Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

أبو الخير الأقطع التيناتي

أبو الخير الأقطع التيناتي

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

4 books · 11 entries
Research data and provenancerich dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
rich
Source entries
4
Strong identity entries
1
Chronology hints
6
Attribute hints
6
Relation hints
0
Assessment hints
7
Known assessors
0

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

4 books · 11 entries

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

4 exact linked passages0 legacy full passages7 assessment hints0 assessment snippets

أبو القاسم ابن عساكر - تاريخ دمشق لابن عساكر

full-text

— · 4 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 30325, entry [8723]17,810 chars
    أبو الخير الأقطع التيناتي (٢) (٣) وتينات من نواحي المصيصة (٤) نسب إليها لأنه أقام بها وأصله من المغرب وقيل إن اسمه حماد بن عبد الله وكان أسود من العباد المشهورين والزهاد المذكورين صحب أبا عبد الله الجلاء (٥) وسكن جبل لبنان أيضا من نواحي دمشق ودخل أطرابلس حكى عنه أبو القاسم بكر بن محمد وأبو علي الأهو…
    ▸ expand full passage (17,810 chars)
    أبو الخير الأقطع التيناتي (٢) (٣) وتينات من نواحي المصيصة (٤) نسب إليها لأنه أقام بها وأصله من المغرب وقيل إن اسمه حماد بن عبد الله وكان أسود من العباد المشهورين والزهاد المذكورين صحب أبا عبد الله الجلاء (٥) وسكن جبل لبنان أيضا من نواحي دمشق ودخل أطرابلس حكى عنه أبو القاسم بكر بن محمد وأبو علي الأهوازي وغيرهما قال أبو عبد الرحمن السلمي أبو الخير التيناتي سكن جبل لبنان وتينات على أميال من المصيصة وأقام بها وكان يعرف بأبي الخير الأقطع وله آيات وكرامات وكان ينسج الخوض بإحدى يديه لا يدري كيف ينسجه وكان تأوي إليه السباع ويأنسون به (٦) لم تزل ثغور الشام محفوظة أيام حياته إلى أن مضى لسبيله ﵀ كان أبو الخير أصله من المغرب وله كرامات وآيات يطول شرحها وقال (٧) في كتاب الطبقاتومنهم أبو الخير الأقطع وكان أوحد في طريقته في التوكل وكان يأنس إليه السباع والهوام وكان حاد الفراسة مات سنة نيف وأربعين وثلاثمائة قال أبو الخير (١) دخلت مدينة الرسول ﷺ وأنا بفاقة فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذواقا (٢) فقدمت إلى القبر وسلمت على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر رضي الله عن هما وقلت أنا ضيفك الليلة يا رسول الله وتنحيت ونمت خلف المنبر فرأيت في المنام النبي ﷺ وأبو بكر عن يمينه وعمر عن يساره (٣) وعلي بن أبي طالب بين يديه فحركني علي وقال لي قم قد جاء رسول الله ﷺ قال فقمت إليه وقبلت بين عينيه فدفع إلي رغيفا فأكلت نصفه فانتبهت (٤) فإذا في يدي نصف رغيف وقال أبو الخير لن يصفو قلبك إلا بتصحيح النية لله تعالى ولن يصفو بدنك (٥) إلا بخدمة أولياء الله تعالى وقال أبو الخير (٦) ما بلغ أحد إلى حالة شريفة (٧) إلا بملازمة الموافقة ومعانقة الأدب وأداء الفرائض وصحبة الصالحين وخدمة الفقراء الصادقين وقال حرام على قلب مأسور بحب الدنيا أن يسبح في روح الغيوب وقال (٨) القلوب ظروف فقلب مملوء ايمانا فعلامته الشفقة على جميع المسلمين والإهتمام بما يهمهم ومعاونتهم على أن يعود صلاحه إليهم (٩) وقلب مملوء نفاقا فعلامته (١٠) الحقد والغل والغش والحسد وقال (١١) الدعوى رعونة لا يحتمل القلب إمساكها فيلقيها (١٢) إلى اللسان فتنطقبها ألسنة الحمقى (١) ولا يعرف الأعمى ما يبصره البصير من محاسنه وقباحه قال أبو القاسم القشيري (٢) ومنهم أبو الخير الأقطع مغربي الأصل سكن تينات وله كرامات وفراسة حادة كان كبير الشأن قال أبو الحسين القيرواني (٣) زرت أبا الخير التيناتي فلما ودعته خرج معي إلى باب المسجد فقال يا أبا الحسين (٤) أنا أعلم أنك لا تحمل معك معلوما ولكن احمل هاتين التفاحتين فأخذتهما ووضعتهما في جيبي وسرت فلم يفتح لي بشئ ثلاثة أيام فأخرجت واحدة منهما فأكلتها ثم أردت أن أخرج الثانية فإذا هما في جيبي فكنت آكل منهما وتعودان إلى باب الموصل فقلت في نفسي إنهما تفسدان علي حال توكلي إذا صارتا معلوما لي فأخرجتهما من جيبي بمرة فنظرت فإذا فقير (٥) ملفوف في عباءة يقول أشتهي تفاحة فناولتهما إياه فلما عبرت وقع لي أن الشيخ إنما بعث بهما إليه وكنت في رفقة في الطريق فانصرفت إلى الفقير فلم أجده قال أبو نعيم الأصبهاني (٦) سمعت غير واحد ممن لقي أبا الخير يقول إن سبب قطع يده أنه كان عاهد الله ألا يتناول بشهوة نفسه شيئا مشتهيا (٧) فرأى يوما بجبل لكام (٨) شجرة زعرور فاستحسنها فقطع منها غصنا فتناول منها شيئا من الزعرور فذكر عهده فتركه (٩) ثم كان يقول قطعت غصنا فقطع مني عضوقال أبو ذر الهروي سمعت عيسى بن أبي الخير التيناتي بمصر وكان رجلا صالحا وقلت له لم كان أبوك أقطع قال ذكر لي أنه كان عبدا أسود قال فضاق صدري في الملك فدعوت الله فأعتقت فكنت أجئ إلى الإسكندرية فأحتطب وأتقوت بثمنه وكنت أدخل المسجد أقف على الحلق وأعلم أنهم لا يعلموني شيئا لأني عبد أسود فكنت أقف عليهم فيسهل الله على لسانهم ما كنت أريد أن أسأل عنه فأحفظه وأستعمل ذلك سمعت (١) مرة حكاية يحيى بن زكريا وما عملوا به فقلت في نفسي إن الله ابتلاني بشئ في بدني صبرت ثم خرجت إلى الثغر بطرطوس (٢) وكنت آكل المباحات ومعي حجفة (٣) وسيف وكنت أقاتل (٤) العدو مع الناس فآواني الليل إلى غار هناك فقلت في نفسي إني أزاحم الطير في أكل المباحات فنويت ألا آكل فمررت بعد ذلك بشجرة فقطعت منها شيئا فلما أردت أن (٥) آكله ذكرت فرميته ثم دخلت المغارة بالليل فإذا هناك (٦) قطعوا الطريق ودخلوا إلى الغار قبلي ولم أعلم فلما دخلت إلى هناك فإذا نحن بصاحب الشرطة يطلبهم فدخل الغار فأخذهم وأخذني معهم فقدموا جميعا فقطعوا فلما قدمت قالت اللصوص لم يكن هذا الأسود معنا وكان أهل الثغر يعرفونني فغطى الله عنهم حتى قطعوا يدي فلما مدوا رجلي قلت يا رب هذه يدي قطعت لعقد عقدته فما بال رجلي فكأنه كشف عنهم وعرفوني وقالوا هذا أبو الخير واغتموا (٧) فلما أرادوا أن يغمسوا يدي في الزيت امتنعت وخرجت ودخلت الغار وبت ليلة عظيمة فأخذني النوم فرأيت النبي ﷺ في النوم فقلت يا رسول الله فعلوا بي وفعلوا فأخذ يدي المقطوعة فقبلها فأصبحت ولا أجد ألم الجرح وقد عوفيت قال أبو جهضم حدثتي أبو بكر بن محمد قالكنت عند الشيخ أبي الخير بالتينات فبسط محادثته لي إلى أن هجمت عليه فسألته عن سبب قطع يده وما كان منه فقال يد جنت فقطعت فظننت أنه كانت له صبوة في حداثته في قطع طريق أو نحوه مما أوجب ذلك فأمسكت ثم اجتمعت معه بعد ذلك بسنين مع جماعة من الشيوخ فتذاكروا مواهب الله لأوليائه وأكثروا كرامات الله لهم إلى أن ذكروا طي المسافات فتبرم الشيخ بذلك فقال لم يقولون فلان مشى إلى مكة في ليلة وفلان (١) مشى في يوم أنا أعرف عبدا من عبيد الله حبشيا كان جالسا في جامع أطرابلس ورأسه في جيب مرقعته فخطر له طيبة الحرم فقال في سرة يا ليتني كنت بالحرم ثم أمسك عن الكلام فتغامز الجماعة وأجمعوا على أنه ذلك الرجل وقال أبو القاسم بكر بن محمد كنت عند أبي الخير التيناتي وجماعة اجتمعوا على أن يسألوه (٢) عن سبب قطع يده فقال يد جنت فقطعت فقيل قد سمعنا منك هذا مرارا كثيرة أخبرنا كيف سببه فقال نعم أنتم تعلمون أني من أهل المغرب فوقعت في مطالبة السفر فسرت حتى بلغت إسكندرية فأقمت بها اثنتي عشر سنة ثم سرت منها إلى أن صرت بين شطا (٣) ودمياط (٤) فأقمت أيضا اثنتي عشر سنة فقيل له مكانك إلى ها هنا انتهينا الإسكندرية بلد عامر أمكن أن تقيم بها بين شطا ودمياط لا زرع ولا ضرع أي شئ كان قوتك اثنتي عشرة سنة فقال نعم كان في الناس خير في ذلك الزمان وكان يخرج من مصر خلق كثير يرابطون بدمياط وكنت قد بنيت كوخا على شط الخليج فكنت أجئ من الليل إلى الليل إلى تحت السور فإذا أفطر المرابطون نفضوا سفرهم (٥) خارج السور فأزاحم الكلاب على قمامة السفر فآخذ كفايتي فكان هذا قوتي في الصيف فقالوا ففي الشتاء قال نعم كان بنبتحول الكوخ من هذا البردي (١) الجافي فيخصب في الشتاء فأقلعه فما كان منه في التراب يخرج غضا أبيض فآكله وأرمي بالأخضر الجافي فكان هذا قوتي إلى أن نوديت (٢) في سري يا أبا الخير تزعم أنك لا تزاحم الخلق في أقواتهم وتشير إلى التوكل وأنت في وسط العموم جالس فقلت إلهي وسيدي ومولاي وعزتك لا مددت يدي إلى شئ مما تنبت الأرض حتى تكون أنت الموصلي إلى رزقي من حيث لا أكون أنا أتولى فيه فأقمت اثنى عشر يوما أصلي الفرض وأتنفل (٣) ثم عجزت عن النافلة فأقمت اثني عشر يوما أصلي الفرض لا غير ثم عجزت عن القيام فأقمت اثني عشر يوما أصلي جالسا ثم عجزت عن الجلوس فرأيت إن طرحت نفسي ذهب فرضي فلجأت إلى الله بسري وقلت إلهي وسيدي ومولاي أفرضت علي فرضا تسألني عنه وضمنت لي رزقا فتفضل علي برزقي ولا تؤاخذني بما اعتقدته فوعزتك لأجتهدن ألا (٤) أخالف عقدي الذي عقدته معك فإذا بين يدي رغيفان وربما قال قرصان بينهما شئ ولم يذكر الشئ فكنت آخذه على دوار وقتي من الليل إلى الليل ثم طولبت بالمسير إلى الثغر فسرت حتى دخلت مصر وكان ذلك يوم الجمعة فوجدت في صحن الجامع قاصا يقص على الناس وحوله حلقة فوقفت أسمع ما يقول فذكر قصة زكريا والمنشار وما كان من خطاب الله له حين هرب منهم فنادته الشجرة إلي يا زكريا فانفرجت له فدخلها ثم أطبقت عليه ولحقه العود فتعلق بطرف عبائه وناداهم إلي فهذا زكريا ثم أخرج إليهم حيلة المنشار فنشرت الشجرة حتى بلغت رأس زكريا فأن منه أنة أوحى الله تعالى يا زكريا لئن صعدت منك إلي أنة ثانية لأمحونك من ديوان النبوة فعض زكريا على الصير (٥) حتى قطع بشطرين فقلت في نفسي لقد كان زكريا صابرا إلهي وسيدي ومولاي لئن ابتليتني لأصبرن ثم سرت حتى دخلت أنطاكية فرآني بعض أخواني وعلم أني أريد الثغر فدفع إلي سيفا وترسا وحربة للسبيل فدخلت الثغر وكنت حينئذ أحتشم من الله أن أرى وراء سور خيفة العدو فجعلت مقامي بالنهار في غابة أكون فيها وأخرج بالليل إلى شط البحر فأغرز الحربة علىالساحل وأشد الترس إليها محرابا وأتقلد سيفي وأصلي إلى الغداة فإذا صليت الصبح غدوت إلى الغابة فكنت فيها نهاري أجمع فبدرت في بعض الأيام فبصرت بشجرة بطم قد بلغ بعضه أخضر وبعضه أحمر قد وقع عليه الندى وهو يبرق فاستحسنته وأنسيت عقدي مع الله وقسمي به أني لا أمد يدي إلى شئ مما تنبت الأرض فرددت يدي إلى الشجرة فقطعت منها عنقودا وجعلت بعضه في فمي ألوكه فذكرت العقد فرميت ما في يدي وبزقت ما في فمي وقلت حلت المحنة ورميت الترس والحربة وجلست موضعي يدي على رأسي فما استقر جلوسي حتى دار بي فرسان وقالوا لي قم فساقوني إلى أن أخرجوني إلى الساحل وإذا أمير بناس (١) جماعة على خيول ورجاله كثير وبين أيديهم جماعة سودان كانوا يقطعون الطريق قبل ذلك اليوم في ذلك المكان فأسرى إليهم أمير بناس في موضع الأكواخ فكبسهم في السجن وأخذ من كان منهم في الأكواخ وافترقت الخيل تطلب من هرب منهم في الغابة فوجدوني أسود معه سيف وترس وحربة فساقوني فلما قدمت إلى الأمير وكان رجلا تركيا قال لي أيش أنت ويلك قلت عبد من عبيد الله فقال للسودان تعرفونه قالوا لا قال بلى هو رئيسكم وإنما تفدونه بنفوسكم لأقطعن أيديكم وأرجلكم فقدموهم فلم يزل يقدم رجلا رجلا يقطع أيديهم حتى انتهى إلي آخرهم فقال لي تقدم مد يدك فمددتها فقطعت ثم قال لي مد رجلك فمددتها فرفعت سري (٢) إلى السماء وقلت إلهي وسيدي ومولاي يد جنت رجلي أيش عملت فإذا بفارس قد أقبل وقف على الحلقة ورمى نفسه إلى الأرض وصاح أيش تعملون تريدون أن تنطبق الخضراء على الغبراء هذا رجل صالح يعرف بأبي الخير المناجي وكنت حينئذ أعرف بالمناجي فرمى الأمير نفسه عن فرسه وأخذ يدي المقطوعة من الأرض يقبلها وتعلق بي يقبل صدري ويشهق ويبكي ويقول ما علمت سألتك بالله اجعلني في حل فقلت جعلتك في حل من أول ما قطعتها هذه يد جنت فقطعت (٣) فقال أبو الخير وهو يبكي وأي مصيبة أعظم من مصيبتي هذه يعني قطعت يدي وأنقطع عني (٤)وقال أبو الخير (١) جاورت بمكة سنة من السنين ومر علي بها شدائد وهمت نفسي بالسؤال فهتف بي هاتف أما يستحي الوجه الذي تسجد لي به أن تبذله لغيري فجلست وقال أبو الخير من أنس بالله لم يستوحش من شئ قال أبو سعد إسماعيل بن علي الواعظ سمعت جماعة من مشايخنا أن يوما صلوا خلف أبي الخير الأقطع فلما سلم قال رجل لحن الشيخ ففي نصف الليل خرج إلى البراز فرأى أسدا والشيخ يطعمه فغشي على الرجل فقال الشيخ منهم من يكون لحنه في قلبه ومنهم من يكون يلحن بلسانه قال السلمي (٢) سمعت جدي إسماعيل بن نجيد (٣) يقول دخل على أبي (٤) الخير الأقطع بعض البغداديين وقعدوا يتكلمون بين يديه وضاق صدره فخرج فلما خرج جاء السبع ودخل البيت فسكتوا وانضم بعضهم إلى بعض وتغيرت ألوانهم فدخل عليهم أبو الخير وقال يا سادتي أي تلك الدعاوى قال أبو القاسم القشيري وأبو الخير التيناتي مشهور بالكرامات حكي عن (٥) إبراهيم الرقي (٦) أنه قال قصدته مسلما فصلى صلاة المغرب فلم يقرأ الفاتحة مستويا فقلت في نفسي ضاعت سفرتي فلما سلمت خرجت للطهارة فقصدني السبع فعدت إليه فقلت إن الأسد قصدني فخرج وصاح على الأسد وقال ألم أقل لك لا تتعرض لضيفاني فتنحى وتطهرت فلما رجعت قال اشتغلتم بتقويم الظاهر فخفتم الأسد واشتغلنا بتقويم القلب فخافنا الأسد قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ بكرت يوما إلى أبي عثمان المغربي (٧) فقعدت معه إلى أن أذنوا لصلاة الظهر ثمقلت آذيت الشيخ قال ثم أقبل علي فقال أنا لا أعرف الناس قد كان رجل بمكة يحمل إلي الطعام ثلاث سنين وأنا لا أعرف اسمه ولكن أجدني قد أنست إليك فاعلم أن طريق السالكين أحكم من طريق أهل الروايات هذا الأسود الذي كان بالشام يعني أبا الخير الأقطع خرج إليه إبراهيم بن المولد (١) من العراق فوصل إليه عند المساء فنزل وتطهر وصلى معه صلاة العتمة فازدرى به لقراءته ففطن أبو الخير لذلك فلما جن عليه الليل أخذ إبراهيم ركوته وذهب يجدد وضوءا (٢) فبينا هو على ذلك إذ جاء سبع فوقف عليه فترك إبراهيم ركوته وعدا إلى المسجد فأدركه أبو الخير فقال ما لك قال سبع فخرج أبو الخير وأخذ بأذن السبع وقال با أبا الحارث ألم أقل لك لا تؤذ الناس وأخذ ركوة إبراهيم وردها إليه قال أبو القاسم بكر بن محمد ورد على أبي الخير رجل فقيه من العراق فلما وجبت صلاة العشاء خرج إلى المسجد وضيفه معه فتقدم الشيخ فصلى بهم وكان في لسانه عجمة الحبش فلما فرغ من الصلاة قام الفقيه فأعاد الصلاة التي صلاها خلفه فلما كان من غد قدم الشيخ ضيفه فقال تقدم صل بنا الصبح فإنك تحقق القراءة أكثر مني فتقدم الرجل وصلى بالشيخ ولجماعة ثم خرج الرجل بين الآجام (٣) فإذا به يصرخ فخرج الشيخ فدخل الأجمة فإذا بالرجل ملقى على ظهره والسبع على صدره فتقدم الشيخ إلى السبع فأخذ أذنه وقال ويحك تخيف ضيفي ونحاه عن صدره فأقام الرجل مغشيا عليه ساعة وحمل إلى المسجد فلما أفاق قال له الشيخ يا هذا لو حققت يقينك كما حققت قراءتك لكنت أحد رجال الله ففطن الرجل وقال أيها الشيخ التوبة فقال يا هذا لا يعرج إلى السماء إلا كما نزل منها محققا ولي اجتهادي (٤) فصوب يقينك كما صوبت قراءتك ارفع سوء الظن عن عباد الله فقال سمعا لك وطاعة قال أبو ذر الهروي سألت عيسى بن أبي الخير كيف كان حديث السبع معك قال كان أبي يخرج خارج الحصن وعنده آجامكثيرة وسباع وكان أبي يضرب السبع ويقول لا تؤذ أصحابي فلما كان ذات يوم قال ادخل القرية فأتني بعيش (١) فتركت ما أمرني واشتغلت ألعب مع الصبيان بجفنة (٢) العشاء فغضب علي فقال لأحملنك وأبيتنك في الأجمة فأخذني تحت ابطه وحملني إلى أجمة بعيدة لا أهتدي للطريق منها ورماني هناك ورجع فلم أزل أبكي وأصيح ثم أخذني النوم فانتبهت قريب السحر فإذا أنا بالسبع إلى جنبي وأبي قائم يصلي فلما فرغ قال له قم فإن رزقك على الساحل فقام السبع ومضى ثم نمت فلما أصبحت انتهيت وأبي قد ذهب فخرجت من الأجمة وعرفت الطريق وجئت إلى أبي قال أبو الحسن بن زيد ما كنا ندخل على أبي الخير وفي قلبنا سؤال إلا تكلم علينا من ذلك الموضع من غير أن نسأله قال حمزة بن عبد الله العلوي دخلت على أبي الخير التيناتي وكنت اعتقدت في نفسي أن أسلم عليه وأخرج ولا آكل عنده طعاما فلما خرجت من عنده ومشيت إذا به خلفي وقد حمل طبقا عليه طعام فقال يا فتى كل هذا فقد خرجت الساعة من اعتقادك قال أبو الحسن علي بن محمود الزوزني الصوفي كان أبو الخير التيناتي صاحب مشاهدة وكان يسميني غلام الله وكنت أنبسط إليه فقلت يا سيدي بأيش وصلت إلى هذا الحال فقال رأيت رسول الله ﷺ في النوم فقبل صدري فأنا أرى من خلفي كما أرى من قدامي قال وسمعت العراقي يحكي إني كنت ماضيا إلى التينات أزور الشيخ فالتقيت بإنسان بغدادي فقال لي إلى أين تمضي فقلت إلى التينات أزور الشيخ فقال إن نقم بزيارة إليه الساعة ندخل عليه ويقدم (٣) لنا الخبز واللبن وأنا لا أتمكن من أكله فإني صفراوي فدخلنا على الشيخ فقامودخل إلى بيته وجاء على يده قصعة فيها لبن وخبز وقال كل أنت هذا وفي يده الأخرى رمان حلو وحامض فتركه بين يدي البغدادي فقال كل أنت هذا ثم قال لي من أين صحبت هذا فإنه بدعي (١) وما كنت سمعت منه شيئا فلما كان بعد عشر سنين رأيته بتنيس (٢) وهو تاجر وإذا به معتزلي محض قال عبد العزيز الحبراني وكان يمشي حافيا في أسفاره قال خرجت من البصرة حافيا ونعلي بيدي إذا وصلت إلى بلد تحظيت فيهما وإذا خرجت حملتهما بيدي إلى أن دخلت الثغر فلما عدت من الغزو وأردت الخروج من الثغر أحببت أن ألقى أبا بكر التيناتي فعدلت إلى التينات فسألت صبيا على باب الزقاق كيف الطريق إلى مسجد الشيخ فقال ما أكثركم قد آذيتم هذا الشيخ الزمن (٣) كم تأكلون خبز هذا الضعيف فوقع في قلبي من قوله فاعتقدت ألا آكل (٤) طعاما ما دمت بتينات وأتيته فبت عنده ليلتين ما قدم لي شئ ولا عرض علي شيئا (٥) فلما خرجت وصرت بين الزيتون إذ به يصيح خلفي قف فالتفت فإذا به فقلت أنا أرجع إليك فاستقبلته فدفع إلي ثلاثة أرغفة ملطوخة بلبن (٦) وقال لي كل هذه فقد خرجت من عقدك ثم قال أما سمعت قول النبي ﷺ إن الضيف إذا نزل نزل برزقه فقلت بلى قال فلم شغلت قلبي بقول صبي فاعتذرت إليه وسرت وقال أبو الحسن العراقي قدم أبو الخير تنيس فقال لي قم نصعد السور نكبر فصعدت معه ثم قلت في نفسي ونحن على السور هذا عبد أسود قد نال ما هو فيه فالتفت إلي وقال " يعلم ما في أنفسكم فاحذروه " (٧) فلما سمعت ذلك فزعت وغشي علي فمر وتركني فلما أفقتجعلت أذم نفسي وأستغفر مما جرى في نفسي فجاءني فقال " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده " (١) فقمت معه قال أبو ذر الهروي وسمعت عيسى بن أبي الخير سمعت أبي يقول الآن يدخل رجل عليه ثياب ذكرها فلما كان بعد ساعة قال أبي بين يديه ظلمة نعوذ بالله فلما ذخل سلم عليه أبي وقال من أين أتيت قال من الجبل الفلاني قال وما تعمل هناك قال أتزهد وأتعبد قال وأيش هذه الظلمة بين يديك فقال الرجل ليس إلا خير فسكت ثم رفع رأسه فقال أعوذ بالله أرى في عنقك رأسا ما هذا فبكى الرجل ولطم نفسه وقال أعلم أني بليت في شبابي بقتل وقد تبت من ذلك من سنين فما الحيلة قال ارجع إلى الجبل وأخلص النية لله فلعله يقبل توبتك وقال أبو الخير كنت واقفا أركع فإذا أنا بإبليس اللعين قد جاء في صورة حية عظيمة فتطوق بين يدي سجودي فنفضته وقلت يا لعين لولا أنك نجس لسجدت على ظهرك وقال كنت بأطرابلس الشام بعد عشاء الآخرة وقد مضى من الليل وقت فذكرت الحرم وطيبة (٢) فاشتد شوقي إليه فقلت أيش أعمل الساعة فسجدت ورفعت رأسي فإذا أنا في المسجد الحرام وقال أشرفت على (٣) فرأيت أكثر أهلها أصحاب (٤) والمرقعات قال فسمعت بعد ذلك عن بعض الفقراء أنه قال ما استوجبوا ذلك إلا بقلة (٥) قال أبو بكر بن محمد سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله ويعرف بابن أم راغب قال دخلت على الشيخ أبي الخير التيناتي في مسجده فإذا هو مع شخص يحدثه فقاللي يا إبراهيم اخرج ورد الباب فخرجت وجلست بالباب طويلا وكانت بي حاجة إليه فقلت في نفسي إن كانا في سر فقد فرغا ففتحت الباب ودخلت وإذا به جالس وحده فقلت حبيبي أين الرجل الذي كان معك فإنه لم يخرج فقال يا بني هو لا يخرج من الباب فقلت من هو قال هو الخضر فبكيت فقال لم تبكي قلت لو عرفت لسألته الدعاء ثم مضت مديدة ففتح على الشيخ نقود تركية فقال يا بني لو حملت إلى الأذنة فبعته وابتعت به حوائج ذكرها فانحدرت فاشتريت الحوائج وحملتها في كساء على ظهري فلقيت رجلا في الطريق فسلم علي وقد بقي إلى التينات ستة أميال فقال يا أخي قد تعبت فناولني أحمل عنك فناولته فحملها وجعل يحادثني بأخبار الصالحين حتى بلغنا التينات فدفعها وودعني وقال تقرأ على الشيخ مني السلام فقلت حبيبي أقول من قال هو يعرف فلما دخلت على الشيخ قال لي يا إبراهيم ما استحييت حملته ستة أميال ما حسدتك وحسدتني على كلامه إياي فبكيت وقلت هو هو قال هو هو ولا حيلة تبكي إذا لم تلقه وتبكي إذا لقيته قال أبو الحسن جعفر بن هارون السيرواني أنفذ أبو علي المستولي إلى أبي الخير الأقطع صرة دنانير مع أبي عوانة فأخذ الصرة فقسمها وجعلها قسمين ثم أخذ قسما وقال هذا يصلح لنا وذاك لا يصلح لنا فرد ما رده من الدنانير إلى أبي علي فدعا بوكلائه وقال من أين حملت هذه الدنانير قالوا وقفت على بغلة فبعناها على بعض الأخشادية فقال أبو علي من ها هنا أتينا قال أبو ذر سمعت عيسى يقول كان خيثمة بن سليمان يبعث كل سنة لي شيئا فلما كان بعض السنين بعث لي ذلك مع رجل فإذا بين الدراهم التي بتينات وبين الذي معه صرف فباع ما معه بدراهم تينات وأخذ الزيادة لنفسه ثم جاء إلي وأعطاني فخرج أبو الخير إلى طرابلس من يومه فإذا بخيثمة قد خرج إلى الصحراء لبعض شأنه فلما رآه عرفه وترجل له وقبل رأسه وقال له ما الذي أقدمك فقال كنت تبعث لنا في كل سنة بشئ طيب وهذا ليس بطيب والذنب للرسول ولكن لا تعاقبه ولا تستعمله أبدا وترك تلك الدراهم عنده ورجع فرجع الرسول بعد أيام قال خيثمة وكنت كتبت اليوم الذي رأيت فيه أبا الخير فقال قدمت تينات وسلمت إليه ما أمرتني في يوم كذا وكذا قال وهو اليوم الذي جاءني أبو الخير وبين تينات وبينطرابلس مسيرة أيام فوق العشرة فأخرجت إلى الرسول الصرة (١) وفزع فقلت لولا أنه قال أن لا أعاقبك لعاقبتك (٢) ولكن مر فليس تصلح لخدمتي قال أبو الخير (٣) من أحب أن يطلع الناس على عمله فهو مراء ومن أحب ألا يطلع الناس على حاله فهو مدع كذاب قال أبو القاسم بكر بن محمد المنذري سألني أبو حفص عمر بن عبد الله الأسواني (٤) عن أبي الخير التيناتي فقلت قد نحل جسمه فقال قربت وفاته قلت من أين قلت قال ما هو بمريد فتنحله الرياضة ولا بخائف تذيبه الهموم وما هو إلا يصفيه حتى يقبضه إليه قال فوصل الخبر بعد مديدة بوفاته ﵀ قال أبو القاسم سمعت أبا الخير التيناتي يقول بعثت إلى الثغور فبكيت فقيل لي هي محروسة ما عشت وفلان وفلان وفلان طائفة من الأخيار ما بقي منهم غيري كلهم ماتوا قال السلمي سمعت أبا الأزهر يقول عاش أبو الخير التيناتي مائة وعشرين سنة ومات سنة تسع وأربعين وثلاثمائة أو قريبا منه (٥) " حرف الدال " ٨٤٩٤ -
  • reviewable assessment hintkadhdhabneeds reviewmedium confidencepage 30325, entry [8723]344 chars
    وفزع فقلت لولا أنه قال أن لا أعاقبك لعاقبتك (٢) ولكن مر فليس تصلح لخدمتي قال أبو الخير (٣) من أحب أن يطلع الناس على عمله فهو مراء ومن أحب ألا يطلع الناس على حاله فهو مدع كذاب قال أبو القاسم بكر بن محمد المنذري سألني أبو حفص عمر بن عبد الله الأسواني (٤) عن أبي الخير التيناتي فقلت قد نحل جسمه فقال قربت وفاته قلت من أين قلت قال ما هو بمريد فتنحل
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 30325, entry [8723]344 chars
    لثغر أحببت أن ألقى أبا بكر التيناتي فعدلت إلى التينات فسألت صبيا على باب الزقاق كيف الطريق إلى مسجد الشيخ فقال ما أكثركم قد آذيتم هذا الشيخ الزمن (٣) كم تأكلون خبز هذا الضعيف فوقع في قلبي من قوله فاعتقدت ألا آكل (٤) طعاما ما دمت بتينات وأتيته فبت عنده ليلتين ما قدم لي شئ ولا عرض علي شيئا (٥) فلما خرجت وصرت بين الزيتون إذ به يصيح خلفي قف فالتف
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 30325, entry [8723]347 chars
    د صلاحه إليهم (٩) وقلب مملوء نفاقا فعلامته (١٠) الحقد والغل والغش والحسد وقال (١١) الدعوى رعونة لا يحتمل القلب إمساكها فيلقيها (١٢) إلى اللسان فتنطقبها ألسنة الحمقى (١) ولا يعرف الأعمى ما يبصره البصير من محاسنه وقباحه قال أبو القاسم القشيري (٢) ومنهم أبو الخير الأقطع مغربي الأصل سكن تينات وله كرامات وفراسة حادة كان كبير الشأن قال أبو الحسين القي

ابن منظور - مختصر تاريخ دمشق

full-text

— · 4 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 10150, entry [6683]17,672 chars
    أبو الخير الأقطع التيناتي وتينات من نواحي المصيصة، نسب إليها لأنه أقام بها، وأصله من المغرب. وقيل: إن اسمه حماد بن عبد الله. وكان أسود من العباد المشهورين، والزهاد المذكورين. صحب أبا عبد الله الجلاء. وسكن جبل لبنان أيضاً من نواحي دمشق، ودخل أطرابلس. حكى عنه أبو القاسم بكر بن محمد، وأبو علي الأهوازي،…
    ▸ expand full passage (17,672 chars)
    أبو الخير الأقطع التيناتي وتينات من نواحي المصيصة، نسب إليها لأنه أقام بها، وأصله من المغرب. وقيل: إن اسمه حماد بن عبد الله. وكان أسود من العباد المشهورين، والزهاد المذكورين. صحب أبا عبد الله الجلاء. وسكن جبل لبنان أيضاً من نواحي دمشق، ودخل أطرابلس. حكى عنه أبو القاسم بكر بن محمد، وأبو علي الأهوازي، وغيرهما. قال أبو عبد الرحمن السلمي: أبو الخير التيناتي. سكن جبل لبنان، وتينات على أميال من المصيصة، وأقام بها،وكان يعرف بأبي الخير الأقطع. وله آيات وكرامات. وكان ينسج الخوص بإحدى يديه لا يدري كيف ينسجه، وكان تأوي إليه السباع، ويأنسون به. لم تزل ثغور الشام محفوظةً أيام حياته إلى أن مضى لسبيله. ﵀. كان أبو الخير أصله من المغرب، وله كرامات وآيات يطول شرحها. وقال في كتاب الطبقات: ومنهم: أبو الخير الأقطع، وكان أوحد في طريقته في التوكل، كان يأنس إليه السباع والهوام، وكان حاد الفراسة، مات سنة نيف وأربعين وثلاثمائة. قال أبو الخير: دخلت مدينة الرسول ﷺ، وأنا بفاقة، فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذواقاً، فتقدمت إلى القبر، وسلمت على النبي ﷺ، وعلى أبي بكر وعمر ﵄ وقلت: أنا ضيفك الليلة يا رسول الله، وتنحيت، ونمت خلف المنبر، فرأيت في المنام النبي ﷺ، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعلي بن أبي طالب بين يديه. فحركني علي، وقال لي: قم، قد جاء رسول الله ﷺ. قال: فقمت إليه، وقبلت بين عينيه، فدفع إلي رغيفاً، فأكلت نصفه، فانتبهت، فإذا في يدي نصف رغيف. وقال أبو الخير: لن يصفو قلبك إلا بتصحيح النية لله تعالى، ولن يصفو بدنك إلا بخدمة أولياء الله تعالى. وقال أبو الخير: ما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة، ومعانقة الأدب، وأداء الفرائض، وصحبة الصالحين، وخدمة الفقراء الصادقين.وقال: حرام على قلب مأسور بحب الدنيا أن يسبح في روح الغيوب. وقال: القلوب ظروف، فقلب مملوء إيماناً، فعلامته الشفقة على جميع المسلمين، والاهتمام بما يهمهم، ومعاونتهم على ما يعود صلاحه إليهم. وقلب مملوء نفاقاً، فعلامته الحقد، والغل، والغش، والحسد. وقال: الدعوى رعونة لا يحتمل القلب إمساكها، فيلقيها إلى اللسان، فينطق بها ألسنة المقى، ولا يعرف الأعمى ما يبصره البصير من محاسنه وقبائحه. قال أبو القاسم القشيري: ومنهم أبو الخير الأقطع. مغربي الأصل. سكن تينات، وله كرامات، وفراسة حادة. كان كبير الشأن. قال أبو الحسين القيرواني: زرت أبا الخير التيناتي، فلما ودعته خرج معي إلى باب المسجد، فقال: يا أبا الحسين، أنا أعلم أنك لا تحمل معك معلوماً، ولكن احمل هاتين التفاحتين، فأخذتهما، ووضعتهما في جيبي وسرت. فلم يفتح لي بشيء ثلاثة أيام، فأخرجت واحدةً منهما، فأكلتها، ثم أردت أن أخرج الثانية فإذا هما في جيبي، فكنت آكل منهما، وتعودان، إلى باب الموصل؛ فقلت في نفسي: إنهما تفسدان علي حال توكلي إذا صارتا معلوماً لي، فأخرجتهما من جيبي بمرة، فنظرت، فإذا فقير ملفوف في عباءة يقول: أشتهي تفاحة، فناولتهما إياه، فلما عبرت وقع لي أن الشيخ إنما بعث بهما إليه، وكنت في رفقة في الطريق، فانصرفت إلى الفقير، فلم أجده. قال أبو نعيم الأصبهاني: سمعت غير واحد ممن لقي أبا الخير يقول: إن سبب قطع يده أنه كان عاهد الله ألايتناول بشهوة نفسه شيئاً مشتهى، فرأى يوماً بجبل لكام شجرة زعرور، فاستحسنها، فقطع منها غصناً، فتناول منها شيئاً من الزعرور، فذكر عهده، فتركه. ثم كان يقول: قطعت غصناً فقطع مني عضو. قال أبو ذر الهروي: سمعت عيسى بن أبي الخير التيناتي بمصر وكان رجلاً صالحاً وقلت له: لم كان أبوك أقطع؟ قال: ذكر لي أنه كان عبداً أسود. قال: فضاق صدري في الملك، فدعوت الله، فأعتقت، فكنت أجيء إلى الإسكندرية، فأحتطب، وأتقوت بثمنه، وكنت أدخل المسجد أقف على الحلق، وأعلم أنهم لا يعلموني شيئاً، لأني عبد أسود، فكنت أقف عليهم، فيسهل الله على لسانهم ما كنت أريد أن أسأل عنه، فأحفظه، وأستعمل ذلك. ذكرت مرةً حكاية يحيى بن زكريا وما عملوا به، فقلت في نفسي: إن الله ابتلاني بشيء في بدني صبرت. ثم خرجت إلى الثغر بطرسوس، وكنت آكل المباحات، ومعي حجفة وسيف. وكنت أغزو العدو مع الناس، فآواني الليل إلى غار هناك، فقلت في نفسي: إني أزاحم الطير في أكل المباحات، فنويت ألا مررت بعد ذلك بشجرة، فقطعت منها شيئاً، فلما أردت ذكرت، فرميته، ثم دخلت المغارة بالليل، فإذا هناك قطعوا الطريق، ودخلوا إلى الغار قبلي ولم أعلم، فلما دخلت إلى هناك، فإذا نحن بصاحب الشرطة يطلبهم، فدخل الغار، فأخذهم، وأخذني معهم، فقدموا جميعاً، فقطعوا. فلما قدمت قال اللصوص: لم يكن هذا الأسود معنا، وكان أهل الثغر يعرفونني، فغطى الله عنهم حتى قطعوا يدي، فلما مدوا رجلي قلت: يا رب، هذه يدي قطعت لعقد عقدته، فما بالي رجل؟؟! فكأنه كشف عنهم، وعرفوني، وقالوا: هذا أبو الخير! واغتموا. فلما أرادوا أن يغمسوا يدي في الزيت امتنعت، وخرجت، ودخلت الغار، وبت ليلة عظيمة، فأخذني النوم، فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت: يارسول الله، فعلوا بي وفعلوا، فأخذ يدي المقطوعة، فقبلها، فأصبحت ولا أجد ألم الجرح، وقد عوفيت. وقال ابن جهضم: حدثني بكر بن محمد قال: كنت عند الشيخ أبي الخير بالتينات، فبسط محادثته لي إلى أن هجمت عليه، فسألته عن سبب قطع يده، وما كان منه، فقال: يد جنت فقطعت. فظننت أنه كانت له صبوة في حداثته في قطع طريق أو نحوه مما أوجب ذلك، فأمسكت. ثم اجتمعت معه بعد ذلك بسنين مع جماعة من الشيوخ، فتذاكروا مواهب الله لأوليائه، وأكثروا كرامات الله لهم، إلى أن ذكروا طي المسافات، فتبرم الشيخ بذلك، فقال: لم يقولون: فلان مشى إلى مكة في ليلة، وفلان مشى في يوم؟ أنا أعرف عبداً من عبيد الله حبشياً كان جالساً في جامع أطرابلس، ورأسه في جيب مرقعته، فخطر له طيبة الحرم، فقال في سره: يا ليتني كنت بالحرم، ثم أمسك عن الكلام. فتغامز الجماعة، وأجمعوا على أنه ذلك الرجل. وقال أبو القاسم بكر بن محمد: كنت عند أبي الخير التيناتي وجماعة اجتمعوا على أن يسألوه عن سبب قطع يده، فقال: يد جنت، فقطعت. فقيل: قد سمعنا منك هذا مراراً كثيرةً، أخبرنا كيف سببه؟ فقال: نعم. أنتم تعلمون أني من أهل المغرب، فوقعت في مطالبة السفر، فسرت حتى بلغت إسكندرية، فأقمت بها اثنتي عشرة سنةً، ثم سرت منها إلى أن صرت بين شطا ودمياط، فأقمت أيضاً اثنتي عشرة سنةً. فقيل له: مكانك، إلى ها هنا انتهينا، الإسكندرية بلد عامر، أمكن أن تقيم بها، بين شطا ودمياط لا زرع ولا ضرع، أي شيء كان قوتك اثنتي عشرة سنةً؟ فقال: نعم، كان في الناس خير في ذلك الزمان، وكان يخرج من مصر خلقكثير يرابطون بدمياط، وكنت قد بنيت كوخاً على شط الخليج، فكنت أجيء من الليل إلى تحت السور، فإذا أفطر المرابطون نفضوا سفرهم خارج السور، فأزاحم الكلاب على قمامة السفر، فآخذ كفايتي، فكان هذا قوتي في الصيف. فقالوا: ففي الشتاء؟ قال: نعم، كان ينبت حول الكوخ من هذا البردي الجافي، فيخصب في الشتاء، فأقلعه، فما كان منه في التراب يخرج غضاً أبيض، فآكله، وأرمي بالأخضر الجافي. فكان هذا قوتي إلى أن نوديت في سري: يا أبا الخير، تزعم أنك لا تزاحم الخلق في أقواتهم، وتشير إلى التوكل، وأنت في وسط المعلوم جالس؟ فقلت: إلهي وسيدي ومولاي، وعزتك لا مددت يدي إلى شيء مما تنبت الأرض حتى تكون أنت الموصلي إلى رزقي من حيث لا أكون أنا أتولى فيه. فأقمت اثني عشر يوماً أصلي الفرض وأتنفل، ثم عجزت عن النافلة، فأقمت اثني عشر يوماً أصلي الفرض لا غير، ثم عجزت عن القيام، فأقمت اثني عشر يوماً أصلي جالساً، ثم عجزت عن الجلوس، فرأيت إن طرحت نفسي ذهب فرضي. فلجأت إلى الله بسري، وقلت: إلهي وسيدي ومولاي افترضت علي فرضاً تسألني عنه، وضمنت لي رزقاً فتفضل علي برزقي، ولا تؤاخذني بما اعتقدته معك، فوعزتك لأجتهدن ألا أخالف عقدي الذي عقدته معك. فإذا بين يدي رغيفان وربما قال: قرصان بينهما شيء ولم يذكر الشيء فكنت آخذه على دوار وقتي من الليل إلى الليل. ثم طولبت بالمسير إلى الثغر، فسرت حتى دخلت مصر، وكان ذلك يوم جمعة، فوجدت في صحن الجامع قاصاً يقص على الناس، وحوله حلقة، فوقفت بينهم أسمع ما يقول فذكر قصة زكريا والمنشار، وما كان من خطاب الله له حين هرب منهم، فنادته الشجرة: إلي يا زكريا، فانفرجت له، فدخلها، ثم أطبقت عليه، ولحقه العدو، فتعلق بطرف عبائه، وناداهم: إلي، فهذا زكريا! ثم أخرج لهم حيلة المنشار، فنشرت الشجرة حتى بلغ المنشار رأس زكريا، فأن منه أنةً، أوحى الله تعالى: يا زكريا، لئنصعدت منك إلي أنة ثانية لأمحونك من ديوان النبوة. فعض زكريا على الصير حتى قطع بشطرين فقلت في نفسي: لقد كان زكريا صابراً، إلهي وسيدي ومولاي لئن ابتليتني لأصبرن. ثم سرت حتى دخلت أنطاكية، فرآني بعض إخواني، وعلم أني أريد الثغر، فدفع إلي سيفاً وترساً وحربةً للسبيل، فدخلت الثغر، وكنت حينئذ أحتشم من الله أن أرى وراء سور خيفة العدو، فجعلت مقامي بالنهار في غابة أكون فيها، وأخرج باللي إلى شط البحر، فأغرز الحربة على الساحل، وأشد الترس إليها محراباً، وأتقلد سيفي، وأصلي إلى الغداة، فإذا صليت الصبح غدوت إلى الغابة، فكنت فيها نهاري أجمع. فبدرت في بعض الأيام، فبصرت بشجرة بطم قد بلغ بعضه أخضر، وبعضه أحمر، قد وقع عليه الندى، وهو يبرق، فاستحسنته، وأنسيت عقدي مع الله، وقسمي به أني لا أمد يدي إلى شيء مما تنبت الأرض، فرددت يدي إلى الشجرة، فقطعت منها عنقوداً، وجعلت بعضه في فمي ألوكه، فذكرت العقد، فرميت ما في يدي، وبزقت ما في فمي، وقلت: حلت المحنة، ورميت الترس والحربة، وجلست موضعي يدي على رأسي. فما استقر جلوسي حتى دار بي فرسان، وقالوا لي: قم. فساقوني إلى أن أخرجوني إلى الساحل، فلما قدمت إلى الأمير، وكان رجلاً تركياً، قال لي: أيش أنت ويلك؟ قلت: عبد من عبيد الله، فقال للسودان: تعرفونه؟ قالوا: لا، قال: بلى، هو رئيسكم، وإنما تفدونه بنفوسكم، لأقطعن أيديكم وأرجلكم. فقدموهم، فلم يزل يقدم رجلاً رجلاً يقطع أيديهم حتى انتهى إلي آخرهم، فقال لي: تقدم، مد يدك، فمددتها، فقطعت، ثم قال لي: مد رجلك، فمددتها، فرفعت سري إلى السماء وقلت: إلهي وسيدي ومولاي، يدي جنت، رجلي أيش عملت؟! فإذا بفارس قد أقبل وقف على الحلقة، ورمى نفسه إلى الأرض، وصاح: أيش تعملون، تريدون أن تنطبق الخضراء على الغبراء؟ هذا رجل صالح يعرف بأبي الخير المناجي وكنت حينئذ أعرف بالمناجي فرمى الأمير نفسه عن فرسه، وأخذ يدي المقطوعة من الأرض يقبلها، وتعلق بي يقبل صدري، ويشهق، ويبكي، ويقول: ما علمت، سألتك بالله اجعلني في حل. فقلت: جعلتك في حل من أول ما قطعتها، هذه يد جنت فقطعت. ة من الأرض يقبلها، وتعلق بي يقبل صدري، ويشهق، ويبكي، ويقول: ما علمت، سألتك بالله اجعلني في حل. فقلت: جعلتك في حل من أول ما قطعتها، هذه يد جنت فقطعت.وقال أبو الخير: جاورت بمكة سنة من السنين، ومر علي بها شدائد، وهمت نفسي بالسؤال، فهتف بي هاتف: أما يستحي الوجه الذي تسجد لي به أن تبذله لغير؟! فجلست. وقال أبو الخير: من أنس بالله لم يستوحش من شيء. قال أبو سعد إسماعيل بن علي الواعظ: سمعت جماعة من مشايخنا: أن يوماً صلوا خلف أبي الخير الأقطع، فلما سلم قال رجل: لحن الشيخ. ففي نصف الليل خرج إلى البراز، فرأى أسداً والشيخ يطعمه، فغشي على الرجل، فقال الشيخ: منهم من يكون لحنه في قلبه، ومنهم من يكون يلحن بلسانه. قال السلمي: سمعت جدي إسماعيل بن نجيد يقول: دخل على أبي الخير الأقطع بعض البغداديين، وقعدوا يتكلمون بين يديه، وضاق صدره، فخرج، فلما خرج جاء السبع، ودخل البيت، فسكتوا، وانضم بعضهم إلى بعض، وتغيرت ألوانهم، فدخل عليهم أبو الخير وقال: يا سادتي، أين تلك الدعاوى؟ قال أبو القاسم القشيري: وأبو الخير التيناتي مشهور بالكرامات. حكي عن إبراهيم الرقي أنه قال: قصدته مسلماً، فصلى صلاة المغرب، فلم يقرأ الفاتحة مستوياً، فقلت في نفسي: ضاعت سفرتي. فلما سلمت خرجت للطهارة، فقصدني السبع، فعدت إليه فقلت: أن الأسد قصدني، فخرج، وصاح على الأسد. وقال: ألم أقل لك لا تتعرض لضيفاني؟ فتنحى. وتطهرت، فلما رجعت قال: اشتغلتم بتقويم الظاهر فخفتم الأسد، واشتغلنا بتقويم القلب فخافنا الأسد. قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: بكرت يوماً إلى أبي عثمان المغربي، فقعدت معه إلى أن أذنوا لصلاة الظهر، ثم قلت:آذيت الشيخ. قال: ثم أقبل علي فقال: أنا لا أعرف الناس، قد كان رجل بمكة يحمل إلي الطعام ثلاث سنين وأنا لا أعرف اسمه، ولكن أجدني قد أنست إليك، فاعلم أن طريق السالكين أحكم من طريق أهل الروايات؛ هذا الأسود الذي كان بالشام يعني أبا الخير الأقطع خرج إليه إبراهيم بن المولد من العراق، فوصل إليه عند المساء، فنزل، وتطهر، وصلى معه صلاة العتمة، فازدرى به لقراءته، ففطن أبو الخير لذلك، فلما جن عليه الليل أخذ إبراهيم ركوته، وذهب يجدد وضوءاً، فبينا هو على ذلك إذ جاء سبع، فوقف عليه، فترك إبراهيم ركوته وعدا إلى المسجد، فأدركه أبو الخير، فقال: مالك؟ قال: سبع! فخرج أبو الخير، وأخذ بأذن السبع. وقال: يا أبا الحارث، ألم أقل لك لا تؤذ الناس! وأخذ ركوة إبراهيم وردها إليه. قال أبو القاسم بكر بن محمد: ورد على أبي الخير رجل فقيه من العراق، فلما وجبت صلاة العشاء خرج إلى المسجد وضيفه معه، فتقدم الشيخ، فصلى بهم، وكان في لسانه عجمة الحبش، فلما فرغ من الصلاة قام الفقيه فأعاد صلاته التي صلاها خلفه، فلما كان من غد قدم الشيخ ضيفه فقال: تقدم، صل بنا الصبح، فإنك تحقق القراءة أكثر مني، فتقدم الرجل، وصلى بالشيخ والجماعة، ثم خرج الرجل بين الآجام، فإذا به يصرخ، فخرج الشيخ فدخل الأجمة، فإذا بالرجل ملقىً على ظهره، والسبع على صدره، فتقدم الشيخ إلى السبع، فأخذ أذنه وقال: ويحك تخيف ضيفي!؟ ونحاه عن صدره، فأقام الرجل مغشياً عليه ساعةً، وحمل إلى المسجد، فلما أفاق قال له الشيخ: يا هذا، لو حققت يقينك كما حققت قراءتك لكنت أحد رجال الله، ففطن الرجل وقال: أيها الشيخ التوبة، فقال: يا هذا، لا يعرج إلى السماء إلا كما نزل منها محققاً، ولي اجتهادك، فصوب يقينك كما صوبت قراءتك، ارفع سوء الظن عن عباد الله. فقال: سمعاً لك وطاعةً. قال أبو ذر الهروي: سألت عيسى بن أبي الخير: كيف كان حديث السبع معك؟ قال: كان أبي يخرج خارج الحصن، وعنده آجام كثيرة، وسباع، وكان أبي يضرب السبع ويقول: لا تؤذ أصحابي. فلما كان ذات يومقال: ادخل القرية فأتني بعيش، فتركت ما أمرني واشتغلت ألعب مع الصبيان بجفنة العشاء، فغضب علي، فقال: لأحملنك وأبيتنك في الأجمة، فأخذني تحت إبطه وحملني إلى أجمة بعيدة لا أهتدي للطريق منها، ورماني هناك ورجع، فلم أزل أبكي وأصيح، ثم أخذني النوم، فانتبهت قريب السحر، فإذا أنا بالسبع إلى جنبي، وأبي قائم يصلي، فلما فرغ قال له: قم فإن رزقك على الساحل. فقام السبع ومضى، ثم نمت، فلما أصبحت انتبهت وأبي قد ذهب، فخرجت من الأجمة، وعرفت الطريق، وجئت إلى أبي. قال أبو الحسن بن زيد: ما كنا ندخل على أبي الخير وفي قلبنا سؤال إلا تكلم علينا من ذلك الموضع من غير أن نسأله. قال حمزة بن عبد الله العلوي: دخلت على أبي الخير التيناتي، وكنت اعتقدت في نفسي أن أسلم عليه وأخرج ولا آكل عنده طعاماً. فلما خرجت من عنده ومشيت إذا به خلفي، وقد حمل طبقاً عليه طعام، فقال: يا فتى، كل هذا فقد خرجت الساعة من اعتقادك. قال أبو الحسن علي بن محمود الزوزني الصوفي: كان أبو الخير التيناتي صاحب مشاهدة، وكان يسميني: غلام الله، وكنت أنبسط إليه. فقلت: يا سيدي، بأيش وصلت إلى هذه الحال؟ فقال: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقبل صدري، فأنا أرى من خلفي كما أرى من قدامي. قال: وسمعت العراقي يحكي: إني كنت ماضياً إلى التينات أزور الشيخ، فالتقيت بإنسان بغدادي، فقال لي: إلى أين تمضي؟ فقلت: إلى التينات أزور الشيخ، فقال: إن نقم بزيارة إليه الساعة، ندخل عليه ويقدم لنا الخبز واللبن، وأنا لا أتمكن من أكله فإني صفراوي. فدخلنا على الشيخ،فقام ودخل إلى بيته، وجاء على يده قصعة فيها لبن وخبز، وقال: كل أنت هذا، وفي يده الأخرى رمان حلو وحامض، فتركه بين يدي البغدادي، فقال: كل أنت هذا، ثم قال لي: من أين صحبت هذا فإنه بدعي؟ وما كنت سمعت منه شيئاً. فلما كان بعد عشر سنين رأيته بتنيس وهو تاجر، وإذا به معتزلي محض. قال عبد العزيز البحراني وكان يمشي حافياً في أسفاره قال: خرجت من البصرة حافياً ونعلي بيدي، إذا وصلت إلى بلد تحظيت فيهما، وإذا خرجت حملتهما بيدي إلى أن دخلت الثغر، فلما عدت من الغزو، وأردت الخروج من الثغر أحببت أن ألقى أبا الخير التيناتي، فعدلت إلى التينات، فسألت صبياً على باب الزقاق: كيف الطريق إلى مسجد الشيخ؟ فقال: ما أكثركم! قد آذيتم هذا الشيخ الزمن، كم تأكلون خبز هذا الضعيف؟ فوقع في قلبي من قوله، فاعتقدت ألا آكل طعاماً ما دمت بتينات. وأتيته، فبت عنده ليلتين ما قدم لي شيئاً، ولا عرض علي شيئاً. فلما خرجت، وصرت بين الزيتون إذا به يصيح خلفي: قف. فالتفت، فإذا به، فقلت: انا أرجع إليك، فاستقبلته، فدفع إلي ثلاثة أرغفة ملطوخة بلبن، وقال لي: كل هذه فقد خرجت من عقدك، ثم قال: أما سمعت قول النبي ﷺ: إن الضيف إذا نزل نزل برزقه؟ فقلت: بلى، قال: فلم شغلت قلبي بقول صبي؟ فاعتذرت إليه، وسرت. وقال أبو الحسن العراقي: قدم أبو الخير تنيس، فقال لي: قم نصعد السور نكبر، فصعدت معه، ثم قلت في نفسي ونحن على السور: هذا عبد أسود قد نال ما هو فيه، فالتفت إلي وقال: " يَعْلَمُ ما في أنفسِكُمْ فاحْذَرُوه "، فلما سمعت ذلك فزعت، وغشي علي، فمر وتركني، فلما أفقت جعلت أذم نفسي، وأستغفر مما جرى في نفسي، فجاءني، فقال: " وهو الذي يقبلُ التوبةَ عَنْ عِبادِهِ ". فقمت معه.قال أبو ذر الهروي: وسمعت عيسى بن أبي الخير، سمعت أبي يقول: الآن يدخل رجل عليه ثياب ذكرها فلما كان بعد ساعة قال أبي: بين يديه ظلمة نعوذ بالله. فلما دخل سلم عليه أبي وقال: من أين أتيت؟ قال: من الجبل الفلاني، قال: وما تعمل هناك؟ قال: أتزهد وأتعبد، قال: وأيش هذه الظلمة بين يديك؟ فقال الرجل: ليس إلا خير. فسكت، ثم رفع رأسه فقال: أعوذ بالله! أرى في عنقك رأساً، ما هذا؟ فبكى الرجل، ولطم نفسه، وقال: اعلم أني بليت في شبابي بقتل، وقد تبت من ذلك من سنين، فما الحيلة؟ قال: ارجع إلى الجبل، وأخلص النية لله، فلعله يقبل توبتك. وقال أبو الخير: كنت واقفاً أركع، فإذا أنا بإبليس اللعين قد جاء في صورة حية عظيمة، فتطوق بين يدي سجودي، فنفضته وقلت: يا لعين، لولا أنك نجس لسجدت على ظهرك. وقال: كنت بأطرابلس الشام بعد عشاء الآخرة، وقد مضى من الليل وقت، فذكرت الحرم وطيبة، فاشتد شوقي إليه، فقلت: أيش أعمل الساعة؟ فسجدت، ورفعت رأسي، فإذا أنا في المسجد الحرام. قال بكر بن محمد: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله ويعرف بابن أم راغب قال: دخلت على الشيخ أبي الخير التيناتي في مسجده، فإذا هو مع شخص يحدثه، فقال لي: يا إبراهيم، اخرج ورد الباب، فخرجت، وجلست بالباب طويلاً، وكانت بي حاجة إليه، فقلت في نفسي: إن كانا في سر فقد فرغا. ففتحت الباب، ودخلت، وإذا به جالس وحده، فقلت: حبيبي، أين الرجل الذي كان معك، فإنه لم يخرج؟ فقال: يا بني، هو لا يخرج من الباب، فقلت: من هو؟ قال: هو الخضر، فبكيت، فقال: لم تبكي؟ قلت: لو عرفته لسألته الدعاء. ثم مضت مديدة، ففتح على الشيخ نقود تركية، فقال: يا بني، لو حملت إلى الأذنة فبعته، وابتعت به حوائج ذكرها. فانحدرت، فاشتريت الحوائج، وحملتها في كساء على ظهري، فلقيت رجلاً في الطريق، فسلم علي،وقد بقي إلى التينات ستة أميال، فقال: يا أخي قد تعبت، فناولني أحمل عنك، فناولته، فحملها، وجعل يحادثني بأخبار الصالحين حتى بلغنا التينات، فدفعها، وودعني، وقال: تقرأ على الشيخ مني السلام، فقلت: حبيبي، أقول من؟ قال: هو يعرف. فلما دخلت على الشيخ قال لي: يا إبراهيم، ما استحييت، حملته ستة أميال؟ ما حسدتك، وحسدتني على كلامه إياي؟ فبكيت، وقلت: هو هو؟ قال: هو هو ولا حيلة، تبكي إذا لم تلقه، وتبكي إذا لقيته! قال أبو ذر: سمعت عيسى يقول: كان خيثمة بن سليمان يبعث كل سنة لي شيئاً. فلما كان بعض السنين بعث لي ذلك مع رجل، فإذا بين الدراهم التي بتينات وبين الذي معه صرف، فباع ما معه بدراهم تينات، وأخذ الزيادة لنفسه، ثم جاء إلي، وأعطاني، فخرج أبو الخير إلى طرابلس من يومه، فإذا بخيثمة قد خرج إلى الصحراء لبعض شأنه، فلما رآه عرفه. وترجل له. وقبل رأسه، وقال له: ما الذي أقدمك؟ فقال: كنت تبعث لنا في كل سنة بشيء طيب، وهذا ليس بطيب، والذنب للرسول، ولكن لا تعاقبه، ولا تستعمله أبداً. وترك تلك الدراهم عنده ورجع، فرجع الرسول بعد أيام قال خيثمة: وكنت كتبت اليوم الذي رأيت فيه أبا الخير فقال: قدمت تينات وسلمت إليه ما أمرتني في يوم كذا وكذا. قال: وهو اليوم الذي جاءني أبو الخير، وبين تينات وبين طرابلس مسيرة أيام فوق العشرة، ولكن مر، فليس تصلح لخدمتي. قال أبو الخير: من أحب أن يطلع الناس على عمله فهو مراء، ومن أحب ألا يطلع الناس على حاله فهو مدع كذاب. قال أبو القاسم بكر بن محمد المنذري: سألني أبو حفص عمر بن عبد الله الأسواني عن أبي الخير التيناتي فقلت: قد نحل جسمه، فقال: قربت وفاته، قلت: من أين قلت؟ قال: ما هو بمريد فتنحله الرياضة، ولا بخائف تذيبه الهموم، وما هو إلا يصفيه حتى يقبضه إليه. قال: فوصل الخبر بعد مديدة بوفاته ﵀.قال أبو القاسم: وسمعت أبا الخير التيناتي يقول: بعثت إلى الثغور، فبكيت، فقيل لي: هي محروسة ما عشت، وفلان، وفلان، وفلان طائفة من الأخيار ما بقي منهم غيري، كلهم ماتوا. قال السلمي: سمعت أبا الأزهر يقول: عاش أبو الخير التيناتي مائة وعشرين سنة، ومات سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، أو قريباً منه.
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 10150, entry [6683]344 chars
    حببت أن ألقى أبا الخير التيناتي، فعدلت إلى التينات، فسألت صبياً على باب الزقاق: كيف الطريق إلى مسجد الشيخ؟ فقال: ما أكثركم! قد آذيتم هذا الشيخ الزمن، كم تأكلون خبز هذا الضعيف؟ فوقع في قلبي من قوله، فاعتقدت ألا آكل طعاماً ما دمت بتينات. وأتيته، فبت عنده ليلتين ما قدم لي شيئاً، ولا عرض علي شيئاً. فلما خرجت، وصرت بين الزيتون إذا به يصيح خلفي: قف
  • reviewable assessment hintkadhdhabneeds reviewmedium confidencepage 10150, entry [6683]341 chars
    وبين تينات وبين طرابلس مسيرة أيام فوق العشرة، ولكن مر، فليس تصلح لخدمتي. قال أبو الخير: من أحب أن يطلع الناس على عمله فهو مراء، ومن أحب ألا يطلع الناس على حاله فهو مدع كذاب. قال أبو القاسم بكر بن محمد المنذري: سألني أبو حفص عمر بن عبد الله الأسواني عن أبي الخير التيناتي فقلت: قد نحل جسمه، فقال: قربت وفاته، قلت: من أين قلت؟ قال: ما هو بمريد
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 10150, entry [6683]347 chars
    م على ما يعود صلاحه إليهم. وقلب مملوء نفاقاً، فعلامته الحقد، والغل، والغش، والحسد. وقال: الدعوى رعونة لا يحتمل القلب إمساكها، فيلقيها إلى اللسان، فينطق بها ألسنة المقى، ولا يعرف الأعمى ما يبصره البصير من محاسنه وقبائحه. قال أبو القاسم القشيري: ومنهم أبو الخير الأقطع. مغربي الأصل. سكن تينات، وله كرامات، وفراسة حادة. كان كبير الشأن. قال أبو الحسين

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ت زكار

full-text

— · 2 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 4358, entry [1991]11,096 chars
    أبو الخير الاقطع التيناتي: المغربي، وكان يقال له المباحي لأكله من المباحات، وقيل اسمه حماد بن عبد الله، وكان أسود اللون مغربيا، فسكن التينات وهي على أميال من المصيصة، وقد ذكرناها في صدر كتابنا هذا (¬١)، فنسب اليها وانما قيل له الاقطع لانه كان في جبال أنطاكية يطلب المباح، وكان عاهد الله ألا يشارك الط…
    ▸ expand full passage (11,096 chars)
    أبو الخير الاقطع التيناتي: المغربي، وكان يقال له المباحي لأكله من المباحات، وقيل اسمه حماد بن عبد الله، وكان أسود اللون مغربيا، فسكن التينات وهي على أميال من المصيصة، وقد ذكرناها في صدر كتابنا هذا (¬١)، فنسب اليها وانما قيل له الاقطع لانه كان في جبال أنطاكية يطلب المباح، وكان عاهد الله ألا يشارك الطير في مأكولاتها، فرأى شجرة فيها ثمر فأكل منها، ونسي معاهدته، فاتفق ان تناش أمير الثغر، اتفق بلصوص (٧٨ - ظ) فأمسكهم، وأخذه في الجملة، فقطع أيديهم وأرجلهم، وقطع يده معهم وأمسك عن رجله، وسنذكر صورة حاله في هذه الترجمة ان شاء الله. روى عنه أبو القاسم بكير بن محمد، وعبد العزيز البحراني، وأبو الحسين أحمد بن الحسين الرازي، وأبو الحسين القيرواني، وأبو علي الاهوازي، وأبو الحسن محمد بن يزيد، وأبو بكر محمد بن عبد الله الرازي، ومنصور بن عبد الله الاصبهاني، وأبو بكر أحمد بن محمد الجيلي، وابراهيم بن داود الرقي، وابنه عيسى بن أبي الخير، وحمزة بن عبد الله العلوي، وأبو الحسن علي بن محمود الزوزني الصوفي، وأبو الحسن علي بن الحسن العابد، وأبو عمرو عثمان بن سعيد ابن عثمان الاسدي، وأبو الحسن البغراسي، وأبو بكر محمد بن خميس الصوفي، ومنصور بن عبد الله، وعبد الله بن محمد الشيحي. أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن رواحة الانصاري قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد الاصبهاني-اجازة ان لم يكن سماعا-قال: حدثنا أبو الحسين بن عبد الجبار الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن علي الصورييقول: سمعت أبا عمرو عثمان بن سعيد الاسدي يقول: قصدت زيارة أبي الخير التيناتي، فلما حصلت عنده رمى اليّ حبلا، فقال: خذ هذا فاصعد الجبل فاقطع حزمة حطب فبعها بدانقين فتقوت بدانق وتصدق بدانق، فقلت: قد ضاقت خزانة مولاي حتى أحمل الحطب وأطعم عباده (٧٩ - و) فصاح وقال: الحلال، ثم القرآن ثم الله ﷿، فبالحلال يستعان على القرآن، وبالقرآن يعرف الله ﷿. أخبرنا أبو محمد عبد اللطيف بن محمد بن يوسف-فيما أذن لنا أن نرويه عنه-قال: أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقي قال: أخبرنا حمد بن أحمد قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: سمعت غير واحد ممن لقي أبا الخير الاقطع، ان سبب قطع يده انه كان قد عاهد الله ان لا يتناول بشهوة نفسه شيئا مشتهى فرأى يوما بجبل لكام شجرة زعرور، فاستحسنها فقطع منها غصنا، فتناول منها شيئا من الزعرور، فذكر عهده وتركه، ثم كان يقول: قطعت عضوا فقطع مني عضو (¬١). أخبرنا الحافظ أبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي-في كتابه-قال: أخبرنا الخطيب أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي قال: أخبرنا أحمد ابن عبد القادر بن محمد بن يوسف قال: أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي ابن أحمد بن الفضل قال: حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن الحسن بن جهضم الهمذاني قال: حدثنا بكير بن محمد قال: كنت عند الشيخ أبي الخير بالتينات فبسطني بمحادثته لي بذكر بدايته الى أن تهجمت عليه، فسألته عن سبب قطع يده، وما كان منه فقال: يد جنت فقطعت، فظننته أنه كانت له صبوة في حداثته من قطع طريق أو نحوه مما أوجب ذلك، فأمسكت، ثم اجتمعت معه (٧٩ - ظ) بعد ذلك بسنين مع جماعة من الشيوخ فيهم أبو الحسن علي البغراسي، وأبو سليمان التل سابي، وأبو جعفر الجبّائي، وابراهيم بن امام راغب، فتذاكروا مواهب الله ﷿ لاوليائه وأكثروا ذكر كرامات الله ﷿ لهم، الى أن ذكروا طي المسافات، فتبرم الشيخ بذلك فقال: كم يقولون فلان مشى الى مكة في ليلة، وفلان مشى في يوم، أنا أعرف عبدا من عبيد الله ﷿ حبشي، كان جالسا في جامع اطرابلسورأسه في جيب مرقعته فخطر له طيبة الحرم، فقال في سره يا ليتني كنت بالحرم، فأخرج رأسه من مرقعته فاذا هو في الحرم، ثم أمسك عن الكلام، فتغامز الجميع واتفقوا على أنه ذلك الرجل. ثم قال أحدهم: تسأل الجماعة الشيخ أيده الله أن يخبرهم بسبب قطع يده، فقال كما قال لي: يد جنت فقطعت، فقيل: قد سمعنا منك هذا مرارا كثيرة أخبرنا كيف كان سببه؟ فقال: نعم أنتم تعلمون أني من أهل الغرب، فوقعت لي مطالبة السفر فسرت حتى بلغت الاسكندرية، فأقمت بها اثني عشرة سنة، ثم سرت منها فبلغت ما بين شطا ودمياط، فأقمت اثني عشرة سنة، فقيل له: اسكندرية بلد عامر أمكنك القيام بها اثنا عشر سنة، وبين دمياط وشطا مفازة لا زرع ولا ضرع فما (٨٠ - و) كان قوتك؟ فقال: نعم كان في الناس خير في ذلك الزمان، وكان يخرج من مصر خلق كثير يرابطون بدمياط، وكنت بنيت كوخا على شط خليج، فكنت أجيء من ليل الى ليل الى تحت السور، فاذا أفطروا المرابطين ونفضوا سفرهم خارج السور زاحمت الكلاب على قمامة السفر فآخذ كفايتي، فكان ذلك قوتي صيفا، قالوا: ففي الشتاء؟ قال: نعم كان ينبت حول الكوخ من هذا البردي الجافي فيخصب في الشتاء فأقلعه مما كان منه في التراب يخرج غصن أبيض فآكله، وأرمي بالأخضر الجاسي، فكان هذا قوتي الى أن نوقرت في سري: يا أبا الخير تزعم أنك لا تشارك الخلق في أقواتهم وتشير الى التوكل، وأنت في وسط المعلوم جالس فقلت: الهي وسيدي ومولاي، وعزتك لا مددت يدي الى شيء مما تنبته الارض حتى تكون أنت الموصل إليّ برزقي من حيث لا أكون أنا أو لا فيه، فأقمت اثني عشر يوما أصلي الفرض وأتنفل، ثم عجزت عن النافلة، فأقمت اثني عشر يوما أصلي الفرض والسنة، ثم عجزت عن السنة فأقمت اثني عشر يوما أصلي الفرض لا غير، ثم عجزت عن القيام فأقمت اثني عشر يوما اصلي جالسا، ثم عجزت عن الجلوس فرأيت ان طرحت نفسي ذهب فرضي، فلجأت الى الله ﷿ بسري، وقلت: الهي وسيدي افترضت عليّ فرضا تسألني عنه وقسمت (٨٠ - ظ) لي رزقا وضمنته لي فتفضل علي برزقي ولا تؤاخذني بما اعتقدت معك، فوعزتك لأجتهدن أني لا حللت عقدا عقدته معك، فاذا بين يدي قرصين بينهما شيء-ولم يذكر الشيء، ولا سأله أحد من الجماعة-قال فكنت آخذه على الدوام من ليلالى ليل، ثم طولبت بالمسير الى الثغر، فسرت حتى دخلت فومه (¬١). ووافق ذلك يوم جمعة، فوجدت في صحن الجامع قاصا يتكلم على الناس، وحونه حلقة، فوقفت بينهم أسمع ما يقول فذكر قصة زكريا ﵇ والمنشار، وما كان من خطاب الله ﷿ له حين هرب منهم، فنادته الشجرة: إليّ يا زكريا، فانفرجت له فدخلها وانطبقت عليه، ولحقه العدو فتعلقوا بعباءته، وناداهم الشيطان إليّ، فهذا زكريا، فأنّ، فأوحى الله اليه: يا زكريا لئن صعدت منك أنّه ثانية لأمحونك من ديوان النبوة فعض زكريا ﵇ على الصبر حتى قطع بشطرين فقلت في نفسي: لقد كان زكريا صبّارا، إلهي وسيدي لئن ابتليتني لأصبرن وسرت حتى دخلت أنطاكية فرآني بعض أخواني، وعلم أني أريد الثغر فدفع الي سيفا وترسا للسبيل، فدخلت الثغر وكنت حينئذ أحتشم من الله ﷿ أن آوي وراء سور خيفة من العدو، فجعلت مقامي في غابة، فأكون فيها بالنهار وأخرج بالليل الى شط البحر فأغرز الحربة على الساحل (٨١ - و) وأسند الترس اليها محرابا، وأتقلد سيفي وأصلي الى الغداة، فاذا صليت الصبح غدوت الى الغابة، فكنت فيها نهاري أجمع، فبدوت في بعض الايام فعبرت بشجرة بطم قد بلغ بعضه وبعضه أخضر، وبعضه أحمر وقد وقع عليه الندى وهو يبرق، فاستحسنته وأنسيت عهد ربي، وقسمي به أنّي لا أمد يدي الى شيء مما تنبت الأرض، فمددت يدي الى الشجرة، فقطعت منها عنقودا، وجعلت بعضه في فمي وأنا ألوكه، ثم ذكرت العقد، فرميته من يدي، وبزقت ما كان في فمي، ثم قلت: حلت المحنة، ورميت الترس والحربة، وجلست موضعي يدي على رأسي، فما استقربي جلوسي حتى داروا بي فرسان، وقالوا لي: قم، وساقوني حتى أخرجوني الى الساحل، فاذا الامير بياس (¬٢) وحوله جماعة على خيول، ورجالة كثيرة، وبين يديه جماعة سودان خماسين، كانوا يقطعون الطريق قبل ذلك اليوم في ذلك الموضع، فأسرى اليهم أمير بياس فكبسهم في السحر وأخذ من كان منهم حاضرا في الأكواخ، وافترقت الخيلتطلب من هرب منهم في الغابة، فوجدوني أسود معه سيف وترس وحربة، فلما قدّمت الى الأمير، وكان رجلا تركيا، قال لي: إيش أنت؟ قلت: عبد من عبيد الله، فقال للسودان: أتعرفونه؟ قالوا: لا، قال: بلى هو رئيسكم، وإنما تفدونه بنفوسكم لأقطعن أيديكم وأرجلكم (٨١ - ظ)، قدموهم، فلم يزل يقدم رجلا رجلا، ويقطع رجله ويده، حتى انتهى إليّ آخرهم، ثم قال لي: تقدم مدّ يدك، فمددتها فقطعت ثم قال: مد رجلك فمددتها، ثم رفعت رأسي الى السماء وقلت: إلهي وسيدي يدي جنت، رجلي إيش عملت؟ واذا بفارس قد وقف على الحلقة ورمى بنفسه الى الارض، وصاح إيش تعملون، تريدون أن تنطبق الخضراء على الغبراء، هذا رجل صالح يعرف بأبى الخير المباحي، وكنت أعرف بذلك، فرمى الأمير نفسه عن فرسه، وأخذ يدي المقطوعة من الأرض يقبلها، ويتعلق بي ويبكي ويقول: سألتك بالله ﷿ أن تجعلني في حل، فقلت: من أول ما قطعت يدي، ثم قال الشيخ أبو الخير، وهو يبكي: فأي مصيبة أعظم من مصيبتي هذه قطعت يدي، وانقطعت عني القرصين. أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين الحموي-بحلب-قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد الأصبهاني-اجازة ان لم يكن سماعا- قال: أخبرني أبو الحسين بن عبد الجبار الطيوري قال: حدثنا محمد بن علي الصوري قال: أخبرني أبو بكر محمد بن خميس الصوفي عن أبي الخير التيناتي أنه قصده رجل من مكان بعيد فلما وصل اليه وحضرت صلاة الظهر والعصر، فلما كان صلاة المغرب صلى وجهر بالقراءة، لم يحقق التلاوة، فوجد ذلك الرجل في نفسه، وقال: كابدت مشقة السفر الى رجل لا يقيم فاتحة الكتاب وبات تلك (٨٢ - و) الليلة، فلما أصبح خرج الى عين بالقرب ليتوضأ وجد السبع رابضا عندها فرجع هاربا والتقى به أبو الخير فتبين الخوف في وجهه، فتوجه الى العين، وتوجه الرجل يمشي خلفه ليرى ما يصنع فجاء أبو الخير الى السبع، فأخذ بأذنيه، وجعل يعركهما ويقول له: كم أقول لك اذا كان عندنا ضيف لاتؤذنا، فانصرف، فولى السبع ذاهبا، ورجع أبو الخير يريد المسجد، فلحقه الرجل في الطريق، فقال له كن كذا، والحن في الحمد.قلت: هذا الرجل هو ابراهيم بن داوود الرقي. أخبرنا عمي أبو غانم محمد بن هبة الله بن أبي جرادة قال: أخبرنا أبو الفتح عمر بن أبي الحسن بن حموية الجويني، ح. وأخبرتنا الحرة زينب بنت عبد الرحمن في كتابها إلى غير مرة من نيسابور قالا: أخبرنا أبو الفتوح الشاذياخي، ح. وأخبرنا أبو النجيب اسماعيل بن عثمان الفارسي-في كتابه-قال: أخبرنا أبو الاسعد القشيري قالا: أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري قال: وأبو الخير التيناتي مشهور بالكرامات، حكى عن ابراهيم الرقي أنه قال: قصدته مسلما، فصلى صلاة المغرب فلم يقرأ الفاتحة مستقيما، فقلت في نفسي: ضاعت سفرتي، فلما سلمت خرجت للطهارة فقصدني السبع، فعدت اليه، فقلت: ان الأسد قصدني، فخرج وصاح على الأسد وقال: ألم أقل لك لا تعرض لضيفاني، فتنحى، وتطهرت، فلما رجعت قال: (٨٢ - ظ) اشتغلتم بتقويم الظواهر، فخفتم الأسد، واشتغلنا بتقويم القلب فخافنا الأسد. (¬١) أنبأنا أبو محمد عبد اللطيف بن يوسف قال: أخبرنا أبو الفتح بن البطي قال: أخبرنا حمد بن أحمد قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: سمعت محمد بن الحسين قال: وسمعت جدي اسماعيل بن نجيد يقول: دخل على أبي الخير جماعة من البغداديين يتكلمون بشطحهم بحضرته، فضاق صدره من كلامهم، فخرج فجاء السبع فدخل البيت، فانضم بعضهم الى بعض ساكتين وتغيرت ألوانهم، فدخل أبو الخير فقال: يا ساداتي أين تلك الدعاوى؟. قال أبو نعيم: ومنهم-يعني-من الأولياء: أبو الخير الأقطع التيناتي له الآيات والكرامات توفي بعد الأربعين والثلاثمائة، كانت السباع والهوام يأنسون بمجالسته ويأوون إليه، وكان ينسج الخوص بإحدى يديه. سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أحمد بن الحسين الرازي يقول: سمعتأبا الخير يقول: من أحب أن يطلع الناس على عمله فهو مرائي، ومن أحب أن يطلع الله على حاله فهو كذاب. قال: وكان يقول: ما بلغ أحد حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة، ومعانقة الأدب وأداء الفريضة، وصحبة الصالحين، وخدمة الفقراء الصالحين. وكان يقول: القلوب ظروف، فقلب مملوء ايمانا وعلامته الشفقة على جميع المسلمين والاهتمام بما يهمهم، ومعاونتهم على مصالحهم وقلب (٨٣ - و) مملوء نفاقا فعلامته الحقد والغل والغش والحسد. (¬١). أخبرنا عمي أبو غانم بن أبي جرادة قال: أخبرنا أبو الفنح بن حموية، ح. وأنبأتنا زينب الشعرية قالا: أخبرنا أبو الفتوح بن شاه الشاذياخي قال: أخبرنا أبو القاسم القشيري قال: ومنهم-يعني-من مشايخ الصوفية: أبو الخير الأقطع، مغربي الأصل، سكن تينات، وله كرامات وفراسات حادة، كان كبير الشأن. قال أبو الخير: ما بلغ أحد الى حالة شريفة إلاّ بملازمة الموافقة، ومعانقة الأدب وأداء الفرائض وصحبة الصالحين (¬٢) (٨٣ - ظ).﷽ وبه توفيقي أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي امام الكلاسة بدمشق قال: أخبرنا الحافظ أبو محمد القاسم بن الحافظ أبي القاسم قال: أخبرنا الفقيه أبو الفتح نصر الله بن محمد-بقراءة والدي عليه وأنا اسمع-عن أبي الفتح نصر بن ابراهيم المقدسي عن أبي الحسن علي بن عبيد الله قال: أخبرنا أبو القاسم بكير بن محمد المنذري قال: سمعت أبا الخير التيناتى يقول: بعثت الى الثغر فبكيت، فقيل لي: محروسة ما عشت وفلان وفلان-طائفة من الأخيار-وما بقي منهم غيري، كلهم ما توا، وعاش أبو الخير التيناتي مائة وعشرين سنة، ومات سنة تسع وأربعين وثلاثمائة أو قريبا منه. أخبرنا عمي أبو غانم قال: أخبرنا أبو الفتح بن حمويه، ح. وأنبأتنا زينب النيسابورية قالا: أخبرنا أبو الفتوح الشاذياخي، ح. وأنبأنا أبو النجيب القارئ قال: أخبرنا أبو الأسعد القشيري قالا: أخبرنا أبو القاسم القشيري قال: مات-يعني-أبا الخير الأقطع سنة نيف وأربعين وثلاثمائة (¬١).
  • reviewable assessment hintkadhdhabneeds reviewmedium confidencepage 4358, entry [1991]344 chars
    خوص بإحدى يديه. سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أحمد بن الحسين الرازي يقول: سمعتأبا الخير يقول: من أحب أن يطلع الناس على عمله فهو مرائي، ومن أحب أن يطلع الله على حاله فهو كذاب. قال: وكان يقول: ما بلغ أحد حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة، ومعانقة الأدب وأداء الفريضة، وصحبة الصالحين، وخدمة الفقراء الصالحين. وكان يقول: القلوب ظروف، فقلب مملوء ايما

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagemedium confidencepage 5658, entry [1996]15,121 chars
    أبو الخَيْر الأقْطَع التِّيْنَاتِيُّ المَغْرِبيُّ (¬٢) وكان يُقَال له: المُبَاحِيّ لأكْله من المُبَاحَات، وقيل: اسْمه حَمَّاد بن عَبْد اللَّه.وكان أسْوَد اللَّوْن، مَغْربيًّا، فسَكَنَ التِّيْنَات وهى على أمْيَالٍ من المِصِّيْصَة، وقد ذَكَرْناها في صَدْرِ كتَابِنا هذا (¬١)، فَنُسِبَ إليها، وإنَّما قي…
    ▸ expand full passage (15,121 chars)
    أبو الخَيْر الأقْطَع التِّيْنَاتِيُّ المَغْرِبيُّ (¬٢) وكان يُقَال له: المُبَاحِيّ لأكْله من المُبَاحَات، وقيل: اسْمه حَمَّاد بن عَبْد اللَّه.وكان أسْوَد اللَّوْن، مَغْربيًّا، فسَكَنَ التِّيْنَات وهى على أمْيَالٍ من المِصِّيْصَة، وقد ذَكَرْناها في صَدْرِ كتَابِنا هذا (¬١)، فَنُسِبَ إليها، وإنَّما قيل له الأقْطَع لأنَّهُ كان في جِبَالِ أنْطَاكِيَة يَطْلُب المُبَاحَ، وكان عَاهَدَ اللَّه ألَّا (a) يُشَارك الطَّيْر في مَأكُولها، فرَأى شَجَرَةً فيها ثَمَرٌ فأكَلَ منها، ونَسِي مُعَاهَدته، فاتَّفَقَ أنَّ تُنَاش أَمِير الثَّغْر، اتَّفق بلُصُوصٍ فأمْسَكَهم، وأخَذَهُ في الجُمْلَةِ، فَقَطَعَ أيْدِيهم وأرْجُلهم، وقَطَع يدَهُ معهم، وأمْسَكَ عن رِجْلهِ، وَسَنَذْكُر صُوْرة حَاله في هذه التَّرْجَمَة إنْ شَاءَ اللَّهُ. رَوَى عنهُ أبو القَاسِم بُكَيْر بن مُحَمَّد، وعَبْد العَزِيْز البَحْرَانِيّ، وأبو الحُسَين أحْمَدُ بن الحُسَين الرَّازِيّ، وأبو الحُسَين القَيْرَوانيّ، وأبو عليّ الأهْوَازِيّ، وأبو الحَسَن مُحَمَّد بن يَزِيد، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيّ، ومَنْصُور بن عَبْدِ اللَّهِ الأصْبَهَانِيّ، وأبو بَكْر أحْمَد بن مُحَمَّد الجَبَليّ، وإبْراهيم بن دَاوُد الرَّقِّيّ، وابنه عِيسَى بن أبي الخَيْر، وحَمْزَة بن عَبْد اللَّهِ العَلَويّ، وأبو الحَسَن عليّ بن مَحْمُود الزَّوْزَنِيّ الصُّوْفيّ، وأبو الحَسَن عليّ بن الحَسَن العَابِد، وأبو عَمْرو عُثْمانُ بن سَعيد بن عُثْمان الأسَدِيّ، وأبو الحَسَن البَغْرَاسيّ، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن خَمِيْس الصُّوْفيّ، ومَنْصُور بن عَبْد اللَّه، وعبد اللَّه بن مُحَمَّد الشِّيْحِيّ. أخْبَرَنا أبو القَاسِمِ عَبْدُ اللَّه بن الحُسَين بن رَوَاحَة الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: حَدَّثَنَا أبو الحُسَين بن عَبْد الجَبَّار الصَّيْرَفِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللَّه مُحَمَّد بن عليّ (b) الصُّوْرِيّ يَقُول: سَمِعْتُ أبا عَمْرو عُثْمان بن سَعيد الأسَدِيّ يَقُول: قَصَدْت زيَارةأبي الخَيْر التِّيْنَاتِيّ، فلمَّا حَصَلْتُ عندَهُ رَمَى إليَّ حَبْلًا، فقال: خُذْ هذا فاصْعَدِ الجَبَلَ، فاقْطَع حُزْمةَ حَطَب فبِعْها بدَانقَيْن، فتَقَوَّتْ بدَانقٍ وتَصَدَّق بدَانق. فقُلتُ: قد ضاقَتْ خِزَانَة مَوْلاي حتَّى أحْمِل الحَطَبَ وأُطْعِم عِبَادَهُ!؟ فصَاح وقال: الحَلَالُ، ثُمَّ القُرآن، ثُمَّ اللَّه ﷿، فبالحَلَالِ يُسْتَعانُ على القُرْآن، وبالقُرْآنِ يُعْرَف اللَّهُ ﷿. أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّطِيْف بن مُحَمّد بن يُوسُف، فيما أَذِنَ لنا أنْ نَرْويه عنهُ، قال: أخْبرنا أبو الفَتْح مُحَمّدُ بن عَبْد البَاقِي، قال: أخْبَرَنا حَمْدُ (a) بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحافِظ (¬١)، قال: سَمِعْتُ غير واحدٍ ممن لَقِيَ أبا الخير الأقْطَع، أنَّ سَبَب قَطْع يَدِه أنَّه كان قد عَاهَدَ اللَّه أن لا يَتَناوَل بشَهْوَة نَفْسه شَيئًا مُشْتَهى، فرَأى يَوْمًا بجَبَل لُكَام شَجَرَة زُعْرُور، فاسْتَحْسَنَها، فقَطَعَ منها غُصْنًا، فتَنَاوَل منها شَيئًا من الزُّعْرُور، فذَكَر عَهْدَهُ وتَركَهُ، ثمّ كان يَقُولُ: قَطَعْتُ عُضْوًا (b) فقُطِعَ منِّي عُضْوٌ. أخْبَرَنا الحافظُ أبو مُحَمَّد عَبْد القَادِر بن عَبْدِ اللَّه الرُّهَاوِيّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ أَبو الفَضْلِ عَبْدُ اللَّه بن أحْمَد بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عَبْدِ القَادِر بن مُحَمَّد بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ بن أحْمَد بن الفَضْل، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن عليُّ بن عَبْدِ اللَّه بن الحَسَن بن جَهْضَم الهَمَذَانيّ، قال: حَدَّثَنَا بُكَيْر بن مُحَمَّد، قال: كُنْتُ عند الشَّيْخ أبي الخَيْر بالتِّيْنَاتِ، فبَسَطني بمُحَادثَته لي بذِكْر بدايَتِهِ إلى أنْ تهجَّمتُ عليه، فسَألتُهُ عن سَبَب قَطْع يَدِه، وما كان منهُ، فقال: يَد جَنتْ فقُطِعَتْ، فظَنَنْتُ أنَّهُ كانت له صبْوَةٌ في حَدَاثَتِهِ من قَطْعِ طَرِيقٍ أو نَحْوه ممَّا أوْجَبَ ذلك، فأمْسَكْتُ.ثُمَّ اجْتَمَعت معه بعد ذلك بسِنين مع جَمَاعَةٍ من الشُّيُوخ فيهم أبو الحَسَن عليّ البَغْرَاسيّ (a)، وأبو سُليْمان التَّلّ سَابِيّ، وأبو جَعْفَر الجُبَّائِيّ، وإبْراهيم بن إمام رَاغِب، فتَذَاكَرُوا مَوَاهِبَ اللَّهِ ﷿ لأوْليَائهِ، وأكْثَرُوا ذِكْر كَرَامَاتِ اللَّهِ ﷿ لهم ولهم (b)، إلى أنْ ذَكَرُوا طَيَّ المَسَافَات، فتَبَرَّم الشَّيْخ بذلك، فقَال: كم يقُولونَ: فُلَان مَشَى إلى مَكَّة في ليلةٍ، وفُلَانٌ مَشَى في يَوْمٍ! أنا أعْرفُ عَبْدًا من عَبِيْد اللَّه ﷿ حَبَشِيٌّ، كان جالِسًا في جَامِع أطْرَابُلُس ورَأسُهُ في جَيْب مُرَقَّعَتهِ فخَطَر له طِيْبَة الحَرَم، فقال في سِرِّه: يا ليتَني كُنْتُ بالحَرَم، فأخْرَج رَأسَهُ من مُرَقَّعَته فإذا هو في الحَرَم، ثمّ أمْسَكَ عن الكَلَام، فتَغامَزَ الجميعُ واتَّفَقُوا على أنَّهُ ذلك الرَّجُل. ثُمَّ قال أحَدُهُم: تَسْألُ الجَمَاعَةُ الشَّيْخ، أيَّدَهُ اللَّهُ، أنْ يُخْبِرَهُم بسَبَب قَطْعِ يَدِه، فقال كما قال لي: يَدٌ جَنَتْ فقُطِعَتْ! فقيل: قد سَمِعْنا منكَ هذا مِرَارًا كَثِيْرةً؛ أخْبِرنا كيفَ كان سَبَبُه؟ فقال: نعم، أنتُم تعلمُونَ أَنِّي من أهْل الغَرْبِ، فوَقَعَتْ لي مُطَالبة السَّفَرِ، فسِرْتُ حتَّى بَلَغْتُ الإِسْكَنْدَرِبَّة، فأقَمْتُ اثْنَتى (c) عَشْرَة سَنَةً، ثُمَّ سِرْتُ منها فبَلَغْتُ ما بين شَطَا ودِمْياط، فأقَمْتُ اثْنتي (d) عَشْرة سَنَةً، فقَيل له: إسْكَنْدريَّة بَلَد عَامِر أمْكَنَك القيام بها اثْنتي عَشرة (e) سَنَةً، وبين دِمْيَاط وشَطَا مَفَازَة لا زَرْع ولا ضَرْع؛ فما كان قُوْتُكَ؟ فقال: نَعَم، كان في النَّاسِ خَيْر في ذلك الزَّمانِ، وكان يَخْرُجُ من مِصْرَ خَلْقٌ كَثيْرٌ يُرَابطُونَ بدِمْيَاط، وكُنْتُ بَنيْتُ كُوْخًا على شَطِّ خَلِيْج، فكُنْتُ أَجيءُ من لَيْلٍ إلى ليْل إلى تحت السُّور، فإذا أفْطَر المُرَابِطونَ (f) ونفَضُوا سُفَرَهُم خَارجَ السُّور زَاحَمْتُ الكِلَابَ على قُامَةِ السُّفَر، فآخُذ كفَايَتي، فإن ذلك قُوْتي صَيْفًا، قالوا: ففىالشِّتَاء؟ قال: نَعَم، كان يَنْبُتُ حَوْلَ الكُوْخِ من هذا البَرْدِيّ الجَافي فيُخْصِب في الشِّتَاء، فأقْلَعُه فما كان منه في التُّراب يَخرُج غضًّا (a) أبْيَضَ فآكُلُه، وأرْمي بالأخْضر الجَاسِي، فإن هذا قُوْتي إلى أنْ نُوْقِرْتُ (b) في سِرِّي: يا أبا الخَيْر، تَزْعُم أنَّك لا تُشَاركُ الخَلْقَ في أقْوَاتِهم، وتُشِير إلى التَّوَكُّلِ، وأنتَ في وَسَط المَعْلُوم جَالِسٌ!؟ فقُلتُ: إلهي وسَيِّدِي ومَوْلاي، وعِزَّتكَ لا مَددْتُ يَدِي إلى شيءٍ ممَّا تُنْبِته الأرْضُ حتَّى تكونَ أنتَ المُوْصِل إليَّ برِزْقي من حيثُ لا أكُون أنا أوَّلًا فيهِ، فأقَمتُ اثْنَى عَشر يَوْمًا أُصَلِّي الفَرْضَ وأتَنَفَّلُ، ثُمَّ عَجَزتُ عن النَّافلةِ، فأقْمتُ اثْنَى عَشر يَوْمًا أُصَلِّي الفَرْضَ والسُّنَّةَ، ثمَّ عَجِزتُ عن السُّنَّةِ فأقمتُ اثْنَى عَشر يَوْمًا أُصَلِّي الفَرْضَ لا غير، ثُمّ عَجِزتُ عن القيام، فأقَمتُ اثْنَى عَشر يَوْمًا أُصَلِّي جالِسًا، ثمّ عَجِزتُ عن الجُلُوس، فرَأيْتُ إنْ طَرحْتُ نَفْسِي ذَهَبَ فَرْضي، فلجأتُ إلى اللَّه ﷿ بسرِّي، وقُلتُ: إلهي وسَيِّدِي، افْتَرضْتَ عليَّ فَرْضًا تَسْألني عنهُ، وقسَمْتَ لي رِزْقًا وضَمِنْتَهُ لي، فتَفَضَّل عليَّ برِزْقي ولا تُؤاخِذني بما اعْتَقَدت معك، فوعِزَّتك لأجْتَهدنَّ أنِّي لا حَلَلْتُ عَقْدًا عَقَدتُه معك، فإذا بين يَدَيَّ قُرْصَان (c) بينهما (d) شيء، ولم يَذْكر الشَّيء، ولا سَأله أحدٌ من الجَمَاعَة، قال: فكُنْتُ آخُذُه على الدّوم (e) من لَيْلٍ إلى لَيل. ثمّ طُوْلبتُ بالمَسِيْر إلى الثَّغْر، فسِرْتُ حتَّى دَخَلتُ فوْمَةَ (f)، ووَافَق ذلك يَوْم جُمعة، فوَجَدْتُ في صَحْن الجامع قَاصًّا يَتَكلَّمُ على النَّاسِ، وحَوْله حَلْقَة، فوقَفْتُ بينهم أسْمعُ ما يقُول، فذَكَرَ قِصَّةَ زَكَرِيَّاء ﵇ والمِنْشَار، وما كان من خطَاب اللَّه ﷿ له حين هَرَب منهم، فنَادَتْهُ الشَّجَرة: إليَّ يا زَكَرِيَّاء،فانْفَرَجَت له فدَخَلها وانْطَبَقَتْ عليه، ولحَقَهُ العَدُوّ فتَعَلَّقُوا بعَبَاءتهِ، ونادَاهُم الشَّيْطانُ: إليَّ، فهذا زَكَرِيَّاء، فأنَّ أنَّةً، فأوْحَى اللَّهُ إليه: يا زَكَرِيَّاء، لئن صَعدَتْ (a) منكَ أنَّةٌ، ثانية لأمْحُوَنكَ من دِيْوَانِ النُّبُوَّة، فعَضَّ زَكَرِيَّاء ﵇ على الصَّبْر حتَّى قُطِعَ بشَطْرين. فقُلْتُ في نَفْسِي: لقد كان زَكَرِيَّاء صَبَّارًا (b)، إلهي وسَيِّدِي، لئن ابتَلَيْتَني لأصْبرَنَّ. وسِرْتُ حتَّى دخَلْتُ أنْطَاكِيَة، فرآني بعضُ إخْوَاني، وعَلِم أنِّي أُريدُ الثَّغْرَ، فدَفَع إليَّ سَيْفًا وتُرْسا للسَّبِيل، فدَخَلْتُ الثَّغْر، وكُنتُ حينئذٍ أحْتَشِمُ من اللَّهِ ﷿ أنْ آوي وَراءَ سُور خيْفَةً من العَدُوّ، فجعَلْتُ مقامي في غابةٍ، فأكُون فيها بالنَّهَار وأخرجُ باللَّيْل إلى شَطِّ البَحْر فأغْرزُ الحَرْبة على السَّاحِل، وأُسْنِدُ التُّرْس إليها مِحْرَابًا، وأتَقَلَّدُ سَيْفي وأُصَلِّي إلى الغَداةِ، فإذا صلَّيْتُ الصُّبْح غَدَوتُ إلى الغَابةِ، فكُنْتُ فيها نَهَاري أجْمعَ. فبَدَوت (c) في بعضِ الأيَّام فعَبرتُ بشَجَرَة بُطْم قد بلغَ بَعْضُه، وبَعْضُه أخْضَر، وبعضُه أحْمَر، وقد وَقَع عليه النَّدَى وهو يُبْرق، فاسْتَحْسنْتُه وأُنْسِيْتُ عَهْدَ رَبِّي، وقَسَمِي به أنِّي لا أمُدُّ يدي إلى شيءٍ مما تنبتُ الأرضُ، فَمدَدْتُ يَدي إلى الشَّجَرة، فقَطَعْتُ منها عنْقُودًا، وجَعَلْتُ بَعْضَهُ في فَمي وأنا أَلُوْكُهُ، ثمّ ذَكَرتُ العَقْدَ، فرَمَيتُه من يَدي، وبَزَقْتُ ما كان في فَمي، ثمّ قُلتُ: حَلَّت المِحْنَة، ورَميْتُ التُّرْس والحَرْبَة، وجلَسْتُ مَوضِعي يَدي على رَأسِي، فما اسْتَقَرَّ بي جُلُوسي حتَّى دَار (d) بي فُرْسَانٌ، وقالُوا لي: قُمْ، وسَاقُوني حتَّى أخْرَجُوني إلى السَّاحِل، فإذا الأَمِير تُنَاش (e) وحَوْله جَمَاعَة على خُيُول، ورِجَّالة كَثِيْرة، وبينَ يَدَيْهِ جَمَاعَة سُوْدَانجَمَّاسيْن كانُوا يقطعُونَ الطَّريق قبل ذلك اليَوْم في ذلك المَوضِع، فأسْرَى إليهم الأمِير تُنَاش (a) فكَبَسَهمِ في السَّحَر، وأخَذَ مَن كان منهم حَاضِرًا في الأكْوَاخ، وافْتَرقتِ الخَيْل تطلُب منْ هَرَب منهم في الغَابةِ، فوجَدُوني أسْوَد معه سَيْف وتُرْسٌ وحَرْبة، فلمَّا قُدِّمْتُ إلى الأَمِير، وكان رَجُلًا تُرْكِيًّا (b)، قال لي: أيْشٍ أنتَ؟ قُلتُ: عَبْدٌ من عَبِيْدِ اللَّه، فقال للسُّوْدانِ: أتَعْرِفُونَهُ؟ قالوا: لا، قال: بلى هو رَئيْسُكم، وإنَّما تَفْدُونَهُ بنُفُوسكم، لأقْطَعنَّ أيْديكم وأرْجُلكُم، قَدِّمُوهُم، فلم يَزَل يُقَدِّمُ رَجُلًا رَجُلًا، ويَقْطَعُ رِجلَهُ ويَدَهُ، حتَّى انْتَهَى إليَّ آخرهم، ثمّ قال لي: تَقَدَّم، مُدَّ يَدَكَ، فمَدَدتها فقُطِعَت، ثُمَّ قال: مُدَّ رِجْلك فمَدَدْتُها، ثمّ رفعْتُ رَأسي إلى السَّماءِ وقُلتُ: إلَهِي وسَيِّدِي، يَدي جَنَتْ، رِجْلي أيشْ عَمِلَتْ؟ وإِذا بفَارِسٍ قد وَقَفَ على الحَلْقَة ورَمَى بنَفْسِهِ إلى الأرْض، وصَاح: أيْشٍ تَعْملُون؟ تُرِدُونَ أنْ تنطَبقَ الخَضْرَاءُ على الغَبْرَاء، هذا رَجُلٌ صَالِحٌ يُعْرَفُ بأبي الخير المُبَاحيّ، وكُنْتُ أُعْرَفُ بذلكَ، فرَمَى الأَمِيرُ نَفْسَهُ عن فَرَسِهِ، واخَذَ يَدي المَقْطُوعَة من الأرضِ يُقَبِّلُها، ويتعلَّقُ بي ويَبْكى ويقُول: سَألتُكَ باللَّهِ ﷿ أنْ تَجْعلَني في حلٍّ، فقُلتُ: من أوَّلِ ما قطَعْتَ يدي. ثُمَّ قال الشَّيْخ أبو الخَيْر وهو يَبْكي: فأيّ مُصِيْبَة أعْظَم من مُصِيْبتي هذه! قُطِعَتْ يدِي، وانْقَطَعَتْ عنِّي القُرْصَان (c). أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد اللَّه بن الحُسَين الحَمَوِيّ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد الأَصْبَهَانِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن عَبْد الجبَار الطُّيُورِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ عليّ الصُّوْرِيّ، قال: أخْبرَني أبو بَكْر مُحَمَّد بن خَمِيْس الصُّوْفيّ عن أبي الخيرِ التِّيْنَاتِيّ أنَّهُ قصَدَهُ رَجُلٌ من مكانٍبَعيدٍ، فلمَّا وَصَلَ إليه وحَضَرت صلاةُ الظُّهْر والعَصْر، فلمَّا كان صَلَاةُ المَغْرب صَلَّى وجَهَرَ بالقراءةِ لَم يُحَقِّق التِّلَاوة، فوجدَ ذلك الرَّجُل في نَفْسه، وقال: كابَدْتُ مَشَقَّة السَّفَر إلى رجُلٍ لا يُقِيْمِ فَاتِحَة الكِتَاب (a)! وباتَ تلك اللَّيْلة، فلمَّا أصْبَح خَرَج إلى عَيْن بالقُرْب ليَتَوضَّأ وجَدَ السَّبعُ رَابِضًا عندها فرجَع هَارِبًا، والْتَقَى به أبو الخَيْر فتبيِّن الخَوْف في وَجْهِهِ، فتَوَجَّه إلى العَيْن، وتَوَجَّه الرَّجُل يَمْشِي خلْفَهُ ليَرَى ما يَصْنَعُ، فجاء أبو الخَيْر إلى السَّبعُ، فأخَذَ بأُذُنَيهِ، وجَعَل يَعْركُهما ويقُول له: كَمْ أقُول لك إذا كان عندنا ضَيْفٌ لا تُؤْذِنا (b)، قُم فانْصَرف، فوَلَّى السَّبُعُ ذَاهِبًا، ورجَع أبو الخَيْر يُريد المَسْجِد، فلحقَهُ (c) الرَّجُل في الطَّريق، فقال له: كُن كذا، والْحَنْ في الحَمْدِ!. قُلتُ: هذا الرَّجُل هو إبْراهيم بن دَاوُد الرَّقِّيّ. أخْبَرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هبَةِ اللَّه بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عُمَر بن أبي الحَسَن بن حَمُّوْيَه الجُوَيْنِيّ، ح. وأخْبَرَتْنا الحرَةُ زَيْنَبُ بنتُ عبد الرَّحْمن في كتابها إليَّ غيرِ مَرَّة من نَيْسَابُور، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح الشَّاذْيَاخِيّ، ح. وأخْبَرَنا أبو النَّجِيْب إسْمَاعِيْل بن عُثْمان الفَارسِيّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد القُشَيْريّ، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الكَريم بن هَوَازِن القُشَيْريّ (¬١)، قال: وأبو الخَيْرِ التِّيْنَاتِيّ مَشْهُور بالكَرَامَاتِ، حَكَي عن إبْراهيم الرَّقِّيّ أنَّهُ قال: قَصَدْتُه مُسَلِّمًا، فصَلَّى صَلَاةَ المَغْرب فلم يَقَرأ الفاتحة مُسْتَقِيْمًا (d)، فقُلْتُ في نَفْسِي: ضَاعَتْ سَفْرَتي، فلمَّا سَلَّمْتُ خَرَجتُ للطَّهَارَة، فقَصَدَني السَّبُعُ، فعُدتُ إليه، فقُلتُ: إنَّالأسَد قَصَدَني، فخَرَجَ وصَاح على الأسَد وقال: ألَم أقُل لك لا تَعْرض لضيْفَانِي، فتَنَحَّى، وتَطَهَّرْتُ، فلمَّا رَجَعْتُ قال: اشْتَغَلْتُم بتَقْويم الظَّوَاهر، فخفْتُم الأسَد، واشْتَغْلنا بتَقْويم القَلْب فخافَنا الأسَدُ. أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّطِيْف بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْحِ بن البَطِّيّ، قال: أخْبَرَنا حَمْد (a) بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحَافِظ (¬١)، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن الحُسَين، قال: وسَمعْتُ جدِّي إسْمَاعِيْلَ بن نُجَيْد يَقُول: دَخَلَ على أبي الخَيْر جَمَاعَة من البَغْدَاديِّيْن (b) يَتكلَّمونَ بشَطْحِهم بحَضْرته، فضَاقَ صَدْره من كَلامهم، فخَرَجَ، فجاء السَّبُعُ فدَخَلَ البَيْتَ، فانْضَمَّ بَعْضُهم إلى بعضٍ سَاكتِيْن، وتَغَيَّرت ألْوَانهم، فدَخَل أبو الخَيْر فقال: يا سَادَاتي، أين تلك الدَّعَاوي؟!. قال أبو نُعَيْم (¬٢): ومنهم -يعني من الأوْلِيَاء-: أبو الخَيْر الأقطَع التِّيْنَاتِيّ، له الآيات والكَرَامَات (c)، تُوفِّي بعد الأربَعِين والثَّلاثمائة، كانت السِّبَاع والهَوَامّ يأنسُونَ بمُجَالسَته ويأوُونَ (d) إليه، وكان يَنْسج الخُوْصَ بإحْدَى يَديهِ. سَمِعْتُ مُحَمَّد بن الحُسَين يَقُول: سَمِعْتُ أحْمَد بن الحُسَين الرَّازِيّ يَقُول: سَمِعْتُ أبا الخَيْر يقُول: مَنْ أحَبّ أنْ يَطَّلع النَّاس على عَمَلهِ فهو مُرَائي، ومَنْ أحبَّ أنْ يَطَّلع اللَّهُ على حَالهِ فهو كَذَّابٌ. قال (¬٣): وكان يَقُول: ما بَلَغ أحدٌ حالةً شَرِيفةً إلَّا بمُلَازَمة المُوَافَقة، ومُعَانَقةِ الأدَب، وأداء الفَرِيْضَة، وصُحْبَة (e) الصَّالِحين، وخِدْمَة الفُقَرَاءَ الصَّالِحين (f).وكان يَقُول (a): القُلُوب ظُروفٌ، فقَلْبٌ مَمْلوءٌ إيْمانًا، وعَلَامَتُه الشَّفَقَة على جَميع المُسْلمِيْن، والاهْتِمام بما يَهمّهم (b)، ومُعَاوَنتهم على مَصَالِحهم، وقَلْبٌ مَملوءٌ نِفَاقًا فعَلامَتُه الحقْدُ والغِلُّ والغِشُّ والحَسَدُ. أخْبَرَنا عَمِّي أبو غَانِم بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح بن حَمَّوْيَه، ح. وأنْبَأتْنا زَيْنَبُ الشَّعْرِيَّة، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح بن شَاه الشَّاذْيَاخِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم القُشَيْريّ (¬١)، قال: ومنهم -يعني من مَشَايخِ الصُّوْفيَّةِ-: أبو الخير الأقْطَع، مَغْربيّ الأصْل، سَكَنَ تِيْنَات، وله كَرَامَات وفِرَاسَاتٌ (c) حادَّة، كان كَبِير الشَّأْن. قال أبو الخَيْر ما بَلغ أحَدٌ إلى حالةٍ شَرِيفةٍ إلَّا بمُلَازَمة المُوَافقة، ومُعَانَقَة الأدَب، وأداءِ الفَرَائِض، وصُحْبَة الصَّالِحينَ.﷽ وَبِهِ تَوفِيقِي أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ إمام الكَلَّاسَةِ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا الحَافِظ أبو مُحَمَّد القَاسِم ابن الحافِظ أبي القَاسِم، قال: أخْبَرَنا الفَقِيه أبو الفَتْح نَصْرُ اللَّه بن مُحَمَّد بقِرَاءةِ وَالدِي عليه وأنا أسْمعُ، عن أبي الفَتْح نَصْر بن إبْراهيم المَقْدِسِيّ، عن أبي الحَسَن عليّ بن عُبَيْدِ اللَّه (a)، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بُكَيْر بن مُحَمَّد المنذِريّ، قال: سَمِعْتُ أبا الخَيْر التِّيْنَاتِيّ يَقُول: بُعثْتُ إلى الثَّغْر فبكيْتُ، فقيل لي: مَحْرُوسَة ما عِشْتَ، وفُلَان وفُلَان طَائِفَة من الأخْيَار، وما بقي منهم غيري، كُلّهُم ماتُوا، وعاشَ أبو الخَيْر التِّينَاتِيّ مائة وعشرين سَنَة، وماتَ سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين وثَلاثِمائة أو قريبًا منه. أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح بن حَمُّوْيَه، ح. وأنْبَأتْنا زَيْنَبُ النَّيْسَابُوريَّة، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح الشَّاذْيَاخِيّ، ح. وأنْبَأناَ أبو النَّجِيْب القَارِئُ، قال: أخْبَرنا أبو الأسْعَد القُشَيْريُّ، قالا: أخْبرنا أبو القاسم القُشَيريّ (¬١)، قال: ماتَ -يعني أبا الخَيْر الأقْطَع- سَنَة نَيّف وأرْبَعين وثَلاثِمائة.