ابن سعد - الطبقات الكبرى - ط الخانجي
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 556, entry [273]6,567 chars
غزوة رسول الله، ﷺ، الغابة (¬٢) ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ، الغابةَ وهى على بريد من المدينة طريق الشأم فى شهر ربيع الأول سنة ستٍّ من مُهَاجَره.قالوا: كانت لِقاح رسول الله، ﷺ، وهى عشرون لَقْحَة (¬١) ترعى بالغابة، وكان أبو ذَرّ فيها، فأغارَ عليهم عُيينة بن حصن ليلةَ الأربعاء فى أربعين فارسًا فاستاقوها وقَتل…
▸ expand full passage (6,567 chars)غزوة رسول الله، ﷺ، الغابة (¬٢) ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ، الغابةَ وهى على بريد من المدينة طريق الشأم فى شهر ربيع الأول سنة ستٍّ من مُهَاجَره.قالوا: كانت لِقاح رسول الله، ﷺ، وهى عشرون لَقْحَة (¬١) ترعى بالغابة، وكان أبو ذَرّ فيها، فأغارَ عليهم عُيينة بن حصن ليلةَ الأربعاء فى أربعين فارسًا فاستاقوها وقَتلوا ابن أبى ذَرّ، وجاء الصريخ فنادى: الفَزَعَ الفَزَعَ! فنُودى: يا خَيل الله اركبى، وكانَ أوّلَ ما نُودى بها، ورَكِب رسول الله، ﷺ، فخَرج غَدَاةَ الأربعاء فى الحديد مقنّعًا فوقف، فكان أوّلَ مَن أقبل إليه المِقداد بن عَمرو وعليه الدرع والمِغْفَر شاهرًا سيفَه، فَعَقَدَ له رسول الله، ﷺ، لواءً فى رُمحه وقال: امضِ حتى تلحقك الخيول، إنّا على أثَرِك. واستخلَف رسول الله، ﷺ، على المدينة عبد الله بن أُمّ مكتوم وخلّف سعد بن عُبادة فى ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة. قال المِقداد: فخرجتُ فأدركتُ أُخريات العدوّ، وقد قَتَل أبو قتَادة مَسعَدَةَ فأعطاه رسول الله، ﷺ، فرسَه وسلاحه، وقتل عكّاشة بن مِحصَن أثار بن عمرو ابن أثار، وقَتَل المقداد بن عمرو حبيبَ بن عُيينة بن حِصْن وقِرْفة بن مالك بن حُذيفة بن بدر، وقُتل من المسلمين مُحرِز بن نَضلة قتله مَسعَدة، وأدرك سَلمة بن الأكْوع القومَ وهو على رجليه فجعل يراميهم بالنبل ويقول: خُذْها وأنَا ابن الأكوَعِ … وَاليومُ يومُ الرُّضّعِ! (¬٢) حتى انتهى بهم إلى ذى قَرَد، وهى ناحية خَيبر ممّا يلى المُستناخَ. قال سَلمة: فلحقَنا رسول الله، ﷺ، والنّاسُ والخيولُ عِشاءً فقلت: يا رسول الله إنّ القوم عِطاشٌ فلو بعثتَنى فى مائة رجل استنقذت ما بأيديهم من السّرح (¬٣) وأخذت بأعناق القوم: فقال النبىّ، ﷺ: مَلَكْتَ فأسْجحْ (¬٤)، ثمّ قال: إنهم الآن ليُقْرَوْنَ فى غَطَفَان. وذهب الصَّريخ إلى بنى عمرو بن عوف فجاءت الأمداد فلم تزل الخيل تأتى والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله، ﷺ، بذى قَرَد فاستنقذوا عَشر لقائح وأفلت القوم بما بقى وهى عشرة، وصلّىرسول الله، ﷺ، بذى قَرَد صلاة الخوف وأقام به يومًا وليلة يتحسّس الخبر، وقسم فى كلّ مائة من أصحابه جَزورًا ينحرونها، وكانوا خمسمائة، ويقال سبعمائة (¬١). وبعث إليه سعد بن عُبادة بأحمالِ تَمرٍ وبعشر جزائر فوافت رسول الله، ﷺ، بذى قَرَد، والثبت عندنا أن رسول الله، ﷺ، أمّر على هذه السريّة سعدَ بن زَيد الأشْهَلىّ، ولكَنّ النّاس نسبوها إلى المقداد لقول حسّان بن ثابت: غدَاةَ فوَارِسِ المِقْدادِ فعاتبه سعد بن زَيد فقال: اضطرّنى الرَّوىّ إلى المِقداد (¬٢). ورجع رسول الله، ﷺ، إلى المدينة يوم الاثنين وقد غاب خمس ليال. (*) أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عِكرمة بن عمّار العِجلىّ، أخبرنا إياس بن سَلمة بن الأكوَع عن أبيه قال: خرجتُ أنا ورَبَاح غلام النبىّ، ﷺ، بظهر النبىّ، ﷺ، وخرجت بفَرس لطلحة بن عُبيد الله كنت أريد أن أندّيه مع الإبل، فلمّا أن كان بغلَس أغار عبد الرحمن بن عُيينة على إبل رسول الله، ﷺ، فَقَتَل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه فى خيل فقلت: يا رَبَاح اقعدْ على هذا الفرس فألحِقه بطلحة، وأَخْبِرْ رسول الله، ﷺ، أنّه قد أُغير على سَرْحه. قال: وقمتُ على تلّ فجعلت وجهى من قِبَل المدينة ثمّ ناديت ثلاث مرّات: يا صباحاه! ثمّ اتبعتُ القوْم ومعى سيفى ونبلى فجعلت أرميهم وأعقر بهم وذلك حين يكثُرُ الشجرُ فإذا رجع إلىّ جلست له فى أصل شجرة ثمّ رميت، فلا يُقبِل علىّ فارس إلّا عقرتُ به، فجعلت أرميهم وأقول: أنَا ابنُ الأكوَعِ، واليومُ يومُ الرُّضّعِ! فألحقُ برَجُلٍ فأرميه وهو على رحلهِ فيقع سهمى فى الرجل حتى انتظمتُكَتِفَهُ (¬١) فقلت: خذها! وَأَنَا ابنُ الأكوَعِ … واليومُ يومُ الرّضّعِ! فإذا كنت فى الشجرة أحدقتهم بالنبل، وإذا تضايقت الثنايا علوتُ الجبل فرميتهم بالحجارة، فما زال ذلك شأنى وشأنهم أتّبعهم وأرتجز حتى ما خلق الله شيئًا من ظَهر النبىّ ﷺ، إلّا خلّفتُه وراء ظهرى واستنقذته من أيديهم ثمّ لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحًا وأكثر من ثلاثين بُرْدةً يستخفون منها ولا يُلقون من ذلك شيئًا إلا جعلتُ عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله، ﷺ، حتّى إذا امتدّ الضحى أتاهم عُيينة بن بدْر الفَزَارى مَدَدًا لهم. وهم فى ثنيّة ضيّقة. ثمّ علوت الجبلَ فأنا فوقهم. قال عُيينة: ما هذا الذى أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البَرْح (¬٢) ما فارقَنَا بِسَحَرٍ حتى الآن وأخذ كلّ شئ فى أيدينا وجعله وراء ظهره، فقال عُيينة: لولا أنّ هذا يرى أنّ وراءه طَلَبًا لقد ترككم، ثمّ قال: لِيَقُمْ إليه نَفَرٌ منكم؛ فقام إلىّ نفر منهم أربعة فصعدوا فى الجبل، فلمّا أسمعتهم الصّوتَ قلت لهم: أتعرفوننى؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع، والذى كرم وجه محمد لا يطلبنى رجل منكم فيُدْرِكنى ولا أطلبه فيفوتنى! فقال رجلٌ منهم: إنّ ذا ظنّ. قال: فما برحتُ مَقعَدى ذلك حتى نظرتُ إلى فَوارس رسول الله، ﷺ، يتخلّلون الشجر، وإذأ أوّلهم الأخرم الأسدى وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله، ﷺ، وعلى أثَرِ أبى قَتادة المِقداد، فولّى المشركون مُدبرين وأنزِلُ من الجبل فأعرضُ للأخرم فآخذ عنان فرسه قلتُ: يا أخرمُ أنْذِرِ القومَ! يعنى احذرْهم، فإنى لا آمَنُ أن يقتطعوك فاتّئِد حتّى يلحق رسول الله، ﷺ، وأصحابه. قال: يا سَلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أنّ الجنّة حقّ والنّار حقّ فلا تَحُلْ بينى وبين الشهادة! فخلّيتُ عنانَ فرسه فيلحق بعبد الرحمن بن عُيينة ويعطف عليه عبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فَعَقَر الأخرم بعبد الرحمن، فطعَنه عبد الرحمن فقتله،فتحوّل عبد الرحمن على فَرس الأخرم فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فَعَقَر بأبى قتادة وقتله أبو قتادة، وتحوّل أبو قتادة على فرس الأخرم. ثمّ إنّى خرجتُ أعدو فى أثر القوم حتى ما أرى من غُبار أصحاب النبىّ، ﷺ، شيئًا ويعرضون إلى شِعب فيه ماءٌ يقال له ذو قَرَد، فأرادوا أن يشربوا منه فأبصرونى أعدو وراءهم فَعَطفوا عنه وأسندوا فى الثنيّة ثنيّة ذى دبر وغربت الشمس فألحقُ رجلًا فأرميه فقلت: خُذها! وأنَا ابن الأكوَعِ … واليومُ يومُ الرّضّعِ! فقال: يا ثَكَلَ أمىّ! أأكوَعى بُكرَةَ (¬١)؟ قال: قلتُ: نعمْ يا عدوّ نفسه! فكان الذى رَميتهُ بُكرَة فاتّبعته بسهم آخر فعلق فيه سهمان ويخلّفون فرسين فجئت بهما أَسُوقهما إلى رسول الله، ﷺ، وهو على الماء الذى حلأتُهم عنه ذو قَرَد، فإذا نَبىّ الله فى خمسمائة، وإذا بلال قد نَحَر جزورًا ممّا خلّفتُ فهو يشوى لرسول الله، ﷺ، من كبدها وسنامها، فأتيتُ رسول الله، ﷺ، فقلت: يا رسول الله خَلّنى فأنتخب من أصحابك مائة فآخُذَ على الكَفّار بالعَشوة فلا يبقى منهم مُخبر إلّا قتلته: قال: أَكُنتَ فاعلًا ذلك يا سلمة؟ قلت: نعم، والذى أكرَمك! فضحك رسول الله، ﷺ، حتى رأيتُ نواجذَه فى ضوء النّار ثمّ قال: إنّهم الآن يُقْرَوْنَ بأرض بنى غَطفان، فجاء رجل من غَطَفَان فقال: مرّوا على فلان الغَطَفانى فَنَحَرَ لهم جَزورًا، فلمّا أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرةً فتركوها وخرَجوا هرّابًا. فلمّا أصبحنا قال رسول الله، ﷺ: خير فُرساننا اليوم أبو قتادة وخير رَجّالتنا اليومَ سَلمة، فأعطانى رسول الله، ﷺ، سهم الراجل والفارس ثمّ أردفنى وراءه على العَضْباء راجعين إلى المدينة، فلمّا كان بيننا وبينها قريبًا من ضَحوة، وفى القوم رجلٌ من الأنصار كان لا يُسبَق جعل يُنادى: هل من مسابق؟ ألا رجل يسابق إلى المدينة؟ فأعاد ذلك مرارًا وأنا وراء رسول الله، ﷺ، مُرْدفى فقلتُ له: ما تُكرمُ كريمًا ولا تهابُ شريفًا؟ قال: لا، إلا رسول الله، ﷺ، فقلت: يا رسول الله بأبى أنت وأمّى خَلّنى فلأسابق الرجلَ! فقال: إن شئتَ: فقلت: أذهَبُ إليك. فطفر عن راحلته وثنيتُ رجلى فطفرت عن الناقة ثمّ إنّى ربطت عليهشَرَفًا أو شَرَفَين يعنى استبقيت نَفَسى ثمّ إنّى عدوت حتى ألحقه فأصُكّ بين كتفيه بيدى. قلت: سبقتك والله إلى فوزه أو كلمة نَحوَها، قال: فضحك وقال: أنا (¬١) أظنّ حتى قدمنا المدينة (*). * * *