legacy full passagepage 660, entry [26]16,342 chars
الحديث الثّالث والعشرون: باب ما جاء في ثواب الشهداء من كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله ﷺ. ٤/١٧٥-١٧٦ سنن الترمذيبتحقيق وتعليق إبراهيم عطوة عوضحدّثنا يحيى بن طلحة الكوفي: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "القتل في سبيل الله يكفّر كل خطيئة، فقال جبرائيل إلا الدين١ فقال رسول ا…
▸ expand full passage (16,342 chars)▾ collapse
الحديث الثّالث والعشرون: باب ما جاء في ثواب الشهداء من كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله ﷺ. ٤/١٧٥-١٧٦ سنن الترمذيبتحقيق وتعليق إبراهيم عطوة عوضحدّثنا يحيى بن طلحة الكوفي: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "القتل في سبيل الله يكفّر كل خطيئة، فقال جبرائيل إلا الدين١ فقال رسول الله ﷺ إلا الدين". وفي الباب عن كعب بن عجرة، وجابر، وأبي هريرة، وأبي قتادة. كلام الترمذي على هذا الحديث قال أبو عيسى: وحديث أنس٢ حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي بكر إلا من حديث هذا الشيخ. وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فلم يعرفه، وقال: "أرى أنه أراد حديث حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس أحد من أهل الجنة يسره أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد" ٣.تخريج الحديث رغم ما بذلت من جهد، لم أقف على أحد أخرجه سوى الترمذي، فيكون من إفراده. حكم هذا الحديث ضعّف الترمذي حديث أنس هذا؛ لتفرد يحيى بن طلحة به، عن أبي بكر بن عياش١، ويحيى هذا هو ابن طلحة بن أبي كثير اليربوعي، أبو زكريا الكوفي.روى عن: قيس بن الربيع، وشريك بن عبد الله، وابن عيينة، وغيرهم. وروى عنه: الهيثم بن خلف، وابن أبي الدنيا، وأبو بكر بن علي المروزي، وآخرون١. قال فيه النسائي٢: "ليس بشيء"، وذكره ابن حبان في "الثقات"٣، وقال: "كان يغرب عن ابن نعيم وغيره". واكتفى الذهبي في "المغني في الضعفاء"٤ بنقل ما قاله النسائي، وقال في "الكاشف"٥: "وثقه ابن حبان". وأما في "ميزان الاعتدال"٦ فإنه أبدى رأيه فيه كما سيأتي، كما ساق له حديثاً من منكراته. هذا وقد كذّبه علي بن الجنيد، ولكن لم يُقَرَّ على ذلك، فقال الذهبي في ترجمة يحيى من "ميزان الاعتدال"٧: "صويلح الحديث، وقدوثق، أفحش علي بن الجنيد، فقال: كذب وزور". وكأنه يشير بقوله: "وثق" إلى تضعيف توثيق ابن حبان. وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب"١: "وكذبه علي بن الحسين ابن الجنيد، وخطأه الصغاني". هذا والذي اختاره ابن حجر في الحكم على هذا الرجل أنه: "لين الحديث"، فقال في "تقرب التهذيب"٢: "يحيى بن طلحة ... ليّن الحديث من العاشرة، روى له الترمذي". والجدير بالذكر أن ابن أبي حاتم أورده في كتابه "الجرح والتعديل"٣، وسكت عنه فلم ينقل فيه جرحاً أو تعديلا، ومثل هذا يورده ابن أبي حاتم –كما تقدم- رجاء أن يقف فيه على جرح أو تعديل، فيضيفه إليه كما نبّه على ذلك في آخر مقدمة٤ كتابه المذكور. والترمذي في جانب ما قام به من مهمة تتعلق بدرجة هذا الحديث، فإنه رجع فيه إلى شيخه البخاري مستفسراً عنه، ومتحققاً منه، إلا أنه أجابه بأنه لا يعرفه، ولما كان سند هذا الحديث سند حديث آخر يعرفهالبخاري، قال له: أظن أن يحيى بن طلحة أراد أن يحدث حديث حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس أحد من أهل الجنة يسره أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد" فأخطأ، ووهم وحدّث بهذا الحديث: "لقتل يكفر كل خطيئة ... " وإذا عرف ذلك فإن متن هذا الحديث صحيح من غير هذه الطريق التي ساقها الترمذي؛ إذ أخرجه مسلم١، وغيره كالبيهقي في "السنن الكبرى"٢ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ: "القتل في سبيل الله يكفّر كل شيء إلا الدين". وفي لفظ عنه أيضاً: "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين". أخرجه مسلم في "صحيحه"٣، وأحمد في "مسنده"٤، والحاكم في "المستدرك"٥، ولهذا شواهد في بعضها. إن هذا الاستثناء أوحى إليه به كما في حديث أبي قتادة وهو صحيح، وستأتي هذه الشواهد فيما بعد إن شاء الله تعالى.تخريج الأحاديث التي أشار إليها الترمذي بقوله: "وفي الباب" وهي تصلح شواهد لحديث عبد الله بن عمرو المتقدم الذي أخرجه مسلم وغيره: حديث كعب بن عجرة: قال عنه المباركفوري في "تحفة الأحوذي"١: "فلينظر من أخرجه". وبعد طول بحث وجدت الهيثمي في "مجمع الزوائد" ذكر حديثاً عن كعب بن عجرة، يشترك مع حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في ثواب الشهيد؛ إذ ليس فيه الاستثناء بالدين، فلعله هو الذي يريده الترمذي. قال الهيثمي٢: عن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه يوماً: "ما تقولن في رجل قتل في سبيل الله؟ قالوا الجنة، قال: رسول الله ﷺ: الجنة إن شاء الله، قال: فما تقولون في رجل مات؟ فقام رجلان ذوا عدل فقالا: لا نعلم إلا خيراً. قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الجنة إن شاء الله، فما تقولون في رجل مات؟ فقام رجلان ذوا عدل فقالا: لا نعلم خيراً فقالوا: النار، فقال رسول الله ﷺ مذنب، والله غفور رحيم" قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه إسحاق بن إبراهيم بن نسطاس وهو ضعيف"٣ ا?.حديث جابر: أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"١ فقال: "حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: "أرأيت إن جاهدت في سبيل الله بنفسي ومالي حتى أقتل؛ صابراً محتسباً مقبلا غير مدبر أأدخل الجنة؟ قال نعم. فلما ولي دعاه، فقال: إلا أن يكون عليك دين ليس له عندك وفاء". قال صاحب "بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني"٢: "لم أقف عليه لغير الإمام أحمد، وفي إسناده من لا أعرفه..". وهكذا قال: "وفي إسناده من لا أعرفه" مع أن كل رجاله معروفون فشيخ أحمد هو: "زكريا بن عدي بن زريق بن إسماعيل، ويقال ابن عدي بن الصلت بن بسطام التيمي أبو يحيى الكوفي، نزيل بغداد، روى عن: أبي إسحاق الفزاري، وابن المبارك، وعبيد الله بن عمرو الرقي، وغيرهم،وروى عنه: إسحاق بن راهويه، والبخاري في غير الجامع، وعبد الله بن أبي شيبة، وآخرون"١. والناظر في ترجمته في "تهذيب التهذيب"٢ يجد ثناء العلماء عليه، وتوثيقهم له. قال المنذر بن شاذان: "ما رأيت أحفظ منه جاءه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين فقالا له: أخرج إلينا كتاب عبيد الله ابن عمرو، فقال ما تصنعون بالكتاب؟! خذوا حتى أملي عليكم كله، وكان يحدّث عن عدة من أصحاب الأعمش، فيميز ألفاظهم" ا?. إلى غير ذلك مما تراه في ترجمته. وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب"٣: "زكريا بن عدي بن الصلت التيمي مولاهم أبو يحيى، نزيل بغداد، وهو أخو يوسف، ثقة جليل، يحفظ، من كبار العاشرة مات سنة إحدى عشرة، أو اثنتي عشرة ومئتين، روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود في القدر، وباقي أصحاب السنن" ا?. وعبيد الله الذي في السند هو: عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي، مولاهم أبو وهب الجزري، الرقي.روى عن: عبد الله بن محمد بن عقيل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، وغيرهم. وروى عنه: زكريا بن عدي، وأخوه يوسف، وبقية بن الوليد، وآخرون١. قال علي بن معبد٢: "قيل لعبيد الله بن عمرو: بلغني أن عندك من حديث ابن عقيل كثيراً لم تحدّث عنه، لِمَ هل ألقيته؟ قال: لأن ألقيه أحب إلي من أن يلقيني الله، قال: وزعم أنه سمع بعض ذلك الكتاب مع رجل لم يثق به". وقال عنه ابن حجر في "تقريب التهذيب"٣: "ثقة فقيه، ربما وهم، من الثالثة، مات سنة ثمانين أي ومئة عن ثمانين إلا سنة، روى له الجماعة". وأخيراً عبد الله بن محمد بن عقيل ما أظنه ليخفى، وقد مضت ترجمته بتوسع في الحديث الخامس، قال عنه ابن حجر في "تقريب التهذيب"٤: عبد الله بن محمد بن عقيل، ابن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد المدني، أمه زينب بنت علي، صدوق، في حديثه لين، ويقال تغيربآخره، من الرابعة، مات بعد الأربعين أي ومئة، روى له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة. فتبيّن بذلك تعجل وقصور صاحب الفتح الرباني في بحثه. حديث أبي هريرة "﵁": رواه أحمد في "مسنده"١ من طريق عياض بن عبد الله بن أبي سرح عن أبي هريرة قال: "قام رسول الله ﷺ يخطب الناس فذكر الإيمان بالله، والجهاد في سبيل الله من أفضل الأعمال عند الله، فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله وأنا صابر محتسب، مقبلا غير مدبر، كفر الله عني خطاياي؟ قال: نعم قال: فكيف قلت؟ قال: فردّ عليه القول كما قال، قال: نعم. قال: فكيف قلت؟ قال: فردّ عليه القول أيضاً، قال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً، مقبلا غير مدبر، كفر الله عني خطاياي؟ قال: نعم إلا الدين فإن جبريل ﵇ سارني بذلك" ... قال أحمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد بن حنبل٢: "إسناده صحيح، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد"٣. وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح" ولكن وقع متنه فيه مختصراً بحذف تكرار السؤالوالجواب، وأنا أرجح أن هذا خطأ من ناسخ، أو طابع" ا?. وأخرجه النسائي في "سننه" بنحو هذا السياق من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة "﵁" وسيشير إليه الترمذي في الكلام على حديث أبي قتادة الآتي: حديث أبي قتادة: أخرجه: مسلم في "صحيحه"١، والترمذي في "سننه"٢، والنسائي في "سننه"٣ مختصراً، وأحمد في "مسنده"٤. وهو كما في الترمذي: حدثنا قتيبة: حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله ابن أبي قتادة، عن أبيه أنه سمعه يحدّث عن رسول الله ﷺ: "أنه قام فيهم فذكر لههم أن الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل، فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله يكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ نعم إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله ﷺ كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ نعم وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبرائيل قال لي ذلك".قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، روى بعضهم هذا الحديث عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحو هذا١. وروى يحيى بن سعيد الأنصاري٢، وغير واحد٣ نحو هذا عن سعيد المقبري، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ، وهذا أصح من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة"٤.قال ابن عبد البر١: على حديث أبي قتادة هذا: "فيه أن الخطايا تكفر بالأعمال الصالحة مع الاحتساب والنية، وأن أعمال البر المقبولة لا تكفر من الذنوب إلا ما بين العبد وبين ربه، فأما التبعات فلا بد فيها من القصاص، قال: وهذا في دين ترك له وفاء، ولم يوص به، أو قدر على الأداء فلم يؤدّ، أو أنه في غير حق أو سرف، ومات ولم يوفه. أما من أدان في حق واجب لفاقة وعسر ومات ولم يترك وفاء فلا يحبس عن الجنة؛ لأن على السلطان فرضاً أن يؤدي عنه دينه من الصدقات، أو سهم الغارمين، أو الفيء، وقد قيل: إن تشديده ﷺ في الدين كان قبل الفتوح" ا?. وقال النووي في "شرح صحيح مسلم"٢: "قوله ﷺ للذي سأله عن تكفير خطاياه إن قتل، "نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، ثم أعاده، فقال إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك".فيه هذه الفضيلة العظيمة للمجاهد، وهي تكفير خطاياه كلها إلا حقوق الآدميين، وإنما يكون تكفيرها بهذه الشروط المذكورة، وهو أن يقتل صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر. وفيه أن الأعمال لا تنفع إلا بالنية والإخلاص لله تعالى. قوله ﷺ "مقبل غير مدبر" لعله احتراز ممن يقبل في وقت، ويدبر في وقت، والمحتسب هو المخلص لله تعالى؛ فإن قاتل لعصبية، أو لغنيمة، أو لصيت، أو نحو ذلك فليس له هذا الثواب ولا غيره. وأما قوله ﷺ "إلا الدين" ففيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وأن الجهاد، والشهادة، وغيرهما من أعمال البر لا يكفر حقوق الآدميين، وإنما يكفر حقوق الله تعالى. وأما قوله ﷺ "نعم" ثم قال بعد ذلك "إلا الدين" فمحمول على أنه أوحى إليه به في الحال؛ ولهذا قال ﷺ " إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك. والله أعلم" ا?. وقال القرطبي في كتابه: "الجامع لأحكام القرآن"١ عند قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٢ فيه ثمان مسائل، ثم قال: السادسة: هذه الآية تدل على عظيم ثواب القتل في سبيل الله، والشهادة فيه، حتى أنه يكفر الذنوب كما قال ﷺ: "القتل في سبيل اللهيكفر كل شيء إلا الدين، كذلك قال لي جبريل ﵇ آنفاً". قال علماؤنا: ذكر الدين تنبيه على ما في معناه من الحقوق المتعلقة بالذمم، كالغصب، وأخذ المال بالباطل، وقتل العمد وجراحه، وغير ذلك من التبعات؛ فإن كل هذا أولى إلا يغفر بالجهاد من الدين فإنه أشد، والقصاص في هذا كله بالحسنات والسيئات، حسبما وردت به السنة الثابتة" ا?. وقال ابن حجر١: "ويستفاد منه أن الشهادة لا تكفّر التبعات، وهي –أي التبعات- لا تمنع درجة الشهادة، وليس للشهادة معنى إلا أن تثبت لمن حصلت له ثواباً مخصوصاً، ويكرمه كرامة زائدة وقد بيّن الحديث أنه يكفّر عنه ما عدا التبعات، فإن كان له عمل صالح كفرت الشهادة سيئاته غير التبعات، ونفعه عمله الصالح في موازنة ما عليه من التبعات، ويبقى له درجة الشهادة خالصة، فإن لم يكن له عمل صالح فهو تحت المشيئة" ا?. وقال ابن الزملكاني٢: "فيه تنبيه على أن حقوق الآدميين لا تكفر؛ لكونها مبنية على المشاحة والتضييق، ويمكن أن يقال: هذا محمول على الدين الذي هو خطيئة، وهو ما استدانه صاحبهعلى وجه لا يجوز له فعله، بأن أخذه بحيلة، أو غصبه فثبت في ذمته البدل، أو أدان غير عازم على الوفاء؛ لأنه استثنى ذلك من الخطايا، والأصل في الاستثناء أن يكون للجنس، ويكون الدين المأذون فيه مسكوتاً عنه في هذا الاستثناء، فلا يلزم المؤاخذة به لما بلطف الله بعبده من استيهابه له، وتعويض صاحبه من فضل الله، فإن قيل ما تقول فيمن مات وهو عاجز عن الوفاء، ولو وجد وفاء وفى؟ قلت: إن كان المال الذي لزم ذمته إنما لزمها بطريق لا يجوز تعاطي مثله، كغصب أو إتلاف مقصود، فلا تبرأ الذمة من ذلك إلا بوصوله إلى من وجب له، أو بإبرائه منه ولا تسقطه التوبة، وإنما تنفع التوبة في إسقاط العقوبة الأخروية فيما يختص بحق الله تعالى؛ لمخالفته، إلا لما نهى عنه الله، وإن كان المال لزمه بطريق سائغ، وهو عازم على الوفاء، ولم يقدر فهذا ليس بصاحب ذنب حتى يتوب عنه، ويرضى له الخير في العقبى ما دام على هذا الحال" ا?. قال الزرقاني١ ناقل ذلك عنه: "وهو نفيس، وقد سبقه إلى معناه أبو عمر كما رأيته" ا?. قال الزرقاني٢ قوله: "كذلك قال لي جبريل" وفي رواية عند أبي عمر: "إلا الدين" فإنه مأخوذ كما زعم جبريل"، أي قال من إطلاقالزعم على القول بالحق. قال ابن عبد البر فيه ليل على أن من الوحي ما يتلى، وما لا يتلى، وما هو قرآن، وما ليس بقرآن. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَة﴾ ١ أن القرآن الآيات والحكمة السنة، وكل من الله إلا ما قام عليه الدليل، فإنه لا ينطق عن الهوى" ا?. ومما جاء معارضاً لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص وما في معناه كحديث أبي قتادة، مما يفيد أن القتل يكفر جميع حقوق الله ﷿، حديث ابن مسعود الذي أخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره"٢، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"٣ من طريق الطبراني. وفيما يلي أسوقه من رواية ابن جرير الطبري: قال ابن جرير: حدثنا تميم بن المنتصر قال: ثنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: "القتل في سبيل الله يكفّر الذنوب كلها–أو قال- يكفّر كل شيء إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة، فيقال أدّ أمانتك، فيقول: أي رب وقد ذهبت الدنيا؟ ثلاثاً، فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية فيذهب به إليها فيهوي بها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه، فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج، زلت فهوى في أثرها أبد الآبدين". قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع. فلقيت١ البراء فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق. قال شريك: وثنى عياش العامري عن زاذان عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ بنحوه، ولم يذكر الأمانة في الصلاة وفي كل شيء. قال ابن كثير٢: إسناده جيد، ولم يخرجوه. قال الزرقاني٣: "وهذا يعارضه حديث الباب (يعني حديث أبي قتادة) الظاهر في أنه يكفّر جميع حقوق الله منها الصلاة، والصوم، إلا أنهيحمل على أنه مطلق استشهاد، وحديث أبي قتادة مقيد بأنه صابر محتسب، مقبل غير مدبر" ا?. والذي يبدو لي أنه لا يمكن أن يعارض حديث ابن مسعود هذا الأحاديث الصحيحة، كحديث عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره، مما سبق ذكره، فقد اختلف في حديث ابن مسعود على عبد الله بن السائب١ في رفعه، وفي وقفه: فرواه عنه الأعمش مرفوعاً وموقوفاً٢، حيث فيه عن الأعمش. ورواه عنه سفيان، فوقفه على ابن مسعود٣. ثم مع هذا الاختلاف لا يبقى لقوله "القتل في سبيل الله يكفّر الذنوب كلها" فائدة بعد الاستثناء؛ لأن الأمانة تشمل حقوق الله وحقوق الآدميين، فجميع هذه الحقوق يطلق عليه أمانة، فلذلك تجد في تفسير ابن مسعود الأمانة، أنه فسّرها بحقوق الله وبحقوق الآدميين، وهذا ما يأباه مافي الأحاديث الصحيحة كحديث ابن عمرو بن العاص وغيره، التي جعلت المؤاخذة مقصورة على حقوق الآدميين، أما حقوق الله فإنها معفو عنها. ويؤيد ما ذكرته من كون الأمانة تشمل الحقين حق الله وحق الناس، هو أن بن كثير١ ساق حديث ابن مسعود هذا عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ، مستدلا به على أنه يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله ﷿ على عباده؛ من الصلاة، والزكاة، والصيام، وغير ذلك. ومن حقوق العباد بعضهم على بعض؛ كالودائع وغير ذلك. فلا يبعد في نظري بناء على ما سبق –أن يكون المراد بقوله "إلا الأمانة" حقوق الآدميين، حتى يتفق مع قوله: "القتل في سبيل الله ... "، ولعل ما في الرواية الأخرى التي أوردها ابن جرير والتي تابع فيها عياش العامري عبد الله بن السائب، عن زاذان إلا أنه لم يذكر تفسير ابن مسعود للأمانة، يساعد على المراد الذي ذكرته. والله أعلم. وقريب مما قلته عن حديث ابن مسعود من ناحية المعنى يقال عن الحديث الآخر، الذي لفظه: "شهيد البر يغفر له كل ذنب إلا الدين، والأمانة، وشهيد البحر يغفر له كل ذنب، والدين، والأمانة".قال الألباني١: "ضعيف رواه أبو نعيم في "الحلية" ٨/٥١ وابن النجار ١٠/١٦٧/٢ عن نجدة ابن المبارك: ثنا حسن المرهبي، عن طالوت، عن إبراهيم بن أدهم عن هشام بن حسان، عن يزيد الرقاشي، عن بعض عمات النبي ﷺ مرفوعاً. قلت –القائل الألباني-: وهذا سند ضعيف نجدة هذا قال الحافظ: "مقبول"، ويزيد الرقاشي زاهد، ضعيف. والحديث أورده السيوطي في "الجامع الصغير" من رواية أبي نعيم فقط، وتعقبه المناوي بقوله: "وقضية صنيع المصنف أن هذا لم يخرجه أحد من الستة، وإلا لما عدل عنه، والأمر بخلافه، فقد عزاه في "الفردوس" وغيره إلى ابن ماجة من حديث أنس مرفوعاً. قال ابن حجر: وسنده ضعيف، وقال جدنا الأعلى الإمام الزين العراقي: وفيه يزيد الرقاشي ضعيف". قلت –القائل الألباني-: وما تعقب به السيوطي لا وجه له، بل هو ذهول عن أن السيوطي قد ساق حديث ابن ماجه، عن أنس عقب هذا الحديث مباشرة، وهو حديث طويل، هذا الحديث قطعة منه، وسنده أشد ضعفاً من هذا، وهو الحديث الآتي: "شهيد البحر مثل شهيد البر، والمائت في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وأن الله ﷿ وكّل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر، فإنه يتولى قبض أرواحهم، ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ولشهيد البحر الذنوب والدين".موضوع بهذا التمام رواه ابن ماجه رقم (٢٧٧٨) والطبراني في المعجم الكبير (ق ٢٥/١/ مجموع ٦) ، عن قيس بن محمد الكندي: ثنا عفير بن معدان الشامي، عن سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة يقول: فذكره. قلت –القائل الألباني-: وهذا إسناد ضعيف جداً، بل الغالب أنه موضوع على سليم بن عامر الثقة، فإن في متن الحديث من المبالغة ما لا نعرفه في الأحاديث الصحيحة، وآفته عندي عفير هذا؛ فإنه متهم قال أبو حاتم: يكثر عن سليم عن أبي أمامة بما لا أصل له. قلت –القائل الألباني-: وهذا منه. والحديث عزاه السيوطي في "الجامع" لابن ماجه، والطبراني في "الكبير"، وذكر المناوي أن الطبراني رواه عن الكندي أيضاً، ثم قال: قال الزين العراقي، وعفير بن معدان: ضعيف جداً. واعلم أن هذا الحديث، والذي قبله مخالف لعموم قوله ﷺ: "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين". أخرجه مسلم، وغيره من حديث ابن عمرو ﵄" ا?.