legacy full passagepage 1428, entry [585]6,409 chars
[٥٢٥ - ابن النَّقيب (¬٣)] الشيخ الإمام الفقيه الزاهد جمال الدِّين محمد بن سليمان بن الحسن بن الحسين البَلْخِي، ثم المقدسي، أبو عبد الله، المفسر، المعروف بابن النَّقِيب. مولده بالقُدْس سنة إحدى عشرة وستمئة في نصف شعبان.وكان زاهدًا عالمًا فقيهًا مفسِّرًا، له مشاركة تامَّة في العلوم، جمع التَّفسير في ن…
▸ expand full passage (6,409 chars)▾ collapse
[٥٢٥ - ابن النَّقيب (¬٣)] الشيخ الإمام الفقيه الزاهد جمال الدِّين محمد بن سليمان بن الحسن بن الحسين البَلْخِي، ثم المقدسي، أبو عبد الله، المفسر، المعروف بابن النَّقِيب. مولده بالقُدْس سنة إحدى عشرة وستمئة في نصف شعبان.وكان زاهدًا عالمًا فقيهًا مفسِّرًا، له مشاركة تامَّة في العلوم، جمع التَّفسير في نحو ثمانين مجلدًا، وكان له شعر حسن، وكان يروي، عن يوسف بن المَحَلِّي، وحدَّث، وقدم القاهرة ودرس بالعاشُوريَّة، ثم تركها وأقام بالجامع الأزهر، ذكره الإرْبِيلي في معظم شيوخه، ثم إنه خرج من القاهرة قاصدًا إلى القدس، فتوفي في القدس سنة ثمان (¬١) وتسعين وستمئة، وهو ابن سبع وثمانين سنة. والتفسير الذي جمعه لم يُسْبَق إليه، قال فيه: جمعت في تفسيري نحو خمسين عِلْمًا. ذكر فيه أسباب النزول مستوفيًا، والقراءات بوجوه إعرابها، وبيَّن القواعد والمسائل من علوم المباني والمعاني وخواصِّ القرآن، واعتنى ببيان العلوم المستنبطة من الفرقان، فإنَّ كتاب الله تعالى جمع علوم الأوَّلين والآخرين، بحيث لم يحطْ به علمًا حقيقة إلا المتكلِّم به، ثم رسول الله ﷺ، خلا ما استأثر به سبحانه، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم، مثل الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس، قال ابن عباس: لو ضاع لي عِقال بعيرٍ لوجدْتُه في كتاب الله (¬٢). والعلوم المستنبَطة من كتاب الله لا تكاد تنحصِّر؛ منها ما يتعلَّق بالقراءة (¬٣)، كضبط لغاته، وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج حروفه وعددها، وعدد كلماته، وآياته، وسوره، وأحزابه، وأنصافه، وأرباعه، وعدد سجداته، إلى غير ذلك، من حصر الكلمات المتشابهة، والآيات المماثلة من غير تعرُّض لمعانيه، ولا تدبُّر لما أودع فيه.ومنها ما يتعلق بالنُّحاة؛ كمعرفة المعرب والمبنيِّ من الأسماء والأفعال، والحروف العاملة، إلى غير ذلك، من ضروب الأفعال، واللازم والمتعدي، ووجوه الأسماء وتوابعها، ورسوم خطِّ الكلمات، وما يتعلَّق بها من المرفوعات والمنصوبات والمجرورات. ومنها ما يتعلَّق بالأصوليِّين: بأصول الدِّين؛ كأدلَّة وحدانيَّة الله تعالى ووجوده وبقائه وقِدَمه وقدرته وعِلْمه، وتنزيهه عمَّا لا يليق به، إلى غير ذلك، من الأدلَّة العقليَّة والشواهد الأصلية والنَّظرية، مثل قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وبأصول الفقه؛ من معاني خطاب الله تعالى ممَّا يقتضي العموم، وما يقتضي الخصوص، والنَّص والظَّاهر والمجمَل والمحكم والمتشابه والأمر والنَّهي والنَّسخ، إلى غير ذلك؛ من أنواع الأقيسة واستصحاب الحال والاستقراء. ومنها ما يتعلَّق بعلم الفروع؛ من معرفة الحلال والحرام وسائر الأحكام. ومنها ما يتعلَّق بالتَّاريخ والقصص، كأخبار الأمم الخالية، وقصص القرون السالفة وآثارهم ووقائعهم، وذكر بدء الدنيا وخلق الأرض والسماء، كما قال تعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٩]، إلى غير ذلك من حوادث الدنيا، وقصص الأنبياء ﵇. ومنها يتعلَّق بالحِكَم والأمثال والمواعظ التي تُقَلْقِل قلوب الرِّجال، وتكادُّ تُدَكْدِك الجبال، من الوعد والوعيد، والتَّبشير والتَّحذير، وذكر الموت والمعاد، والنَّشر والحشر، والحساب والعِقاب، والجنَّة والنَّار، إلى غير ذلك، مما يتعلق بالخطباء والوعَّاظ.ومنها ما يتعلق بعلم التَّعبير والرُّؤيا، كما في قصة يوسُف ﵇؛ في البقرات السِّمان، وفي منامي صاحبَي السِّجن، وفي رؤياه الشمس والقمر والنُّجوم ساجدة. ومنها ما يتعلَّق بإصلاح القوم في مخاطباتهم، وعرف عاداتهم، كما في قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ومنها ما يتعلَّق بعلم الفرائض، كآية المواريث، استنبطوا منها من ذكر النِّصف والثُلث والربع والسُّدس والثُّمن حساب الفرائض، ومسائل العول، وأحكام الوصايا. ومنها ما يتعلَّق بعلم المواقيت، كالآيات الدَّالة على الحِكَم الباهرة في اللَّيل والنهار والشمس والقمر والنجوم والبروج وغير ذلك. ومنها ما يتعلَّق بالمعاني والبيان والبديع، مما في هذا التَّنزيل الجليل من جَزَالة اللَّفظ، وبديع النَّظْم، وحسن السِّياق (¬١)، والمبادئ والمقاطع والمَخَالص، والتَّلوين في الخطاب، والإطناب والإيجاز، وغير ذلك. ومنها ما يتعلَّق بالإشارات والتَّأويلات، كما لاحَ لأصحابِ الحقيقة من ألفاظ القرآن معانٍ ودقائقَ، فجعلوا لها أعلامًا اصطلحوا عليها، مثل الفناء والبقاء والحضور والخوف والهيبة والأُنْس والوَحْشَة والقَبْض والبَسْط والحال والاستغراق والشُّهود والجمع وغير ذلك. وهذه الفنون هي التي أخذتها الملَّة الإسلاميَّة قد أشار إليها في أثناء تفسيره ابن النَّقيب.أقول: قد احتوى على علوم أخرى مثل الطِّبِّ؛ فإنَّ مدارَه حفظُ نظام الصَّحة واستحكام القوَّة ومعرفة ما يفيد نظام الصحَّة بعد اختلاله، وحدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله، ويدل عليها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. وفيه إشارة إلى اعتدال المزاج بتفاعل الكيفيَّات المتضادَّة، مثل قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]. ومنها علم الهَيْئة كما في تضاعيف الآيات التكوينيَّة المنصوبة في ملكوت السموات والأرض. ومنها علم النُّجوم وعلم الميقات وعلم المنازل وعلم الرصد: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦]، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥]، ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨ - ٨٩]. ولو تأمَّلْتَ في تضاعيف آيات التَّنزيل الجليل لأخذْتَ منها الإشارات إلى فنونٍ عديدةٍ لا تكاد تنحصر، كقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، يكاد يستنبط منه المنطق والجدل، ومنها مناظرة إبراهيم ﵇ بنمرود، ومحاجَّة قومه، وحكايات بني إسرائيل، وقصة موسى وعيسى، وغير ذلك مما ذكر في تضاعيف الآيات التَّكوينيَّة والمنصوبة في الأنفس والآفاق يمكن أن يؤخذ منها بالحلِّ والعقد، والتَّقييد والإطلاق، والخلاف والجدل، والمعارضة والمناقضة، والجبر والمقابلة، والتاريخ والأعوام والأيام.وقوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠]، يؤخذ منه الهندسة، ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤]، قال أبو بكر بن عياش ﴿أَوْ أَثَارَةٍ﴾؛ أي: بقية من علم، وفي "التيسير": قيل: أراد بالأثَارة ما كانت العرب تعرف بعض الأشياء به، من القِيافَة والزَّجْر والتَّكهن والخطِّ والطَّرف مما كانوا يؤثرونه عن أسلافهم، ويمكن أن يستخرج المعنى (¬١) من قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: ٢] وقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦]، فمن الأول كمال ومن الثاني هود. قال الله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فسبحانَ من أعجز بفصاحة كتابِه مصاقِعَ الخطباء، وأخرس ببلاغة خطابِه شقائقَ العَرَب العَرْباء. * * *