legacy full passagepage 971, entry [799]10,171 chars
مولده ونشأته: ولد بمكة المكرمة في ٣ شوال سنة ١٣١٧ هـ، وفي السابعة من عمره التحق بالكتَّاب لقراءة القرآن وتجويده وتعلم مبادئ الكتابة والإِملاء والحساب، فقرأ القرآن الكريم وجوَّده على الشيخ محمد السُّنَّاري والشيخ عبد الله حمدوه السُّنَّاري وتعلم الخط وحسَّنه والإِملاء والحساب على السيد علي حسن الليثي…
▸ expand full passage (10,171 chars)▾ collapse
مولده ونشأته: ولد بمكة المكرمة في ٣ شوال سنة ١٣١٧ هـ، وفي السابعة من عمره التحق بالكتَّاب لقراءة القرآن وتجويده وتعلم مبادئ الكتابة والإِملاء والحساب، فقرأ القرآن الكريم وجوَّده على الشيخ محمد السُّنَّاري والشيخ عبد الله حمدوه السُّنَّاري وتعلم الخط وحسَّنه والإِملاء والحساب على السيد علي حسن الليثي - رحمهم الله تعالى - (¬٣١٣)، والتحق بالمدرسة الصولنية بمكة في عام ١٣٢٩ هـ التي أسسها الشيخ العثماني ﵀ بمكة في سنة ١٢٩٢ هـ (¬٣١٤) وحصل على شهادة منهافي غرة محرم سنة ١٣٣٦ هـ، وطلبت إليه إدارة المدرسة الانضمام إلى هيئة التدريس بها فأصبح من مدرسيها (¬٣١٥)، ولم يكتف الشاب حسن المشاط بما تعلَّمه في المدرسة الصولتية، ولكنه كان يترقب العُلماء الوافدين إلى مكة المكرمة فيأخذ عنهم، طيلة إقامتهم في البلد الحرام. يقول عن نفسه: قدم العلامة الشيخ حمدان بن سيدي حمد الجزائري الونيسي القسنطينى مكة المشرفة حاجا عام ١٣٣٧ هـ، وتشرفت بالاجتماع به وقرأت عليه من أول مختصر خليل بمكة وبمنى أيام الحج وبعد النزول، ومكث بها إلى نهاية ذي الحجة ومحرم الحرام، وانتفعت منه الشئ الكثير (¬٣١٦). وهذا الحرص من طالب العلم إن دلَّ على شئ فإنما يدل على الرغبة الشديدة في الطلب، فهو يواصل الطلب حتى في أيام التشريق بمنى، لا يصرفه عن ذلك ما يصرف غيره من انشغال بأداء المناسك، وإنما هو يضع هَمَّه كله في تحقيق الغاية التي يسعى إليها فيذلل الصعاب، ويتحمل المشاق ليبلغ ما يريد. ويروي قصة تلقيه العلم من عالم آخر هو الشيخ محمد عبد الله زيدان الذي توطن المدينة ثم غادرها خلال الحرب العالمية الأولىعام ١٣٣٣ هـ فسافر إلى الشام والأردن ثم رجع إلى مكة عام ١٣٣٤ هـ فيقول: اجتمعت به، وتشرفت ولازمته أكثر من غيرى، لأنه كان يبتعد عن الناس، ويركن إلى الخلوة، كنت فارغا ليس لي شغل إلا العلم، فكنت آتيه داره في الصباح إلى قرب الزوال، كنت أستعمل معه شيئًا من السياسة فأغيب اليوم واليومين لئلا يشعر أني اتخذت هذا عادة، بل كان في بعض الأوقات لا يأذن لي بالدخول فأرجع، ثم أعود وأزعجه في كثرة التردد، فإني إذا لم أظفر صباحا لا أتركه مساءًا، حتى قال لي يوما وهو على فراشه طريحا، أو قلت له كيف حالك يا سيدي؟ قال لي: لا روح فيَّ، يقول الشيخ حسن المشاط: كنت شابًّا لا أفهم معنى ذلك - غفر الله لي - إنما همتى وغايتى العلم، فآخذ بيده وأقيمه ليجلس، وأسلم عليه وأباسطه - والله يغفر لي - (¬٣١٧). وهذه القصة وأمثالها تذكرنا بما كان يتحمله طلبة العلم من مشايخهم، فقد كان طلبة العلم يقفون على باب الإمام مالك بن أنس وهو في العقيق خارج المدينة فيأذن لهم أو يمنعهم، وهكذا كان حسن المشاط طالب العلم يتحمل الصدَّ من شيخه عبد الله زيدان، فإن منعه الدخول في الصباح عاد إليه في المساء، وإن كان مريضًا طريحًا أقعدهوأقامه وباسطه وروَّح عنه حتى يتلقى عنه، وهذا الإِلحاح في الطلب، والجدُّ فيه يدل على أن نفس الشاب حسن المشاط وقد أشربت حب العلم، فاندفع بكليته يسلك السبيل الذي يوصله لتحقيق الغاية التي يسعى إليها، والتي وضعها نصب عينيه. وقد تلقى العلم على الشيخ عبد الرحمن دهان والشيخ عيسى رواس من علماء مكة المكرمة، وكما اتصلت أسبابه بأسباب الشيخين حمدان الونيسى ومحمد عبد الله زيدان فقد اتصلت أسبابه كذلك بالسيد محمد عبد الحى الكتابي، وهو من كبر علماء الحديث في زمانه، وكذلك بالشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي والشيخ عمر حمدان المحروسى والشيخ محمد الخضر بن مايابي الجكنى وتلقَّى عليهم وأخذ إجازاتهم، حتى استوى مدرِّسا له حلقة بالمسجد الحرام (¬٣١٨) وكان يحرص على التدريس في هذه الحلقة أكثر من حرصه على أي شئ آخر، لا تشغله عن ذلك المشاغل الخاصة أو العامة، وكان لا ينقطع عن التدريس في المسجد الحرام في أيام المواسم التي يشتد فيها الزحام ولم يكن يتقاضى على التدريس في المسجد الحرام أيَّ راتب أو مكافأة مصرًّا على أن يكون عمله هذا حسبة لوجه الله تعالى. وهذا الذي نقلناه عن مذكرات الشيخ حسن المشاط مما كتبه صديقنا العالم المحقق الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان يذكرني بقصة أخبرني بها الشيخ محمد المشاط والد الشيخ حسن المشاط قال لي:حينما كان ابني حسن وهو بكر أولادي جنينا في بطن أمه نذرته للحرم، كان الشيخ محمد المشاط يدعو الله تعالى أن يكون الجنين ولدا ذكرا يربيه ويعلمه حتى ينشأ عالما يقف حياته على خدمة الحرم، ولقد استجاب الله دعوة هذا الرجل الطيب فاستقبل ميلاد ابنه البكر وهو ملئ القلب بالشكر لله تعالى أن حقق الله رجاءه وأجاب دعاءه فنشأ ابنه حسنا على حب العلم فكانت حياته كلها ما بين متعلم ومعلِّم، وكانت صلته بالمسجد الحرام عميقة وشديدة، ففى رحاب المسجد الحرام تلقى العلم، وفي هذه الرحاب المطهرة المقدسة عقدت له حلقة التدريس فتخرج على يديه الكثير من الرجال الذين أصبحت لهم حلقات للتدريس في المسجد الحرام، والذين قام بعضهم بتأسيس المدارس لا في مكة المكرمة وحدها وإنما في أندونيسيا وماليزيا، وقد أورد الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان تراجم مختصرة لتلاميذ الشيخ حسن مشاط منها ما يعطى صورة مصغرة عن هذا العمل الطيب الذي باركه الله تعالى فكان كالنبتة الطيبة تغرس في الأرض فتؤتي أكلها بإذن الله تعالى ثمارًا جنيَّة شهية يقول الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان: من الصعب جدًا حصر الطلاب الذين تلقوا العلم على يد فضيلة الشيخ المشاط فقد تخرج بفضيلته أعداد كبيرة تسنَّموا مناصب علمية كبيرة في الجزيرة العربية والأقطار الإسلامية فمن هؤلاء بالحرمين الشريفين: العلامة الفقيه السيد محسن بن السيد علي المساوى المدرس بالمدرسة الصوليتية، ومؤسس دار العلوم الدينية بمكة المكرمة عام ١٣٥٣ هـ.الشيخ محمد عبد الكريم السنَّاري مدير المعهد العلمي للمعلمين بالمدينة المنورة، ووكيل مدير التعليم بالمدينة المنورة سابقا والمتوفي بها عام ١٤٠٥ هـ. ومنهم الشيخ زكريا بن عبد الله بيلا المدرس بالمسجد الحرام وعضو إدارة الحرم المكي وصاحب التآليف الدينية، وكذلك الشيخ علي بكر سليمان الكنوي المدرس بالحرم المكي وبكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى والمتوفي عام ١٣٩٩ هـ. والشيخ ياسين بن عيسى الفاداني المكي المدرس بالمسجد الحرام ومدير مدرسة دار العلوم الدينية والشيخ عبد الله أحمد دردوم من كبار علماء الحرمين الشريفين، والشيخ الشريف طاهر بن محمد المغربي الإدريسي. والشيخ عثمان بن محمد سعيد تنكل المدرس بالمدرسة الصولتية .. ومقري مكة الشهير الشيخ زين عبد الله باويان. وقد أورد الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان تراجم مختصرة لكل هؤلاء السادة الأفاضل عدَّد فيها مؤلفاتهم، ومآثرهم فليرجع إليها من شاء الاستزادة (¬٣١٩). وقد كان للشيخ حسن مشاط تلاميذه من آل المبارك في الأحساء، وقد عَدَّد الدكتور إبراهيم أبو سليمان أسماءهم كما ذكر أسماء آخر المتخرجين على يدي فضيلته، منهم: الدكتور السيد محمد علوي مالكي، والدكتور عبد الوهاب أبو سليمان نفسه وكثيرون لا يتسع المقاملذكرهم جميعا، فليس المراد في هذه الترجمة الاستقصاء وإنما المراد هو التمثيل للتدليل. ولكنَّ أعظم ما استوقف نظري وأثار اهتمامي ما ذكره الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان جزاه الله خيرًا عن تلاميذ الشيخ في أندونسيا وماليزيا ونجتزيء منه ما يلي: يقول الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان: يأتي في مقدمة هؤلاء العلامة الفاضل المجاهد الذي وهب نفسه وحياته لنشر الدعوة الإسلامية الشيخ محمد زين الدين الأنمفتاني مؤسس نهضة الوطن وفروعها وصاحب المؤلفات البديعة يقول الشيخ زين الدين عن تأسيس هذه المدارس: بعد أن منَّ الله تعالى لإتمام الدروس والدراسة بالمدرسة الصوليتية ذات الاحترام عام ١٣٢٥ هـ رجعنا إلى أرض الوطن أندونسيا سنة ١٣٥٤ هـ بإذنٍ من الشيخ الإمام حسن محمد المشاط، وكان دائما كعادته الحسنة يبسط يد الإرشاد والتوجيه بالمثابرة على نشر العلم، وبثِّ محاسن الأخلاق والدين بين الأخوة الإيمانية والإنسانية فبحسن توجيهاته أسَّسْنا أول وأقدم مدرسة دينية بجزيرتنا: أنفتان لومبوك: نوساتنغار الغربية، من جزائر أندونسيا سميناها بمدرسة نهضة الوطن الدينية الإسلامية سنة ١٣٥٦ هـ الموافقة لسنة ١٩٣٧ هـ، وفي عام ١٣٦٢ هـ. تأسست مدرسة نهضة البنات الدينية الإسلامية، ومن المدرستين تفرعت مدارس جمعية نهضة الوطن، فهما كآدم وحواء بجزيرتنا وما حولها، والآن فروعها أربعمائة مدرسة ما بين دينية وابتدائية، وثانوية وعالية ومعلمين ومعلمات، وكليات ومعاهد دار القرآن والحديث.يقول الشيخ محمد زين: ونحن على يقين من أن هذا الإنتشار الهائل السريع كله - بفضل الله تعالى - ثم بركة ترادف دعوات شيخنا وإمامنا وحسن إرشاداته وجميل توجيهاته. وأريد أن أقف مع القاريء قليلا لنتأمل نتائج هذا العمل الطيب الذي وضعت بذرته الأولى في رحاب البيت الحرام، ثم انتقلت إلى غرب أندونسيا بعيدا عن مكة المكرمة آلاف الأميال لتُغْرس في أرضها الطيبة أربعمائة مدرسة تعكف على تعليم أبناء وبنات المسلمين في تلك الديار فتحتضنهم من الابتدائية إلى الكليات والمعاهد العالية المتخصصة، وهذا العمل الطيب ليس الأول من نوعه، فإن صلة البلاد الإسلامية وخاصة بلاد الشرق الإسلامي بمكة المكرمة، وعلمائها قديمة، ولقد أنشئت المدرسة الصوليتية بمكة لتعليم أبناء مسلمي الهند فيها فإذا أتموا تعليمهم عادوا إلى بلادهم لينشروا فيها العلم، ويقاوموا فيها التبشير المسيحي الذي يهدد أبناء المسلمين وبناتهم (¬٣٢٠) أما بالنسبة لبلاد أندونسيا وماليزيا فإن الأندونسيين يرسلون أبناءهم لتلقي العلم فيها على يد علماء مكة المكرمة، كما كنا نرسل أبناءنا إلى مصر ولبنان في الماضي، وكما نرسلهم إلى أمريكا وأوربا في الوقت الحاضر لتلقي العلم هناك، كان الأندونسيون يرسلون أبناءهم لتلقي العلم على يد العُلماء في المسجد الحرام، وكان هؤلاء العُلماء يرعون هؤلاء التلاميذ الرعاية الأبوية الكاملة، ولا تزال بعض الأسر المكية تقوم بهذا العمل الطيب لرعاية الطلبة الأندونسيينوتعليمهم، وتَفَقُّد شئونهم حتى يُتمُّوا تعليمهم، مثل أسرة اليماني، والمالكي وغيرهم من علماء مكة المكرمة، وبعضهم يخصص لهم الأماكن في منازلهم للمعيشة فيها ويتولون السهر على شئونهم جزاهم الله خير الجزاء، ولقد قام الشيخ أحمد حسن المشاط نجل الشيخ حسن المشاط بما كان يقوم به والده الكريم من رعاية لهؤلاء التلاميذ واهتمام بشئونهم جزاه الله خير الجزاء. وما أذكره في هذا الصدد أن سائقًا أندونسيا كان يعمل عندي في منزلي بجدة وكان هذا قبل أكثر من ثلث قرن، وكنت مسرورا من عمله فقد كان يجمع بين الأمانة والنشاط وهؤلاء الأندونسيون مشهورون بالأمانة والنظافة، انقطع هذا السائق عن العمل فجأة دون إنذار، وكنت في عجب من أمر انقطاعه فلم يحدث ما ولا منه ما يوجب هذا الانقطاع، وطال انقطاعه أياما ثم علمت أن أباه حضر من أندونسيا حينما علم أنه انقطع عن الدراسة في مكة وانتقل للعمل في مدينة جدة، كان هذا الأب قد أرسل ابنه إلى مكة لتلقي العلم في المسجد الحرام والعودة إلى أندونسيا للاشتغال بالعلم والتعليم ولكن هذا الابن لسبب أو لآخر آثر العمل على العلم، وما أن علم الأب بذلك حتى حضر إلى الحجاز ليعيد ابنه إلى جادة الصَّواب، وكان هذا الابن خائفا من بطش والده به أشدَّ الخوف كما علمت. وقد أورد الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان أسماء أعلام الرجال الذين تلقوا العلم على يد الشيخ حسن المشاط كما وردت في الرسالة الخاصة التي تلقاها من الشيخ محمد زين الدين عبد الحميد الانفتاني والتي يقول فيها:أما الآخذون منه والمنتسبون إليه فكثير جدًّا لا نحصيهم كثرةً منهم: الشيخ عبد الحليم مدير المدارس المصطفوية بتفانولي - سومطرا - وفضيلة الشيخ زين العابدين زعيم جمعية نهضة العُلماء، وعميد الجامعة الحكومية سابقًا بفلمبان سومطرا، وفضيلة الشيخ عثمان مقام الآشي بالشئون الدينية، وفضيلة المرحوم الشيخ عدنان لوبيس أحد أركان الجمعية الوصلية بميدان، وفضيلة الشيخ عبد الرحمن زعيم نهضة العُلماء بميدان، وفضيلة الشيخ محمود مؤسس جمعية الاتحاد بميدان. ونكتفي بما ذكرنا للتدليل على انتشار تلاميذ الشيخ المشاط في أندونسيا وتأسيسهم المدارس وتبوئهم المراكز الدينية العالية، ومن أراد الاستقصاء فليرجع إلى الترجمة القيمة التي كتبها الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان للشيخ المشاط (¬٣٢١) فليس الغرض هنا الاستقصاء وإنما التدليل والتمثيل كما أسلفنا والله الموفق.