (¬٣) عن الاعتذار إلينا، وأغنانا بالمودّة لك عن سوء الظّنّ بك. وحيث كان يروى عنه فى الكرم، وإسداء النّعم، وإكرام جلسائه، والإحسان إلى أوليائه، وتحقيق ظنّ آمليه، وتفريج كربة سائليه، ما تضيق عنه الدّفاتر، وتعجز عن ضبطه الأقلام والمحابر، وتغنّى به الرّكبان، وتتجمّل بذكره مجالس الأعيان، فلا بأس أن نذكر منها طرفا يسيرا يكون لأهل الكرم به قدوة، ولضعيف الهمّة باعثا على الجميل وموجدا له نحوه، وليعلم أن المرء لا يبقى له بعد موته إلاّ الذّكر الجميل، والثّناء الحسن الجزيل. فمن ذلك ما روى ابن عساكر، عن المهذّب صاحب العباس بن محمد، صاحب قطيعة العباس والعبّاسيّة، أنه أصابته ضائقة، وألحّ عليه المطالبون، وعنده سفط (¬٤) فيه جوهر،مشتراه عليه ألف درهم، فحمله إلى جعفر ليبيعه منه، فاشتراه بثمنه، ووزن له ألف ألف، وقبض منه السّفط، وأجلسه عنده فى تلك الليلة، فلمّا رجع إلى أهله إذا السّفط قد بلغه إلى منزله، فلمّا أصبح غدا إليه ليتشكّر له، فوجده مع أخيه الفضل على باب الرشيد، يستأذن عليه، فقال له جعفر: إنّى قد ذكرت أمرك للفضل، وقد أمر لك بألف ألف، وما أظنّها إلاّ سبقتك إلى أهلك، وسأفاوض فيك أمير المؤمنين. فلمّا دخل ذكر أمره له، وما لحقه من الدّيون، فأمر له بثلاثمائة ألف دينار. وروى الخطيب (¬١) أن جعفرا كان ليلة فى سمره وعنده أبو علقمة الثّقفىّ صاحب الغريب، فأقبلت خنفساة إلى علقمة، فقال: أليس يقال: إن الخنفساء إذا أقبلت إلى رجل أصاب خيرا؟ قالوا: بلى. فقال جعفر: يا غلام أعطه ألف دينار. ثم نحّوها فعادت إليه، فقال: يا غلام، أعطه ألف دينار (¬٢). فأعطاه. وروى أيضا (¬٣) أن جعفرا حجّ مرّة مع الرشيد، فلما كانوا بالمدينة، قال لإبراهيم الموصلىّ: انظر لى جارية أشتريها، ولا تبق غاية فى حذاقتها بالغناء والضّرب والكمال، والطّرف، والأدب، وجنّبنى قولهم: صفراء. قال إبراهيم: فوصفتها (¬٤) على يد من يعرف، فأرشدت إلى جارية لرجل، فدخلت عليه، فرأيت رسوم النّعمة عنده، فأخرجها إلىّ، فلم أر أجمل منها ولا أصبح ولا آدب، قال: ثم تغنّت لى أصواتا فاجادتها، قال: فقلت لصاحبها: قل ما شئت، قال: أقول لك قولا لا أنقص منه درهما، قلت: قل. قال: أربعين ألف دينار. قال: قلت قد أخذتها، واشترطت عليك نظرة. قال: ذاك لك. قال: فأتيت جعفر بن يحيى، فقلت: قد أصبت حاجتك على غاية الكمال والظّرف والأدب والجمال ونقاء اللون وجودة الضّرب والغناء، وقد اشترطت نظرة فاحمل المال، ومرّ بنا. قال: فحملنا المال على حمّالين، وجاء جعفر مستخفيا، فدخلنا على الرجل، فأخرجها، فلما رآها جعفر أعجب بها، وعرف أن قد صدقته، ثم غنّته فازداد بها عجبا، فقال لى: اقطعأمرها. فقلت لمولاها: هذا المال قد نقدناه ووزنّاه، فإن قنعت وإلاّ فوجّه إلىّ من شئت لينتقده. فقال: لا، بل أقنع بما قلتم. قال: فقالت الجارية: يا مولاى، فى أىّ شئ أنت؟ فقال: قد عرفت ما كنّا فيه من النّعمة، وما كنت فيه من انبساط اليد، وقد انقبضت عن ذلك لتغيّر الزمان/علينا، فقدّرت أن تصيرى إلى هذا الملك، فتنبسطى فى شهواتك وإرادتك (¬١). فقالت الجارية: والله يا مولاى لو ملكت منك ما ملكته (¬٢) منّى ما بعتك بالدنيا وما فيها، وبعد فاذكر العهد. وقد كان حلف لها أن لا يأكل لها ثمنا، فتغرغرت عين (¬٣) المولى، وقال: اشهدوا أنها حرّه لوجه الله تعالى، وأنّى قد تزوّجتها، وأمهرتها دارى. فقال لى جعفر: انهض بنا. فقال: فدعوت الحمّالين ليحملوا المال، قال: فقال جعفر: لا والله، لا يصحبنا منه درهم. قال: ثم أقبل على مولاها، فقال: هو لك مباركا (¬٤) لك فيه، أنفقه عليك وعليها. قال: وقمنا وخرجنا. وروى أنه لما حجّ اجتاز فى طريقه بالعقيق، وكانت سنة مجدبة، فاعترضته امرأة من بنى كلاب، وأنشدته: إنّى مررت على العقيق وأهله … يشكون من مطر الربيع نزورا ما ضرّهم إذ كان جعفر جارهم … أن لا يكون ربيعهم ممطورا فأجزل لها العطاء.ذكر مقتل جعفر، وإيقاع الرشيد به وبأهل بيته وذكر السبب فى ذلك على وجه الاختصار، فإن فيه عبرة لمن يعتبر، وعظة لمن يتّعظ، وتنبيها لمن هو غافل عن غدر الدنيا لأربابها، وإساءتها بعد الإحسان لأصحابها، وقد نقلت ذلك من التواريخ المعتمدة، كتاريخ الخطيب، وتاريخ ابن كثير، وغيرهما. قال ابن كثير (¬١) رحمه الله تعالى: ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة، فيها كان مقتل الرّشيد جعفر بن يحيى بن خالد البرمكىّ، ودمار ديارهم، واندثار آثارهم، وذهاب صغارهم وكبارهم، وقد اختلف فى سبب ذلك على أقوال، ذكرها أبو جعفر بن جرير، وغيره من علماء التاريخ، فممّا قيل: إن الرشيد قد سلّم يحيى بن عبد الله بن حسن إلى جعفر البرمكىّ، فسجنه عنده، قال: فما زال يحيى يترفّق له حتى أطلقه جعفر، فنمّ الفضل بن الربيع على جعفر فى ذلك، فقال له الرشيد: ويلك، لا تدخل بينى وبين جعفر، فلعلّه قد أطلقه على أمرى وأنا لا أشعر. ثم سأل الرشيد جعفر عن ذلك فصدقه الحال، فتغيّظ عليه الرشيد، وحلف ليقتلنّه، وكره البرامكة، ومقتهم، وقلاهم، بعد ما كانوا أحظى الناس عنده، وأحبّهم إليه، وكانت أمّ جعفر والفضل أمّه من الرّضاعة، وجعلهم من الرّفعة فى الدنيا وكثرة المال، بسبب ذلك فى شئ كثير لم يحصل لمن قبلهم من الوزراء، ولا لمن بعدهم من الأكابر والرّؤساء، بحيث إن جعفرا بنى دارا، وغرم عليها عشرين ألف ألف درهم، وكان ذلك (¬٢) من جملة ما كبر عليه بسببه (¬٢). ويقال: إن الرشيد كان لا يمرّ ببلد ولا إقليم فيسأل عن قرية أو مزرعة أو بستان، إلاّ قيل: هذا لجعفر. وقد قيل (¬٣): إن البرامكة كانوا يريدون إبطال خلافة الرشيد، وإظهار الزّندقة، ويؤيّد ذلك ما روى أنّ الرشيد أتى بأنس بن أبى شيخ، وكان يتّهم (¬٤) بالزّندقة، وكان مصاحبالجعفر، وذلك ليلة قتل، فدار بينه وبينه كلام، فأخرج سيفا من تحت فراشه، وأمر بضرب عنقه به، وجعل يتمثّل ببيت قيل فى أنس، قبل ذلك، وهو: /تلمّظ السيف من شوق إلى أنس … فالسيف يلحظ والأقدار تنتظر فضرب عنقه، فسبق السّيف الدّم، فقال الرشيد: رحم الله عبد الله بن مصعب. فقال الناس: إنّ السيف كان سيف الزّبير بن العوّام، رضى الله تعالى عنه. وقيل (¬١): إنه بسبب العبّاسة أخته، فإن جعفرا كان يدخل على الرشيد بغير إذن، حتى إنه كان ربما دخل عليه وهو فى الفراش مع حظاياه، وهذه وجاهة عظيمة، ومنزلة عالية، وكان من أحظى العشراء على الشّراب، فإن الرشيد كان يستعمل فى أواخر ملكه المسكر، (¬٢) وكان المخلف (¬٢). وكان أحبّ أهله إليه أخته العبّاسة بنت المهدىّ، وكان يحضرها معه، وجعفر البرمكىّ حاضر أيضا، فزوّجه بها، ليحلّ له النّظر إليها، واشترط عليه أن لا يطأها، فكان الرشيد ربما قام وتركهما وهما ثملان من الشّراب، فربما واقعها جعفر، فاتّفق حملها منه، فولدت ولدا بعثته مع بعض جواريها إلى مكة، وكان يربّى هناك. وذكر قاضى القضاة ابن خلّكان فى «الوفيات» (¬٣) صفة أخرى فى مقتل جعفر، وذلك أنه لمّا زوّج الرشيد جعفرا من العبّاسة أخته، أحبّته حبّا شديدا، فراودته عن نفسه، فامتنع أشدّ الامتناع من خشية أمير المؤمنين، فاحتالت عليه، وكانت أمّه تهدى إليه فى كلّ ليلة جمعة جارية حسناء بكرا، فقالت لأمّه: أدخلينى عليه فى صفة جارية من تلك الجوارى. فهابت من ذلك، فتهدّدتها (¬٤) حتى فعلت، فلمّا دخلت عليه، وكان لا يتحقّق وجهها من مهابة الرشيد، فواقعها، فقالت له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك؟ فقال: ومن أنت؟ فقالت: أنا العبّاسة. وحملت منه (¬٥) تلك الليلة، فدخل على أمّه، فقال لها: بعتينى والله برخيص.ثم إن والده يحيى بن خالد جعل يضيّق على عيال الرشيد فى النّفقة، حتى شكته زبيدة إلى الرشيد مرّات، ثم أفشت له سرّ العبّاسة، فاستشاط غضبا (¬١). ولمّا أخبرته أن الولد قد أرسلت به إلى مكة، حجّ عامه ذلك، حتى يتحقّق الأمر (¬٢)، ويقال: إن بعض الجوارى نمّت عليها إلى الرشيد، فأخبرته بما وقع من الأمر، وأنّ الولد بمكة، وعنده جوار ومعه أموال، وحلى كثير (¬٣)، فلم يصدّق حتى حجّ فى السنة الخالية، فكشف عن الحال، فإذا هو كما ذكرت الجارية. وقد حجّ فى هذه السنة يحيى بن خالد الوزير (¬٤)، وقد استشعر الغضب من الرشيد عليه، فجعل يدعو عند الكعبة: اللهمّ إن كان يرضيك عنّى سلب مالى وولدى وأهلى فافعل ذلك بى، وأبق عليهم منهم الفضل. ثم خرج، فلمّا كان عند باب المسجد رجع، فقال: اللهمّ والفضل معهم، فإنّى راض برضاك عنّى، ولا تستثن منهم أحدا. وقيل (¬٥): إنّ من المحرّضات على قتل البرمكة قول بعض الشعراء يخاطب الرشيد: قل لأمين الله فى أرضه … ومن إليه الحلّ والعقد إنّ ابن يحيى جعفرا قد غدا … مثلك ما بينكما حدّ (¬٦) أمرك مردود إلى أمره … وأمره ليس له ردّ /وقد بنى الدّار التى ما بنى ال … فرس لها مثلا ولا الهند الدّرّ والياقوت حصباؤها … وتربها العنبر والنّدّ وجدّك المنصور لو حلّها … لما اطّباه قصره الخلد (¬٧)ساواك فى الملك فأبوابه … مأهولة يعمرها الوفد وما يساوى العبد أربابه … إلاّ إذا ما بطر العبد (¬١) ونحن نخشى أنّه وارث … ملكك إن غيّبك اللّحد وروى ابن الجوزىّ (¬٢) أن الرشيد سئل عن السّبب الذى من أجله أهلك البرامكة، فقال: لو أن قميصى هذا يعلم لأحرقته. قال ابن كثير (¬٣): فلمّا قفل الرشيد من الحجّ صار إلى الحيرة، ثم ركب فى السّفن إلى العمر (¬٤)، من أرض الأنبار، فلمّا كانت ليلة السبت، سلخ المحرّم من هذه السنة، أعنى سنة سبع وثمانين، أرسل مسرور الخادم، ومعه حماد بن سالم أبو عصمه، فى جماعة من الجند، فأطافوا بجعفر بن يحيى ليلا، فدخل عليه مسرور الخادم، وعنده بختيشوع المتطبّب، وأبو ركاز الأعمى المغنّى يغنّيه: فلا تبعد فكلّ فتى سيأتى … عليه الموت يطرق أو يغادى وكلّ ذخيرة لا بدّ يوما … وإن بقيت تصير إلى نفاد (¬٥) فو فوديت من حدث المنايا … فديتك بالطّريف وبالتّلاد وقيل: كان يغنّيه قول بعضهم: ما يريد النّاس منّا … ما ينام الناس عنّا إنّما همّهم أن … يظهروا ما قد دفنّا ولكن المشهور هو (¬٦) الأوّل. فقال الخادم (¬٧): يا أبا الفضل، هذا الموت قد طرقك، أجب أمير المؤمنين. فقام إليه،فقبّل قدميه، وادّخل عليه أن يدخل إلى أهله فيوصى إليهم، فقال: أمّا الدّخول فلا سبيل إليه. فأوصى جعفر، وأعتق جماعة من مماليكه، وجاءت رسل الرشيد تستحثّ الخادم، فأخرجه إخراجا عنيفا يقوده حتى أتى إلى المنزل الذى كان فيه الرشيد، فحبسه وقيّده بقيد، وأعلم الرشيد بما فعل، فأمره بضرب عنقه، فجاء إلى جعفر، فقال: إن أمير المؤمنين أمرنى أن آتيه برأسك. فقال: يا أبا هاشم، لعلّ أمير المؤمنين سكران، فإذا صحا عاتبك على ذلك، فعاوده. فرجع إليه، فقال: يا أمير المؤمنين، لعلّك مشغول. فقال: ويحك يا ماصّ بظر أمّه، ايتنى برأسه. فكرّر عليه جعفر المعاودة، فقال له: برئت من المهدىّ لئن لم تأتنى برأسه لأبعثنّ من يأتينى برأسك ورأسه. فرجع إلى جعفر، وحزّ رأسه، وجاء به إلى الرشيد، فألقاه بين يديه. وأرسل الرشيد من ليلته البرد (¬١) فى الاحتياط على البرامكة جميعهم ببغداد وغيرها، ومن كان منهم بسبيل، فأخذوا كلّهم عن آخرهم، فلم يفلت منهم أحد، وحبس يحيى بن خالد فى منزله، وحبس الفضل بن يحيى فى منزل/آخر، وأخذ جميع ما كانوا يملكونه من الأموال والموالى والحشم والخدم، واحتيط على أملاكهم. وبعث الرشيد برأس جعفر وجثّته، ثم قطعت شقّين، فنصب الرّأس عند الجسر الأعلى، وشقّ الجثّة عند الجسر الأسفل، وشقّها الآخر عند الجسر الآخر، ثم أحرقت بعد ذلك (¬٢). ونودى فى بغداد: أن لا أمان للبرامكة، ولا لمن والاهم إلاّ محمد بن يحيى بن خالد (¬٣)، فإنه استثناه من بين البرامكة، لنصيحة الخليفة، وشحنت السّجون بالبرامكة، واستلبت أموالهم كلّها. وقد كان الرشيد (¬٤) فى اليوم الذى قتل فى آخره جعفر، هو وإياه راكبين فى الصّيد، وقد خلا به دون ولاة العهود، وطيّبه فى ذلك اليوم، ولمّا كان وقت المغرب، وودّعه الرشيد، ضمّه إليه، وقال: لولا أن الليلة ليلة خلوتى بالنّساء ما فارقتك، فاذهب إلى منزلك، فاشرب، واطرب لتكون على مثل حالى.فقال: والله يا أمير المؤمنين لا أشتهى ذلك إلاّ معك. فانصرف (¬١) عنه جعفر، فما هو إلاّ أن ذهب من الليل بعضه حتى أوقع به الباس والنّكال، كما تقدّم ذكره، وكان ذلك ليلة السبت، آخر ليلة من المحرّم، وقيل: إنها كانت ليلة مستهلّ صفر، سنة سبع وثمانين، وكان عمر جعفر إذ ذاك سبعا وثلاثين سنة. ولما جاء الخبر إلى أبيه يحيى بقتله قال: قتل الله ابنه. ولما قيل له (¬٢): خربت دارك. قال: خرّب الله دوره. ويقال: إنه لمّا نظر إلى داره وقد هتكت (¬٣) ستورها، واستبيحت قصورها، وانتهب ما فيها، قال: هكذا تقوم الساعة. وقد كتب إليه بعض أصحابه (¬٤) يعزّ به فيما وقع، فكتب جواب التّعزية: أنا بقضاء الله راض، وبالجزاء منه عالم، ولا يؤاخذ الله العباد إلاّ بذنوبهم، وما الله بظلاّم للعبيد، وما يغفر الله أكثر، ولله الحمد. ولقد أكثر الشعراء المراثى فى البرامكة، فمن ذلك قول الرّقاشىّ، ويذكر أنه لأبى نواس (¬٥): ألان استرحنا واستراحت ركابنا … وأمسك من يحدى ومن كان يحتدى (¬٦) فقل للمطايا قد أمنت من السّرى … وطىّ الفيافى فدفدا بعد فدفد وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر … ولن تظفرى من بعده بمسوّد وقل للعطايا بعد فضل تعطّلى … وقل للرّزايا كلّ يوم تجدّدى (¬٧) ودونك سيفا برمكيّا مهنّدا … أصيب بسيف هاشمىّ مهنّدوقال الرّقاشىّ، وقد نظر إلى جعفر وهو مصلوب على جذعه (¬١): أما والله لولا خوف واش … وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا … كما للناس بالحجر استلام فما أبصرت قبلك يا ابن يحيى … حساما فلّه السيف الحسام على اللّذّات والدنيا جميعا … لدولة آل برمك السّلام فاستدعى به الرشيد، وقال له: ويحك، ما حملك على ما فعلت؟ قال: تحرّكت نعمته بقلبى (¬٢) فلم أصبر. قال: كم كان يعطيك جعفر (¬٣) كلّ عام؟ قال: ألف دينار. فأمر له بألفى دينار. وروى الزّبير بن بكّار (¬٤)، عن عمّه مصعب بن الزبير، قال: لمّا قتل جعفر بن يحيى، وقفت امرأة على حمار فاره، فقالت/بلسان فصيح: والله لئن صرت اليوم آية، فلقد كنت فى الكرم غاية، ثم أنشأت تقول: ولمّا رأيت السيف خالط جعفرا … ونادى مناد للخليفة فى يحيى بكيت على الدنيا وأيقنت أنّما … قصارى الفتى يوما مفارقة الدنيا وما هى إلا دولة بعد دولة … تخوّل ذا نعمى وتعقب ذا بلوى إذا أنزلت هذا منازل رفعة … من الملك حطّت ذا إلى الغاية القصوى قال: ثم حرّكت حمارها، فكأنّها كانت ريحا، لا أثر لها، ولا يعرف أين ذهبت. وقيل: إن الأبيات هذه للعبّاس بن الأحنف (¬٥). وروى الخطيب (¬٦) أن أبا يزيد الرّياحىّ، قال: كنت قائما عند خشبة جعفر بن يحيى البرمكىّ أتفكّر فى زوال ملكه، وحاله التى صار إليها، إذا أقبلت امرأة راكبة لها رواءوهيبة (¬١)، فوفقت على جعفر، فبكت وأحرقت (¬٢)، وتكلّمت فأبلغت، فقالت: أما والله لئن أصبحت للناس آية، لقد بلغت فيهم الغاية، ولئن زال ملكك، وخانك دهرك، ولم يطل به (¬٣) عمرك، لقد كنت المغبوط حالا، النّاعم بالا، يحسن بك الملك، وينفس بك الهلك، (¬٤) ولئن صرت (¬٤) إلى حالتك هذه، فلقد (¬٥) كنت الملك بحقّه، فى جلالته ونطقه، فاستعظم الناس فقدك، إذ لم يستخلفوا ملكا بعدك، فنسأل الله الصبر على عظم المصيبة (¬٥)، وجليل الرّزيّة، التى لا تستعاض بغيرك، والسلام عليك (¬٦) وداع غير قال، ولا ناس لذكرك. ثم أنشأت تقول: العيش بعدك مرّ غير محبوب … ومذ صلبت ومقنا كلّ مصلوب (¬٧) أرجو لك الله ذا الإحسان إنّ له … فضلا علينا وعفوا غير محسوب ثم سكتت ساعة وتأمّلته، ثم أنشأت تقول: عليك من الأحبّة كلّ يوم … سلام الله ما ذكر السّلام لئن أمسى صداك برأى عين … على خشب حباك بها الإمام فمن ملك إلى ملك برغم … من الأملاك أسلمك الهمام وروى الخطيب (¬٨)، أن أبا قابوس النّصرانىّ، قال: دخلت على جعفر بن يحيى البرمكىّ فى يوم، فأصابنى البرد، فقال: يا غلام، اطرح عليه كساء من أكسية النّصارى، فطرح عليه كساء خزّ قيمته ألف دينار، (¬٩) قال: فانصرفت إلى منزلى، فأردت أن ألبسه فى يوم عيد، فلمأصب له فى منزلى ثوبا (¬١) يشاكله، فقالت لى بنيّة لى: اكتب إلى الذى وهبه لك حتى يرسل إليك بما يشاكله من الثّياب، فكتبت إليه هذه الأبيات: أبا الفضل لو أبصرتنا يوم عيدنا … رأيت مباهاة لنا فى الكنائس فلو كان ذاك المطرف الخزّ جبّة … لباهيت أصحابى به فى المجالس (¬٢) فلا بدّ لى من جبّة من جبابكم … ومن طيلسان من جياد الطّيالس ومن ثوب قوهىّ وثوب علائم … ولا بأس إن أتبعت ذاك بخامس (¬٣) إذا تمّت الأثواب فى العيد خمسة … كفتك فلم تحتج إلى لبس سادس /لعمرك ما أفرطت فيما سألته … وما كنت لو أفرطت فيه بآيس (¬٤) وذاك لأنّ الشّعر يزداد جدّة … إذا ما البلى أبلى جديد الملابس قال: فبعث إليه حين قرأ شعره بتخوت خمسة، من كلّ نوع تختا، قال: فو الله ما انقضت الأيّام حتى قتل جعفر وصلب، فرأينا أبا قابوس قائما تحت جذعه يزمزم، فأخذه صاحب الخبر، فأدخله على الرشيد، فقال له: ما كنت (¬٥) قائلا (¬٦) تحت جذع جعفر؟ قال: فقال أبو قابوس: أينجينى منك الصّدق؟ قال: نعم. قال: ترحّمت والله (¬٧) عليه، وقلت فى ذلك (¬٨): أمين الله هب فضل بن يحيى … لنفسك أيّها الملك الهمام وما طلبى إليك العفو عنه … وقد قعد الوشاة به وقاموا (¬٥) أرى سبب الرّضا فيه قويّا … على الله الزّيادة والتّمامنذرت علىّ فيه صيام حول … فإن وجب الرّضا وجب الصّيام (¬١) وهذا جعفر بالجسر تمحو … محاسن وجهه ريح قتام أقول له وقمت لديه نصّا … إلى أن كاد يفضحنى القيام (¬٢) أما والله لولا خوف واش … وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا … كما للنّاس بالحجر استلام قال: فأطرق هارون مليّا، ثم قال: رجل أولى جميلا، فقال فيه جميلا، يا غلام، ناد بأمان أبى قابوس، وأن لا يتعرّض (¬٣) له. ثم قال لحاجبه: إيّاك أن تحجبه عنّى، صر متى شئت إلينا فى مهمّك. وروى ابن عساكر (¬٤) بسنده، من طريق الدّار قطنىّ، أنه لمّا أصيب جعفر، وجدوا له فى جرّة ألف دينار، زنة كلّ دينار مائة دينار، مكتوب على صفحة الدينار الواحدة جعفر، ومكتوب على الصفحة الأخرى هذان البيتان: وأصفر من ضرب دار الملوك … يلوح على وجهه جعفر يزيد على مائة واحدا … متى يعطه معسر يوسر وروى الخطيب (¬٥) أن جعفرا أمر أن تضرب له دنانير فى كلّ دينار ثلاثمائة مثقال، ويضرب عليها صورة وجهه، فضربت، فبلع أبا العتاهية، فأخذ طبقا فوضع عليه بعض الألطاف، فوجّه به إلى جعفر، وكتب إليه رقعة، فى آخرها (¬٦): وأصفر من ضرب دار الملوك … يلوح على وجهه جعفر ثلاث مئين يرى وزنه … متى يلقه معسر يوسر (¬٧) فأمر بقبض ما على الطّبق، وصيّر عليه دينارا من تلك الدّنانير، وردّه إليه.وعن ثمامة بن أشرس (¬١)، قال: بتّ ليلة مع جعفر بن يحيى بن خالد، فانتبه من منامه (¬٢) يبكى مذعورا، فقلت: ما شأنك؟ قال: رأيت شيخا جاء فأخذ بعضادتى هذا الباب، وقال (¬٣): كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا … أنيس ولم يسمر بمكّة سامر قال: فأجبته: بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا … صروف اللّيالى والجدود العواثر (¬٤) /قال ثمامة: فلمّا كان الليلة المقبلة، قتله الرشيد، ونصب رأسه على الجسر. قال (¬٥): ثم خرج الرشيد فى بعض الأيّام ينظر إليه وهو مصلوب، فأنشأ يقول: تقاضاك دهرك ما أسلفا … وكدّر عيشك بعد الصّفا فلا تعجبنّ فإنّ الزّمان … رهين بتفريق ما ألّفا قال: فنظرت إلى جعفر، فقلت: أما لئن أصبحت آية، فلقد كنت فى الخير غاية. قال: فنظر الرشيد كأنه جمل يصول (¬٦)، ثم أنشأ يقول: ما يعجب العالم من جعفر … ما عاينوه فبنا كانا من جعفر أو من أبوه ومن … كانت بنو برمك لولا نا ثم حوّل وجه فرسه، وانصرف.وعن محمد بن عبد الرحمن الهاشمىّ (¬١) صاحب صلاة الكوفة، قال: دخلت على أمّى فى يوم أضحى، وعندها امرأة برزة (¬٢)، فى أثواب دنسة رثّة، فقالت لى: تعرف هذه؟ قلت: لا. قالت: هذه عبادة أمّ جعفر بن يحيى. فسلّمت عليها، ورحّبت لها، وقلت لها: يا فلانة، حدّثينى ببعض أمركم. قالت: أذكر لكم جملة كافية لمن اعتبر، وموعظة لمن فكّر، لقد هجم علىّ مثل هذا العيد، وعلى رأسى أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أن جعفرا ابنى عاقّ لى، ولقد أتيتكم فى (¬٣) هذا اليوم والذى يقنّعنى جلدا شاتين، أجعل أحدهما شعارا، والآخر دثارا. ولنختم أخبار البرامكة بحكاية عجيبة، وقصة غريبة، لا يسمع فى باب المكارم مثلها، ولا فى أخبار الوفاء بأعجب منها. ذكر أبو الفرج ابن الجوزىّ، فى كتابه «المنتظم» (¬٤)، أن المأمون بلغه أن رجلا يأتى فى كلّ يوم إلى قبور البرامكة، فيبكى عليهم، ويندبهم، فبعث من جاءه به، فدخل عليه وقد يئس من الحياة، فقال له: ويحك، ما حملك على صنيعك هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّهم أسدوا إلى معروفا، وخيرا كثيرا، ولى خبر يطول. فقال: قل. قال: أنا المنذر بن المغيرة، من أهل دمشق، كنت فى نعمة عظيمة، فزالت عنّى، وأفضى بى الحال إلى أن بعت دارى، ولم يبق لى شئ، فأشار بعض أصحابى علىّ بقصد البرامكة، فأتيت بغداد ومعى نيّف وعشرون امرأة، فأنزلتهنّ فى مسجد، وقصدت مسجد الجامع، فدخلت، فإذا فيه جماعة لم أر أحسن منهم، فجلست إليهم، فجعلت أراود نفسى فى طلب قوت منهم لعيالى (¬٥)، فيمنعنى من ذلك ذلّ السّؤال، فبينا أنا كذلك، إذا بخادم قد أقبل فاستدعاهم، فقاموا كلّهم وقمت معهم، فدخلوا دارا عظيمة، فإذا الوزير يحيى بن خالد، فجلسوا حوله، وعقد عقد ابنته عائشة على ابن عمّ له، ونثروا علينا سحيق المسك، وبنادق العنبر، ثم جاءت الخدم إلى كلّ واحد من الجماعة بصينيّة من فضّة، فيها ألف دينار،ومعها فتات المسك، فأخذها القوم ونهضوا، وبقيت الصّينيّة التى وضعوها بين يدى، وأنا أهاب (¬١) أن آخذها من عظمتها (¬٢) عندى، فقال لى بعض الحاضرين: ألا تأخذ وتقوم. فممدت يدى فأخذتها، وأفرغتها فى جيبى، وأخذت الصّينيّة تحت إبطى. وقمت وأنا خائف أن تؤخذ منّى، فجعلت ألتفت والوزير ينظرنى ولا أشعر، فلمّا بلغت السّتارة أمر بى فردّونى، فيئست من المال، فلما رجعت قال لى: ما شأنك؟ فقصصت عليه خبرى، وخبر عيالى، فبكى/وقال لأولاده: خذوا هذا فضمّوه إليكم. فجاءنى خادم، فأخذ منّى الذهب والصّينيّة، وأقمت عندهم عشرة أيام، من ولد إلى ولد، وخاطرى كلّه عند عيالى ولا يمكننى الانصراف. فلما انقضت العشرة، قال لى الخادم: ألا تذهب إلى أهلك، فقلت: بلى والله. فقام يمشى أمامى ولم يعطنى الذهب، فقلت فى نفسى: يا ليت هذا كان من قبل. فسار أمامى إلى دار لم أر أحسن منها، فإذا فيها عيالى يتمرّغون فى الذّهب والحرير، وقد وصل إليهم مائة ألف درهم وعشرة آلاف دينار، وكتاب فيه تمليك الدّار بما فيها، وتمليك قريتين جليلتين، فكنت مع البرامكة فى أطيب عيش، فلمّا أصيبوا أخذ منّى عمرو بن سعيد القريتين، وألزمنى بخراجهما، فكلّما لحقنى فاقة قصدت دورهم وقبورهم، فبكيت عليهم. فأمر المأمون بردّ القريتين عليه وخراجهما، فبكى الشيخ بكاء شديدا، فقال له المأمون: ألم أستأنف بك جميلا. قال: بلى، ولكن هو من البرامكة. فقال: امض مصاحبا للسّلامة، فإن الوفاء مبارك، (¬٣) وحفظ العهد (¬٣) من الإيمان. والله تعالى أعلم. ***
  • reviewable assessment hintmajhulneeds reviewmedium confidencepage 714, entry [674]347 chars
    ما هى إلا دولة بعد دولة … تخوّل ذا نعمى وتعقب ذا بلوى إذا أنزلت هذا منازل رفعة … من الملك حطّت ذا إلى الغاية القصوى قال: ثم حرّكت حمارها، فكأنّها كانت ريحا، لا أثر لها، ولا يعرف أين ذهبت. وقيل: إن الأبيات هذه للعبّاس بن الأحنف (¬٥). وروى الخطيب (¬٦) أن أبا يزيد الرّياحىّ، قال: كنت قائما عند خشبة جعفر بن يحيى البرمكىّ أتفكّر فى زوال ملكه، وحاله ا
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 714, entry [674]344 chars
    سائليه، ما تضيق عنه الدّفاتر، وتعجز عن ضبطه الأقلام والمحابر، وتغنّى به الرّكبان، وتتجمّل بذكره مجالس الأعيان، فلا بأس أن نذكر منها طرفا يسيرا يكون لأهل الكرم به قدوة، ولضعيف الهمّة باعثا على الجميل وموجدا له نحوه، وليعلم أن المرء لا يبقى له بعد موته إلاّ الذّكر الجميل، والثّناء الحسن الجزيل. فمن ذلك ما روى ابن عساكر، عن المهذّب صاحب العباس ب