full passagepage 2833, entry [2202]39,424 chars
١٥٠٥ - محمّد بن الحَنَفية وهو محمّد الأكبر بن عليّ بن أبى طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ، وأمّه الحَنَفيّة خَوْلة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدُّول بن حَنيفة بن لُجَيم بن صَعْب بن عليّ بن بكر بن وائل. ويقال بل كانت أمّه من سَبى اليمامة فصارت إلى عليّ ب…
▸ expand full passage (39,424 chars)▾ collapse
١٥٠٥ - محمّد بن الحَنَفية وهو محمّد الأكبر بن عليّ بن أبى طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ، وأمّه الحَنَفيّة خَوْلة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدُّول بن حَنيفة بن لُجَيم بن صَعْب بن عليّ بن بكر بن وائل. ويقال بل كانت أمّه من سَبى اليمامة فصارت إلى عليّ بن أبي طالب، ﵀ (¬١). أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا الحسن بن صالح قال: سمعتُ عبد الله بن الحسن يذكر أنّ أبا بكر أعطى عليًّا أمّ محمّد بن الحَنفيّة. أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن هشام بن عُرْوة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء ابنة أبي بكر قالت: رأيتُ أمّ محمّد بن الحنفيّة سِنديّة سوداء، وكانت أَمةً لبنى حنيفة ولم تكن منهم وإنّما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق ولم يصالحهم على أنفسهم (¬٢). أخبرنا الفضل بن دُكين وإسحاق بن يوسف الأزرق قالا: حدّثنا فِطْر بن خليفة عن منذر الثورى قال: سمعتُ محمّد بن الحنفيّة قال: كانت رخصة لعليّ قال: يا رسول الله، إن وُلد لى ولد أسمّيه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم (¬٣). أخبرنا محمّد بن الصَّلْت وخالد بن مَخْلَد قالا: حدّثنا الربيع بن المنذر الثورى عن أبيه قال: وقع بين عليّ وطلحة كلام فقال له طلحة: لا كجرأتك على رسول الله، سَمّيتَ باسمه وكنيت بكنيته وقد نهَى رسول الله أن يجمعهما أحدمن أمّته بعده. فقال عليّ: إنّ الجرئ من اجترأ على الله وعلى رسوله، اذْهب يا فلان فادعُ لى فلانًا وفلانًا، لنفر من قريش. قال فجاءُوا فقال: بمَ تشهدون؟ قالوا: نشهد أنّ رسول الله، ﷺ، قال إنّه سيولَد لك بعدى غلام فقد نحلتُه اسمى وكنيتى ولا تحلّ لأحدٍ من أمّتى بعده (¬١). أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إبراهيم بن عثمان قال: حدّثنا أبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد أنّ محمّد بن عليّ كان يُكنى أبا القاسم. أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا هُشيم قال: أخبرنا مُغيرة عن إبراهيم قال: كان محمّد بن الحنفيّة يُكنى أبا القاسم. أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن عبد الأعلى أنّ محمّد بن على كان يُكنى أبا القاسم، وكان كثير العلم ورعًا. فَوَلَدَ محمدُ بن الحنفيّة: عبدَ الله وهو أبو هاشم، وحمزةَ، وعليًّا، وجعفرًا الأكبر، وأمُّهم أمّ ولد. والحسنَ بن محمّد، وكان من ظرفاء بنى هاشم وأهل العقل منهم وهو أوّل من تكلّم في الإرْجاء، ولا عقب له وأمُّه جمال ابنة قيس بن مَخْرَمَة بن المطّلب بن عبد مناف بن قُصَيّ، وإبراهيمَ بن محمّد وأمّه مُسْرِعة ابنة عبّاد بن شيبان بن جابر بن أُهيب بن نُسيب بن زيد بن مالك بن عوف بن الحارث بن مازن بن منصور بن عِكْرِمة بن خَصَفة بن قيس بن عَيْلان بن مُضَر حليف بنى هاشم، والقاسمَ بن محمّد وعبد الرحمن لا بقيّة له، وأمَّ أبيها وأمّهم أمّ عبد الرحمن واسمها بَرّة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم، وجعفرًا الأصغر، وعونًا، وعبدَ الله الأصغر، وأمّهم أمّ جعفر بنت محمّد بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطّلب، وعبدَ الله بن محمّد، ورُقيَّةَ وأمّهما أمّ ولد. أخبرنا الفضل بن دُكَيْن قال: حدّثنا فِطْر بن خليفة، عن منذر الثورى قال: سمعتُ محمّد بن الحنفيّة يقول، وذكر يوم الجَمَل قال -: لمّا تصاففنا أعطانى عليّ الراية فرأى منى نكوصًا لمّا دنا النَّاس بعضهم إلى بعض فأخذها منى فقاتل بها. قال فحملتُ يومئذٍ على رجل من أهل البصرة، فلمّا غشيتُه قال: أنا علىدين أبى طالب، فلمّا عرفتُ الذى أراد كففتُ عنه، فلمّا هُزموا قال عليّ: لا تُجهزوا على جريح ولا تتّبعوا مدبرًا. وقُسم فَيْئُهم بينهم ما قوتل به من سلاحٍ أو كراعٍ، وأخذنا منهم ما أجلبوا به علينا من كراعٍ أو سلاح. أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الموال، عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل قال: سمعتُ محمّد بن الحنفيّة يقول: كان أبي يريد أن يغزو معاوية وأهل الشأم فجعل يعقد لواءه ثمّ يحلف لا يحلّه حتّى يسير، فيأبَى عليه النَّاس وينتشر رأيهم ويجبنون فيحلّه ويكفّر عن يمينه، حتّى فعل ذلك أربع مرّات. وكنتُ أرى حاله فأرى ما لا يسرّنى، فكلّمتُ المِسْوَر بن مَخْرَمة يومئذٍ وقلتُ له: ألا تُكلّمه أين يسيرُ بقوم لا والله ما أرى عندهم طائلًا؟ فقال المسور: يا أبا القاسم يسير لأمرٍ قد حُمّ، قد كلّمتُه فرأيتُه يأبَى إِلَّا المسير. قال محمّد بن الحنفيّة: فلمّا رأى منهم ما أرى قال: اللهمّ إنى قد مللتهم وملّونى وأبغضتهم وأبغضونى فأبْدِلْنى بهم خيرًا منهم وأبدلْهم لى شرًّا منى. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى عبد الله بن الحارث بن الفُضيل، عن أبيه، عن محمّد بن كعب القُرَظى، قال: كان على رجّالة عليّ يوم صفّين عمّار بن ياسر، وكان محمّد بن الحنفيّة يحمل رايته. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى أحمد بن خازم، عن عمرو بن شَراحيل عن حَنَش بن عبد الله الصّنْعانى، عن عبد الله بن زُرير الغافقى، وقد كان شهد صفّين مع عليّ، قال: لقد رأيتُنا يومًا والتقينا نحن وأهل الشأم فاقتتلنا حتّى ظننتُ أنّه لا يبقى أحد، فأسْمَعُ صائحًا يصيح: يا معشر المسلمين الله الله، منْ للنساء والولدان، مَنْ للروم، مَنْ للتُّرْك، مَنْ للدّيْلَم؟ اللهَ اللهَ والبُقْيا. فأسمعُ حركة من خلفى فالتفتّ فإذا عليّ يعدو بالراية يهرول بها حتّى أقامها، ولحقه ابنه محمّد فأسمعهُ يقول: يا بُنيّ الزم رايتك فإنى متقدّم في القوم. فأنْظر إليه يضرب بالسيف حتّى يُفْرَج له ثمّ يرجع فيهم. أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا فِطْر بن خليفة، عن منذر الثورى، قال: كنتُ عند محمّد بن الحنفيّة فسمعتُه يقول: ما أشهد على أحدٍ بالنجاة ولا أنّه من أهل الجنّة بعد رسول الله، ﷺ، ولا على أبي الذى ولدنى. قال فنظر القوم إليه، قال: من كان في النَّاس مثل عليّ سبق له كذا سبق له كذا؟أخبرنا قَبيصة بن عُقْبة قال: أخبرنا سفيان، عن أبيه، عن أبي يَعْلى، عن محمّد بن الحنفيّة أنَّه قال وهو في الشعب: لو أنّ أبى عليًّا أدرك هذا الأمر لكان هذا موضع رحله. أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدّثنا أبو شهاب، عن ليث، عن محمّد الأزدى عن ابن الحنفيّة قال: أهل بيتين من العرب يتّخْذهما النَّاس أنْدادًا من دون الله، نحن وبنو عمّنا هؤلاء، يعنى بنى أميّة. أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا عَبْثَر أبو زُبيد، عن سالم بن أبي حفصة، عن منذر أبي يَعْلى، عن محمّد بن الحنفيّة قال: نحن أهل بيتين من قُريش نُتّخذ من دونِ الله أنْدادًا، نحن وبنو أميّة. حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا أبو عَوانة، عن أبي جَمْرَة (¬١) قال: كانوا يسلّمون على محمّد بن عليّ: سلام عليك يا مهديّ. فقال: أجل أنا مهدى أهدى إلى الرشد والخير، اسمى اسم نبيّ الله وكنيتى كنية نبيّ الله، فإذا سلّم أحدكم فليقلْ سلام عليك يا محمد، السلام عليك يا أبا القاسم (¬٢). أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا أبو العلاء الخفّاف، عن المِنْهال بن عمرو قال: جاء رجل إلى ابن الحنفيّة فسلّم عليه فردّ ﵇ فقال: كيف أنت؟ فحرّك يده فقال: كيف أنتم، أما آن لكم أن تعرفوا كيف نحن؟ إنّما مَثَلُنا في هذه الأمّة مثل بنى إسرائيل في آل فِرْعَون، كان يذبّح أبناءهم ويستحيى نساءهم، وإنّ هؤلاء يذبّحون أبناءنا ويَنكِحُونَ نساءنا بغير أمرنا، فزعمت العرب أنّ لها فضلًا على العجم فقالت العجم: وما ذاك؟ قالوا: كان محمّد عربيّا، قالوا: صدقتم. قالوا: وزعمت قريش أنّ لها فضلًا على العرب فقالت العرب: وبم ذا؟ قالوا: قد كان محمّد قرشيّا، فإن كان القوم صدقوا فلنا فضل على النَّاس (¬٣).قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسّان النّهدى قال: أخبرنا عمر بن زياد الهُذَلى، عن الأسود بن قيس حدّثه قال: لقيتُ بخراسان رجلًا من عَنَزَة (¬١)، قال قلتُ للأسود: ما اسمه؟ قال: لا أدرى، قال: ألا أعرضُ عليك خطبة ابن الحنفيّة؟ قال قلتُ: بلى، قال: انتهيتُ إليه وهو في رهط يحدّثهم فقلت: السلام عليك يا مهديّ، قال: وعليك السلام. قال قلتُ: إنّ لى إليك حاجة، قال: أسِرّ هى أم علانية؟ قال قلت: بل سرّ، قال: اجلس، فجلستُ وحدّث القوم ساعة ثمّ قام فقمتُ معه، فلمّا أن دخل دخلتُ معه بيته، قال: قل بحاجتك، قال فحمدتُ الله وأثنيتُ عليه وشهدتُ أن لا إله إِلَّا الله وشهدتُ أنّ محمدًا عبد الله ورسوله ثمّ قلت: أمّا بعد فوالله ما كنتم أقرب قريش إلينا قرابة فنحبّكم على قرابتكم ولكن كنتم أقرب قريش إلى نبيّنا قرابة، فلذلك أحببناكم على قرابتكم من نبيّنا، فمازال بنا السَّنَنُ (¬٢) في حبّكم حتّى ضُربتْ عليه الأعناق وأُبْطلت الشهادات، وشُرّدنا في البلاد وأوذينا، حتّى لقد هممتُ أن أذهب في الأرض قفرًا فأعبد الله حتّى ألقاه، لولا أن يخفى عليّ أمرُ آل محمّد، وحتى هممتُ أن أخرج مع أقوام شهادتنا وشهادتهم واحدة على أمرائنا فيخرجون فيقاتلون ونقيم فقال عمر: يعنى الخوارج، وقد كانت تبلغنا عنك أحاديث من وراء وراء فأحببتُ أن أشافهك للكلام فلا أسأل عنك أحدًا وكنتَ أوثقَ الناسِ في نفسى وأحبّه إليّ أن أقْتَدِىَ به، فأرى برأيك وكيف ترى المخرج، أقول هذا وأستغفر الله لى ولكم (¬٣). قال: فحمد الله محمّد بن عليّ وأثنى عليه وشهد أن لا إله إِلَّا الله وشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله ثمّ قال: أمّا بعد فإيّاكم وهذه الأحاديث فإنّها عيب عليكم، وعليكم بكتاب الله ﵎ فإنّه به هدى أوّلكم وبه يُهْدى آخركم، ولعمرى لئن أوذيتم لقد أوذى من كان خيرًا منكم. أمّا قيلك لقد هممتُ أن أذهب فيالأرض قفرًا فأعبد الله حتّى ألقاه وأجْتنب أمور النَّاس لولا أن يخفى عليّ أمور آل محمّد، فلا تفعل فإنّ تلك البدعةُ الرهبانيّة، ولعمرى لأمْرُ آل محمّد أبْيَنُ من طلوع هذه الشمس، وأمّا قيلك لقد هممتُ أن أخرج مع أقوامٍ شهادتنا وشهادتهم واحدة على أمرائنا فيخرجون فيقاتلون ونقيم، فلا تفعل، لا تفارق الأمّة، اتّقِ هؤلاء القوم بتقيّتهم، قال عمر: يعنى بنى أميّة، ولا تقاتل معهم (¬١). قال قلت: وما تقيّتهم؟ قال: تُحْضِرُهم وجهك عند دعوتهم فيدفع الله بذلك عنك عن دمك ودينك وتصيب من مال الله الذى أنت أحقّ به منهم. قال قلتُ: أرأيتَ إن أطاف بي قتال ليس لى منه بدّ؟ قال: تبايعُ بإحدى يديك الأخرى لله، وتقاتلُ لله، فإنّ الله سيُدْخِل أقوامًا بسرائرهم الجنّة وسيُدْخِلُ أقوامًا بسرائرهم النار، وإني أذكّرك اللهَ أن تبلّغ عنى ما لم تسمع منى أو أن تقول عليّ ما لم أقل. أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم (¬٢). أخبرنا عليّ بن عبد الله بن جعفر قال: حدّثنى سفيان، يعنى ابن عُيينة، قال: حدَّثَنِى الأسود بن قيس عن رجل عن محمّد بن الحنفيّة قال: بايعْ بإحدى يديك على الأخرى وقاتلْ على نيتّك. أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا قيس عن سعيد بن مسروق عن منذر قال: سمعتُ محمّد بن الحنفيّة يقول: إنّ هذه لصاعقة لا يقوم لها شيء. أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسديّ قال: حدّثنا الوليد بن جُميع، عن أبي الطّفيل، عن محمّد بن الحنفيّة أنّه قال له: الزم هذا المكان وكن حمامة من حَمام الحَرَم حتّى يأتى أمرنا فإنّ أمرنا إذا جاء فليس به خفاء، كما ليس بالشمس إذا طلعت خفاء، وما يُدْريك إن قال لك الناس تأتى من المشرق ويأتى الله بها من المغرب، وما يُدريك إن قال لك النَّاس تأتى من المغرب ويأتى الله بها من المشرق، وما يُدريك لعلّنا سنُؤتَى بها كما يُؤتَى بالعروس (¬٣).أخبرنا محمّد بن الصّلْت قال: حدّثنا الربيع بن المنذر الثوريّ عن أبيه قال: قال ابن الحنفيّة: من أحبّنا نفعه الله وإن كان في الدّيْلَم. أخبرنا محمّد بن الصلت قال: أخبرنا الربيع بن المنذر عن أبيه عن ابن الحنفيّة قال: وددتُ لو فديتُ شيعتنا هؤلاء ولو ببعض دمى، قال ثمّ وضع يده اليمنى على اليسرى على المفصل والعروق ثمّ قال: لحديثهم الكَذِبَ وإذاعتهم الشرّ حتّى إنّها لو كانت أمّ أحدهم التى ولدته أغرى بها حتّى تُقْتَل. أخبرنا قبيصة بن عُقْبة قال: أخبرنا سفيان عن الحارث الأزديّ قال: قال ابن الحنفيّة: رحم الله امرأً أغنى نفسه وكفّ يده وأمسك لسانه وجلس في بيته، له ما احتسب وهو مع من أحبّ، ألا إنّ أعمال بنى أميّة أسرع فيهم من سيوف المسلمين، ألا إنّ لأهل الحقّ دولة يأتى بها الله إذا شاء، فمن أدرك ذلك منكم ومنّا كان عندنا في السنام الأعلى، ومن يمت فما عِنْدَ الله خَيْرٌ وَأبْقَى (¬١). أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا أبو شهاب عن الحسن بن عمرو عن أبي يَعْلى عن ابن الحنفيّة قال: من أحبّ رجلًا للْه لعَدْلٍ ظهر منه وهو في علم الله من أهل النار آجره الله على حبّه إيّاه كما لو كان أحبّ رجلًا من أهل الجنّة، ومن أبغض رجلًا لله لجورٍ ظهر منه وهو في علم الله من أهل الجنّة آجره الله على بُغْضه إيّاه كما لو كان أبغض رجلًا من أهل النار. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى عبد الله بن جعفر عن أمّ بكر بنت المِسْوَر قالت: كان المختار بن أبي عبيد مع عبد الله بن الزبير في حصره الأوّل أشدّ الناسِ معه ويريه أنَّه شيعة له، وابن الزبير معجب به ويُحْمَل عليه فلا يسمع عليه كلامًا. وكان المختار يختلف إلى محمّد بن الحنفيّة، وكان محمّد ليس فيه بحَسَنِ الرأى ولا يقبل كثيرًا ممّا يأتى به، فقال المختار: أنا خارج إلى العراق. فقال له محمّد: فاخْرج وهذا عبد الله بن كامل الهَمْدانى يخرج معك، وقال لعبد الله: تحرّزْ منه واعلم أنّه ليس له كبيرُ أمانة. وجاء المختار إلى ابن الزّبير فقال: اعْلم أنّ مكانى من العراق أنفعُ لك من مقامى هاهنا. فأذن له عبد الله بن الزبيرفخرج هو وابن كامل، وابن الزُّبير لا يشكّ في مناصحته، وهو مصرّ على الغشّ لابن الزبير. فخرجا حتّى لقيا لاقيًا بالعُذيب فقال المختار: أخبرْنا عن النَّاس، فقال: تركتُ النَّاس كالسفينة تجول لا ملّاح لها. فقال المختار: فأنا ملّاحها الذى يقيمها. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن هشام بن عُرْوة عن أبيه قال: لمّا قدم المختار العراق اختلف إلى عبد الله بن مُطيع، وهو والى الكوفة يومئذٍ لعبد الله بن الزبير، وأظهر مناصحة ابن الزبير وعابه في السرّ، ودعا إلى ابن الحنفيّة وحرّض النَّاس على ابن مطيع، واتّخذ شيعةً، يركب في خيل عظيمة. فلمّا رأى ذلك ابن مطيع خافه فهرب منه إلى عبد الله بن الزبير. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى جعفر بن محمّد بن خالد بن الزبير عن عثمان بن عروة عن أبيه قال: وحدّثنا إسحاق بن يحيَى بن طلحة وغيرهما قالوا: كان المختار لمّا قدم الكوفة كان أشدّ النَّاس على ابن الزبير وأَعْيَبَه له، وجعل يُلْقى إلى النَّاس أنّ ابن الزبير كان يطلب هذا الأمر لأبي القاسم، يعنى ابن الحنفيّة، ثمّ ظلمه إيّاه، وجعل يذكر ابن الحنفيّة وحاله وورعه وأنّه بعثه إلى الكوفة يدعو له، وأنّه كتب له كتابًا فهو لا يعدوه إلى غيره. ويقرأ ذلك الكتاب على من يثق به، وجعل يدعو النَّاس إلى البيعة لمحمد بن الحنفيّة فيبايعونه له سرًّا، فشكّ قوم ممّن بايعه في أمره وقالوا: أعطينا هذا الرجل عهودنا أن زعم أنّه رسول ابن الحنفيّة، وابن الحنفيّة بمكّة ليس منّا ببعيد ولا مستتر، فلو شخص منّا قوم إليه فسألوه عمّا جاء به هذا الرجل عنه، فإن كان صادقًا نصرناه وأعنّاه على أمره. فشخص منهم قوم فلقوا ابن الحنفيّة بمكّة فأعلموه أمر المختار وما دعاهم إليه فقال: نحن حيث ترون محتسبون وما أحبّ أنّ لى سلطان الدنيا بقتل مؤمنٍ بغير حقّ، ولوددتُ أنّ الله انتصر لنا بمن شاء من خلقه، فاحذروا الكذّابين وانظروا لأنفسكم ودينكم. فانصرفوا على هذا (¬١). وكتب المختار كتابًا على لسان محمّد بن الحنفيّة إلى إبراهيم بن الأشْتر،وجاء فاستأذن عليه، وقيل المختار أمين آل محمّد ورسوله، فأذن له وحيّاه ورحّب به وأجلسه معه على فراشه، فتكلّم المختار، وكان مفوّهًا، فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ، ﷺ، ثمّ قال: إنّكم أهل بيت قد أكرمكم الله بنصرة آل محمّد، وقد رُكبَ منهم ما قد علمتَ، وحُرموا ومُنعوا حقّهم وصاروا إلى ما رأيتَ، وقد كتب إليك المهدى كتابًا، وهؤلاء الشهود عليه. فقال يزيد بن أنس الأسدى وأحمر بن شُميط البَجَلى وعبد الله بن كامل الشاكرى وأبو عَمْرة كيسان مولى بَجيلة: نشهد أنّ هذا كتابه قد شهدناه حين دفعه إليه. فقبضه إبراهيم وقرأه ثمّ قال: أنا أوّل من يجيب وقد أمرنا بطاعتك ومؤازرتك فقل ما بدا لك وادْعُ إلى ما شئت (¬١). ثمّ كان إبراهيم يركب إليه في كلّ يوم فزرع ذلك في صدور النَّاس، وورد الخبر على ابن الزبير فتنكّر لمحمّد بن الحنفيّة، وجعل أمر المختار يغلظ في كلّ يوم ويكثر تَبَعُه، وجعل يتتبّع قتلة الحسين ومن أعان عليه فيقتلهم، ثمّ بعثَ إبراهيمَ بن الأشتر في عشرين ألفًا إلى عبيد الله بن زياد فقتله وبعث برأسه إلى المختار فعمد إليه المختار فجعله في جُونة، ثمّ بعث به إلى محمّد بن الحنفيّة وعليّ بن الحسين وسائر بنى هاشم (¬٢). فلمّا رأى عليّ بن حسين رأس عبيد الله ترحّم على الحسين وقال: أُتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين وهو يتغدّى، وأُتينا برأس عبيد الله ونحن نتغدّى، ولو لم يبقَ من بنى هاشم أحد إِلَّا قام بخطبة في الثناء على المختار والدعاء له وجميل القول فيه (¬٣). وكان ابن الحنفيّة يكره أمر المختار وما يبلغه عنه ولا يحبّ كثيرًا ممّا يأتى به، وكان ابن عبّاس يقول: أصاب بثأرنا وأدرك وَغْمنا (¬٤) وآثرنا ووصلنا. فكان يُظْهِر الجميل فيه للعامّة. فلمّا اتّسق الأمر للمختار كتب لمحمّد بن عليّ المهديّ: من المختار بن أبى عبيد الطالب بثأر آل محمّد، أمّا بعد فإنّ الله تباركوتعالى لم ينتقم من قوم حتّى يُعْذِر إليهم، وإنّ الله قد أهلك الفسقة وأشياع الفسقة وقد بقيت بقايا أرجو أن يُلْحِق الله آخرهم بأوّلهم (¬١). أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا ربيعة بن عثمان ومحمّد بن عبد الله بن عُبيد بن عُمير وإسحاق بن يحيَى بن طلحة وهشام بن عمارة عن سعيد بن محمّد بن جُبير بن مُطْعم والحسين بن الحسن بن عطّية العوفى عن أبيه عن جدّه وغيرهم أيضًا قد حدّثنى قالوا: لمّا جاء نعى معاوية بن أبي سفيان إلى المدينة كان بها يومئذٍ الحسين بن عليّ ومحمّد بن الحنفيّة وابن الزبير، وكان ابن عبّاس بمكّة. فخرج الحسين وابن الزبير إلى مكّة، وأقام ابن الحنفيّة بالمدينة حتّى سمع بدنوّ جيش مُسْرِف وأيّام الحرّة فرحل إلى مكّة فأقام مع ابن عبّاس، فلمّا جاء نعى يزيد بن معاوية وبايع ابن الزبير لنفسه ودعا النَّاس إليه دعا ابن عبّاس ومحمّد بن الحنفيّة إلى البيعة له فأبيا يبايعان له وقالا: حتّى يجتمع لك البلاد ويتّسق لك النَّاس. فأقاما على ذلك ما أقاما، فمرّة يكاشرهما ومرّة يلين لهما ومرّة يباديهما، ثمّ غلظ عليهما فوقع بينهم كلام وشرّ، فلم يزل الأمر يغلظ حتّى خافا منه خوفًا شديدًا ومعهما النساء والذرّيّة، فأساء جوارهم وحصرهم وآذاهم، وقصد لمحمد بن الحنفيّة فأظهر شتمه وعيّبه وأمره وبنى هاشم أن يلزموا شعبهم بمكّة، وجعل عليهم الرقباء وقال لهم فيما يقول: والله لتُبَايعُنّ أو لأحْرقنّكم بالنار. فخافوا على أنفسهم (¬٢). قال سُليم أبو عامر: فرأيتُ محمّد بن الحنفيّة محبوسًا في زَمْزَم والناس يُمْنَعون من الدخول عليه فقلتُ: واللْه لأدخلنّ عليه، فدخلتُ فقلتُ: ما بالك وهذا الرجلَ؟ فقال: دعانى إلى البيعة فقلت إنّما أنا من المسلمين فإذا اجتمعوا عليك فأنا كأحدهم، فلم يرضَ بهذا منى، فاذْهب إلى ابن عبّاس فأقْرِئْه منى السلامَ وقل يقول لك ابن عمّك ما ترى؟ (¬٣). قال سُليم: فدخلتُ على ابن عبّاس وهو ذاهب البَصَر فقال: من أنت؟فقلت: أنصاريّ، فقال: رُبّ أنصاريّ هو أشدّ علينا من عدوّنا. فقلت: لا تخف، أنا ممّن لك كلّه. قال: هاتِ. فأخبرتُه بقول ابن الحنفيّة فقال: قل له لا تُطِعْه ولا نعمة عين إِلَّا ما قلتَ: لا تزده عليه. فرجعتُ إلى ابن الحنفيّة فأبلغتُه ما قال ابن عبّاس، فهمّ ابن الحنفيّة أن يقدم إلى الكوفة وبلغ ذلك المختار فثقُل عليه قدومه فقال: إنّ في المهدى علامة يقدم بلدكم هذا فيضربه رجل في السوق بالسيف لا تضرّه ولا تحيك فيه (¬١). فبلغ ذلك ابن الحنفيّة فأقام فقيل له: لو بعثتَ إلى شيعتك بالكوفة فأعلمتهم ما أنتم فيه. فبعث أبا الطّفيل عامر بن واثلة إلى شيعتهم بالكوفة، فقدم عليهم فقال: إنّا لا نأمن ابن الزبير على هؤلاء القوم. وأخبرهم بما هم فيه من الخوف، فقطع المختار بعثًا إلى مكّة فانتدب منهم أربعة آلاف، فعقد لأبي عبد الله الجَدَلى عليهم وقال له: سِرْ فإن وجدتَ بنى هاشم في الحياة فكن لهم أنت ومن معك عضدًا وانْفذ لما أمروك به، وإن وجدتَ ابن الزبير قد قتلهم فاعترض أهل مكّة حتّى تصل إلى ابن الزبير ثمّ لا تدع من آل الزُّبير شُفْرًا ولا ظُفْرًا. وقال: يا شرطة الله لقد أكرمكم الله بهذا المسير ولكم بهذا الوجه عشر حِجَج وعشر عُمَر. وسار القوم ومعهم السلاح حتّى أشرفوا على مكّة فجاء المستغيث: اعْجلوا فما أُراكم تدركونهم. فقال النَّاس: لو أنّ أهل القوّة عجّلوا. فانتدب منهم ثمانمائة رأسهم عَطيّة بن سعد بن جُنادة العَوْفى حتّى دخلوا مكّة فكبّروا تكبيرة سمعها ابن الزبير فانطلق هاربًا حتّى دخل دار النَّدْوَه، ويقال بل تعلّق بأستار الكعبة وقال: أنا عائذ الله (¬٢). قال عطيّة: ثمّ مِلْنا إلى ابن عبّاس وابن الحنفيّة وأصحابهما في دور قد جُمع لهم الحطب فأحيط بهم حتّى بلغ رءوس الجُدُر، لو أنّ نارًا تقع فيه ما رُئى منهم أحد حتّى تقوم الساعة، فأَخَّرْناه عن الأبواب، وعجل علي بن عبد الله بن عبّاس، وهو يومئذٍ رجل، فأسرع في الحطب يريد الخروج فأدمى ساقيه، وأقبل أصحابابن الزبير فكنّا صفّين نحن وهم في المسجد نهارنا ونهاره لا ننصرف إلّا إلى صلاة حتّى أصبحنا. وقدم أبو عبد الله الجَدَلى في النَّاس فقلنا لابن عبّاس وابن الحنفيّة: ذرونا نُرِح الناسَ من ابن الزبير. فقالا: هذا بلد حرّمه الله، ما أحلّه لأحد إِلَّا للنبيّ، ﵇، ساعةً ما أحلّه لأحدٍ قبله ولا يحلّه لأحدٍ بعده، فامنعونا وأجيرونا (¬١). قال: فتحمّلوا وإن مناديًا لينادى في الجبل: ما غنمتْ سريّة بعد نبيّها ما غنمت هذه السريّة، إنّ السرايا تغنم الذهب والفضة وإنّما غنمتم دماءنا. فخرجوا بهم حتّى أنزلوهم مِنًى فأقاموا بها ما شاء الله أن يقيموا ثمّ خرجوا إلى الطائف فأقاموا ما أقاموا. وتوفّى عبد الله بن عبّاس بالطائف سنة ثمانٍ وستّين وصلّى عليه محمّد بن الحنفيّة، وبقينا مع ابن الحنفيّة. فلمّا كان الحجّ وحجّ ابن الزبير من مكّة فوافى عَرَفة في أصحابه، ووافى محمّد بن الحنفيّة من الطائف في أصحابه، فوقف بعرفة. ووافَى نَجْدة بن عامر الحنفى تلك السنة في أصحابه من الخوارج فوقف ناحيةً. وحجّت بنو أميّة على لواء فوقفوا بعرفة فيمن معهم (¬٢). أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا شُرَحْبيل بن أبي عَوْن، عن أبيه قال: وقفتْ في هذه السنة أربعة ألوية بعرفة: محمّد بن الحنفيّة في أصحابه على لواء قام عند حَبْل المشاة، وحجّ ابن الزبير في أصحابه معه لواء فقام مقام الإمام اليومَ، ثمّ تقدّم محمّد بن الحنفيّة بأصحابه حتّى وقف حذاء ابن الزبير، ووافى نَجْدة الحرورى في أصحابه ومعه لواء فوقف خلفهما، ووافتْ بنو أميّة ومعهم لواء فوقفوا عن يسارهما. فكان أوّل لواء أنغض لواء محمّد بن الحنفيّة، ثمّ تبعه نجدة، ثمّ لواء بنى أُميّة، ثمّ لواء ابن الزبير واتّبعه النّاس. أخبرنا محمّد بن عمر قال: فحدّثنى عبد الله بن نافع، عن أبيه قال: لم يدفع ابن الزبير تلك العشيّة إِلَّا بدفعة ابن عمر، فلمّا أبطأ ابن الزبير، وقد مضى ابن الحنفيّة ونجدة وبنو أميّة، قال ابن عمر: أينتظر ابن الزبير أمر الجاهليّة؟ ثمّ دفع فدفع ابن الزبير على أثره.أخبرنا محمد بن عمر قال: حدَّثنى الضحّاك بن عثمان، عن مَخْرَمة بن سليمان قال: سمعتُ ابن الحنفيّة يقول: دفعتُ من عرفة حين وجبت الشمس وتلك السّنّة فبلغنى أنّ ابن الزبير يقول: عجّل محمدُ عجّل محمدُ، فعمّن أخذ ابنُ الزبير الإغساق؟ أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى هشام بن عُمارة، عن سعيد بن محمّد بن جُبير عن أبيه قال: أقام الحجّ تلك السنة ابن الزبير وحجّ عامئذٍ محمّد بن الحنفيّة في الخَشَبيّة معه، وهم أربعة آلاف نزلوا في الشِّعْب الأيسر من منًى. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى إسرائيل عن ثُوير قال: رأيتُ ابن الحنفيّة في الشِّعْب الأيسر من مِنًى في أصحابه. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى هشام بن عُمارة، عن سعيد بن محمّد بن جُبير بن مُطْعِم عن أبيه قال: خفتُ الفتنة فمشيتُ إليهم جميعًا فجئتُ محمّد بن عليّ في الشِّعب فقلت: يا أبا القاسم اتّقِ الله فإنّا في مشعرٍ حرام وبلدٍ حرام، والناس وَفْدُ الله إلى هذا البيت، فلا تُفْسد عليهم حجّهم. فقال: والله ما أريد ذلك وما أحول بين أحدٍ وبين هذا البيت، ولا يُؤْتَى أحد من الحاجّ من قِبَلى ولكنى رجلٌ أدفع عن نفسى من ابن الزبير وما يريد منى، وما أطلب هذا الأمر إِلَّا أن لا يختلف عليّ فيه اثنان، ولكن ائْتِ ابن الزبير فكلّمه وعليك بنَجْدة فكلّمْه. قال محمّد بن جُبير: فجئتُ ابن الزبير فكلّمتُه بنحوٍ ممّا كلّمت به ابن الحنفيّة فقال: أنا رجل قد اجتُمع عليّ وبايعنى النَّاس، وهؤلاء أهل خلاف. فقلتُ: إنّ خيرًا لك الكفّ، فقال: أفْعَلُ. ثمّ جئتُ نجدة الحرورى، فأجدُه في أصحابه وأجد عِكْرِمة غلام ابن عبّاس عنده، فقلتُ: استأذنْ لى على صاحبك، قال فدخل فلم ينشب أن أذن لى فدخلتُ فعظّمت عليه وكلّمتُه بما كلّمتُ به الرجلين فقال: أمّا أن أبتدئ أحدًا بقتال فلا ولكن منْ بدأنا بقتال قاتلناه. قلت: فإنى رأيت الرجلين لا يريدان قتالك. ثمّ جئتُ شيعة بنى أميّة فكلّمتهم بنحوٍ ممّا كلّمتُ به القوم فقالوا: نحن على لوائنا لا نقاتل أحدًا إِلَّا أن يقاتلنا. فلم أرَ في تلك الألوية أسْكَنَ ولا أسلم دفعةً من أصحاب ابن الحنفيّة (¬١).قال محمّد بن جُبير: وقفتُ تلك العشيّة إلى جنب محمّد بن الحنفيّة فلمّا غابت الشمس التفتَ إليّ فقال: يا أبا سعيد ادْفَع، فدفع ودفعتُ معه فكان أوّل من دفع (¬١). أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا شُرَحْبيل بن أبي عَوْن عن أبيه قال: رأيتُ أصحاب ابن الحنفيّة يلبّون بعرفة ورمقتُ ابن الزبير وأصحابه فإذا هم يلبّون حتّى زاغت الشمس، ثمّ قُطع، وكذلك فعلت بنو أميّة. وأمّا نَجْدة فلبّى حتّى رمى جَمْرة العَقَبة. أخبرنا المعلّى بن أسد قال: حدّثنا عبد العزيز بن المختار قال: حدّثنا خالد قال: حدّثنى أبو العُرْيان المُجاشعى قال: بعثنا المختار في ألفى فارس إلى محمّد بن الحنفيّة، قال: فكنّا عنده، قال: فكان ابن عبّاس يذكر المختار فيقول: أدرك ثأرنا وقضى ديوننا وأنفق علينا. قال: وكان محمّد بن الحنفيّة لا يقول فيه خيرًا ولا شرًّا، قال: فبلغ محمدًا أنّهم يقولون إنّ عندهم شيئًا، أى من العلم، قال: فقام فينا فقال: إنّا والله ما ورثنا من رسول الله إِلَّا ما بين هذين اللوحين. ثمّ قال: اللهمّ حِلًّا وهذه الصحيفة في ذؤابة سيفى. قال فسألتُ: وما كان في الصحيفة؟ قال: من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا. أخبرنا كثير بن هشام قال: أخبرنا جعفر بن بُرْقان قال: حدّثنى الوليد الرمّاح قال: بلغنا أنّ محمّد بن عليّ أخرج من مكّة فنزل شعب عليّ فخرجنا من الكوفة لنأتيه فلقينا ابن عبّاس، وكان ابن عبّاس معه في الشعب فقال لنا: احصوا سلاحكم ولبّوا بعمرة، ثمّ ادْخلوا البيت وطوفوا به وبين الصفا والمروة. أخبرنا هَوْذة بن خليفة قال: حدّثنا عوف عن ميمون عن وردان قال: كنت في العصابة الذين انتدبوا إلى محمّد بن عليّ، قال: وكان ابن الزبير قد منعه أن يدخل مكّة حتّى يبايعه فأبَى أن يبايعه، قال: فانتهينا إليه فأراد أهل الشأم فمنعه عبد الملك أن يدخلها حتّى يبايعه فأبَى عليه، قال: فسرنا معه ما سرنا ولو أمرنا بالقتال لقاتلنا معه، فجمعنا يومًا فقسم فينا شيئًا وهو يسير، ثمّ حمد الله وأثنىعليه ثمّ قال: الحقوا برحالكم واتّقوا الله وعليكم بما تعرفون ودعُوا ما تُنْكِرون وعليكم بخاصّة أنفسكم ودعوا أمر العامّة واستقروا عن أمرنا كما استقرت السماء والأرض، فإنّ أمرنا إذا جاء كان كالشمس الضاحية. قالوا: وقُتل المختار بن أبي عبيد في سنة ثمانٍ وستّين، فلمّا دخلت سنة تسعٍ وستيّن أرسل عبد الله بن الزبير عُرْوة بن الزبير إلى محمّد بن الحنفيّة: إنّ أمير المؤمنين يقول لك إنى غير تاركك أبدًا حتّى تبايعنى أو أعيدك في الحبس وقد قتل الله الكذّاب الذى كنتَ تدّعى نصرته، وأجمع عليّ أهلُ العراقين، فبايْع لى وإلّا فهى الحرب بيني وبينك إن امتنعتَ. فقال ابن الحنفيّة لعروة: ما أسرع أخاك إلى قطع الرحم والاستخفاف بالحقّ، وأغفله عن تعجيل عقوبة الله، ما يشكّ أخوك في الخلود وإلّا فقد كان أحمد للمختار ولهديه منى، والله ما بعثتُ المختار داعيًا ولا ناصرًا، وللمختار كان إليه أشدّ انقطاعًا منه إلينا، فإن كان كذّابًا فطالما قرّبه على كذبه، وإن كان على غير ذلك فهو أعلمُ به، وما عندى خلاف، ولو كان خلاف ما أقمتُ في جواره ولخرجتُ إلى من يدعونى فأبيت ذلك عليه، ولكن هاهنا والله لأخيك قرينًا يطلب مثل ما يطلب أخوك، كلاهما يقاتلان على الدنيا: عبد الملك بن مروان. والله لكأنّك بجيوشه قد أحاطت برقبة أخيك وإنى لأحسب أنّ جوار عبد الملك خير لى من جوار أخيك، ولقد كتب إليّ يعرض عليّ ما قِبَله ويدعونى إليه (¬١). قال عروة: فما يمنعك من ذلك؟ قال: أستخير الله وذلك أحبّ إلى صاحبك. قال: أذكر ذلك له. فقال بعض أصحاب محمّد بن الحنفيّة: والله لو أطعتَنا لضربنا عنقه. فقال ابن الحنفيّة: وعَلَام أضرب عنقه؟ جاءنا برسالة من أخيه وجاورنا فجرى بيننا وبينه كلام فرددناه إلى أخيه. والذى قلتم غدر وليس في الغدر خير، لو فعلتُ الذى تقولون لكان القتال بمكّة وأنتم تعلمون أنّ رأيى لو اجتمع النَّاس عليّ كلّهم إِلَّا إنسان واحد لمّا قاتلتُه. فانصرف عروة فأخبر ابن الزبير بما قال له محمّد بن الحنفيّة، قال والله ما أرى أن تعرض له، دَعْه فليخرجعنك ويغيّب وجهه فعبد الملك أمامه لا يتركه يُحلّ بالشأم حتّى يبايعه، وابن الحنفيّة لا يبايعه أبدًا حتّى يجتمع النَّاس عليه، فإن صار إليه كفاكه إمّا حَبَسَهُ وإمّا قَتَله فتكون أنت قد برئت من ذلك. فأفثأ ابن الزبير عنه (¬١)؟ فقال أبو الطّفيل: وجاء كتاب من عبد الملك بن مروان ورسول حتّى دخل الشِّعْبَ فقرأ محمّد بن الحنفيّة الكتاب. فقرأ كتابًا لو كتب به عبد الملك إلى بعض إخوته أو ولده ما زاد على ألطافه، وكان فيه: إنّه قد بلغنى أنّ ابن الزبير قد ضيّق عليك وقطع رحمك واستخفّ بحقّك حتّى تبايعه فقد نظرت لنفسك ودينك وأنت أعرف به حيث فعلتَ ما فعلت، وهذا الشأم فأنْزل منه حيث شئتَ فنحن مكرموك وواصلو رحمك وعارفو حقّك. فقال ابن الحنفيّة لأصحابه: هذا وجه نخرج إليه. قال فخرج وخرجنا معه ومعه كُثَيّر عَزّة ينشد شعرًا: أنْتَ إمَامُ الحَقّ لَسْنا نَمْتَرِىْ … أنْتَ الّذى نَرْضَى بهِ ونَرْتَجِىْ أنْتَ ابنُ خَيرِ النّاسِ من بَعد النَّبِيِّ … يا بنَ عليّ سِرْ وَمَنْ مثلُ عَلِىْ حتّى تَحُلّ أرْضَ كَلْبٍ وبلىْ قال أبو الطُّفيل: فسرنا حتّى نزلنا أيْلة فجاورونا بأحسن جوار وجاورناهم بأحسن ذلك وأحبّوا أبا القاسم حبًّا شديدًا وعظّموه وأصحابه، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر ولا يُظْلَم أحد من النَّاس قرْبنا ولا بحضرتنا. فبلغ ذلك عبد الملك فشقّ ذلك عليه وذكره لقبيصة بن ذُؤيب ورَوْح بن زِنْباع وكانا خاصّته فقالا: ما نرى أن ندعه يقيم في قُرْبه منك وسيرته سيرته حتّى يبايع لك أو تصرفه إلى الحجاز. فكتب إليه عبد الملك: إنّك قدمت بلادى فنزلت في طرفٍ منها، وهذه الحرب بينى وبين ابن الزبير كما تعلم، وأنت لك ذكر ومكان، وقد رأيتُ أن لا تقيم في سلطانى إِلَّا أن تبايع لى، فإن بايعتنى فخذ السفن التى قدمت علينا من القُلْزُم وهى مائة مركب فهى لك وما فيها، ولك ألفًا ألف درهم أعجّل لك منها خمسمائة ألف وألف ألف وخمسمائة ألف آتِيَتُك مع ما أردتَ من فريضة لك ولولدك ولقرابتك ومواليك ومن معك، وإن أبيتَ فتحوّلْ عن بلدى إلى موضعٍلا يكون لى فيه سلطان. قال فكتب إليه محمّد بن عليّ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمّد بن عليّ إلى عبد الملك بن مروان، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إِلَّا هو، أمّا بعد فقد عرفتَ رأيى في هذا الأمر قديمًا، وإنى لستُ أسفهُه على أحد، والله لو اجتمعت هذه الأمّة عليّ إِلَّا أهل الزرقاء ما قاتلتهم أبدًا ولا اعتزلتهم حتّى يجتمعوا. نزلت مكّة فرارًا ممّا كان بالمدينة فجاورتُ ابن الزبير فأساء جوارى وأراد منى أن أبايعه فأبيتُ ذلك حتّى يجتمع النَّاس عليك أو عليه، ثمّ أدخُل فيما دخل فيه النَّاس فأكون كرجلٍ منهم، ثمّ كتبتَ إليّ تدعونى إلى ما قِبلَك فأقبلتُ سائرًا فنزلتُ في طرف من أطرافك، والله ما عندى خلاف ومعى أصحابي فقلنا بلاد رخيصة الأسعار وندنو من جوارك ونتعرّض صلتك. فكتبتَ بما كتبت به ونحن منصرفون عنك إن شاء الله. أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا أبو عَوانة، عن أبي جَمْرَة (¬١) قال: كنتُ مع محمّد بن عليّ فسرنا من الطائف إلى أيْلة بعد موت ابن عبّاس بزيادة على أربعين ليلة. قال وكان عبد الملك قد كتب لمحمد عهدًا على أن يدخل في أرضه هو وأصحابه حتّى يصطلح النَّاس على رجل، فإذا اصطلحوا على رجل بعهد من الله وميثاق كتبه عبد الملك. فلمّا قدم محمّد الشأم بعث إليه عبد الملك: إمّا أن تبايعنى وإمّا أن تخرج من أرضى -ونحن يومئذٍ معه سبعة آلاف- فبعث إليه محمّد بن عليّ: على أن تُؤَمِّن أصحابي، ففعل، فقام محمّد فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: الله وليّ الأمور كلّها وحاكمها، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، كلّ ما هو آتٍ قريب، عجلتم بالأمر قبل نزوله، والذى نفسى بيده إنّ في أصلابكم لمن يقاتل مع آل محمّد ما يخفى على أهل الشرك أمرُ آل محمّد وأمر آل محمّد مستأخر. والذى نفس محمّد بيده ليعودنّ فيكم كما بدأ. الحمد الله الذى حقن دماءكم وأحرز دينكم! من أحبّ منكم أن يأتى مأمنه إلى بلده آمنا محفوظًا فليفعل. فبقى معه تسعمائة رجلٍ فأحرم بعمرة وقلّد هديًا فعمدنا إلى البيت فلمّا أردنا أن ندخل الحرم تلقّتْنا خيل ابن الزبير فمنعتنا أن ندخل، فأرسل إليه محمّد: لقد خرجتُ وما أريد أن أقاتلك ورجعتُ وما أريد أن أقاتلك، دَعْنافلندخل ولنَقْضِ نسكنا ثمّ لنخرج عنك. فأبَى، ومعنا البُدُن قد قلّدناها، فرجعنا إلى المدينة فكنّا بها حتّى قدم الحجّاج فقتل ابن الزبير ثمّ سار إلى البصرة والكوفة، فلمّا سار مضينا فقضينا نسكنا. وقد رأيتُ القمل يتناثر من محمّد بن عليّ. فلمّا قضينا نسكنا رجعنا إلى المدينة فمكث ثلاثة أشهر ثمّ توفّى (¬١). أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا إسماعيل بن مسلم الطائى عن أبيه قال: كتب عبد الملك بن مروان: من عبد الملك أمير المؤمنين إلى محمّد بن عليّ. فلمّا نظر إلى عنوان الصحيفة قال: إنّا لِلَّه وَإنّا إلَيهِ راجعُونَ، الطُّلَقاء ولُعنَاء رسول الله، ﷺ، على منابر النَّاس، والذى نفسى بيده إنّها لأمور لم يقرّ قرارها. قال أبو الطّفيل: فانصرفنا راجعين فأذن للموالى ولمن كان معه من أهل الكوفة والبصرة فرجعوا من مَدْيَن، ومضينا إلى مكّة حتّى نزلنا معه الشّعْب بمنى، فما مكثنا إِلَّا ليلتين أو ثلاثًا حتّى أرسل إليه ابن الزبير أن اشخص من هذا المنزل ولا تجاورنا فيه. قال ابن الحنفيّة: اصْبر وما صبرك إِلَّا بالله وما هو بعظيم من لا يصبر على ما لا يجد من الصبر عليه بُدًّا حتّى يجعل الله له منه مخرجًا، والله ما أردتُ السيف ولو كنتُ أريده ما تعبّث بي ابن الزبير ولو كنتُ أنا وحدى ومعه جموعه التي معه، ولكن والله ما أردتُ هذا وأرى ابن الزبير غير مُقْصِر عن سوء جوارى فسأتحوّل عنه. ثمّ خرج إلى الطائف فلم يزل بها مقيمًا حتّى قدم الحجّاج لقتال ابن الزبير لهلال ذى القعدة سنة اثنتين وسبعين، فحاصر ابن الزبير حتّى قتله يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة. وحجّ ابن الحنفيّة تلك السنة من الطائف ثمّ رجع إلى شعبه فنزله. أخبرنا محمّد بن عمر، عن عبد الرحمن بن أبي الموال، عن الحسن بن عليّ بن محمّد بن الحنفيّة عن أبيه قال: لمّا صار محمّد بن عليّ إلى الشعب سنة اثنتين وسبعين وابن الزبير لم يُقْتل والحجّاج محاصره أرسل إليه أن يبايع لعبد الملك، فقال ابن الحنفيّة: قد عرفتَ مقامى بمكّة وشخوصى إلى الطائف وإلى الشأم، كلّ هذا إباء منى أن أبايع ابن الزبير أو عبد الملك حتّى يجتمع النَّاس علىأحدهما، وأنا رجل ليس عندى خلاف، لمّا رأيتُ النَّاس اختلفوا اعتزلتهم حتّى يجتمعوا، فأويتُ إلى أعظم بلاد الله حرمة يأمن فيه الطير فأساء ابن الزبير جوارى، فتحوّلتُ إلى الشأم فكره عبد الملك قُرْبى، فتحوّلت إلى الحرم فإن يُقتْل ابن الزبير ويجتمع النَّاس على عبد الملك أبايعك. فأبَى الحجّاج أن يرضى بذلك منه حتّى يبايع لعبد الملك، فأبَى ذلك ابن الحنفيّة وأبَى الحجّاج أن يُقِرّه على ذلك. فلم يزل محمّد يدافعه حتّى قُتل ابن الزبير. أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسدى قالا: حدّثنا يونس بن أبي إسحاق قال: حدّثنى سهل بن عُبيد بن عمرو الحارثى قال: لمّا بعث عبد الملك الحجّاج إلى مكّة والمدينة قال له: إنّه ليس لك على محمّد بن الحنفيّة سلطان. قال فلمّا قدم الحجّاج أرسل إليه الحجّاج يتوعّده ثمّ قال: إنى لأرجو أن يمكّن الله منك يومًا من الدهر ويجعل لى عليك سلطانا فأفعلُ وأفعلُ. قال: كذبتَ يا عدوّ نفسه! هل شعرتَ أنْ لله في كلّ يومٍ ستّون وثلاثمائة لحظة أو نفحة؟ فأرجو أن يرزقنى الله بعض لحظاته أو نفحاته فلا يجعل لك على سلطانًا. قال فكتب بها الحجّاج إلى عبد الملك فكتب بها عبد الملك إلى صاحب الروم فكتب إليه صاحب الروم: إنّ هذه والله ما هى من كنزك ولا كنز أهل بيتك ولكنّها من كنز أهل بيت نبوّة. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى عبد الله بن جعفر عن صالح بن كَيْسان، عن الحسن بن محمّد بن عليّ قال: لم يبايع أبي الحجّاج، لمّا قُتل ابن الزبير بعث الحجّاج إليه فجاء فقال: قد قتل الله عدوّ الله، فقال ابن الحنفيّة: إذا بايع النَّاس بايعتُ. قال: والله لأقتلنّك! قال: أو لا تدرى أنْ لله في كلّ يومٍ ثلاثمائة وستّون لحظة في كلّ لحظة ثلائمائة وستّون قضيّة؟ فلعلّه يكفيناك في قضيّة من قضاياه (¬١). قال فكتب بذلك الحجّاج إلى عبد الملك فأتاه كتابه فأعجبه، وكتب به إلى صاحب الروم، وذلك أنّ صاحب الروم كتب إليه يهدّده أنَّه قد جمع له جموعًا كثيرة، فكتب عبد الملك بذلك الكلام إلى صاحب الروم، وكتب: قد عرفنا أنّمحمدًا ليس عنده خلاف وهو يأتيك ويبايعك فارْفق به. فلمّا اجتمع النَّاس على عبد الملك وبايع ابن عمر قال ابن عمر لابن الحنفيّة: ما بقى شيء فبايعْ. فكتب ابن الحنفيّة إلى عبد الملك: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين من محمّد بن عليّ، أمّا بعد فإنِّي لمّا رأيتُ الأمّة قد اختلفت اعتزلتهم، فلمّا أفضى هذا الأمر إليك وبايعك النَّاس كنت كرجلٍ منهم أدخل في صالح ما دخلوا فيه، فقد بايعتُك وبايعتُ الحجّاج لك وبعثتُ إليك ببيعتى، ورأيتُ النَّاس قد اجتمعوا عليك، ونحن نحبّ أن تُؤمننا وتُعطينا ميثاقًا على الوفاء فإنّ الغدر لا خير فيه، فإن أبيتَ فإنّ أَرْضَ الله واسعَةٌ (¬١). فلمّا قرأ عبد الملك الكتاب قال قَبيصة بن ذُؤيب ورَوْح بن زِنْباع: ما لك عليه سبيل، ولو أراد فتقًا لقدر عليه، ولقد سلم وبايع فنرى أن تكتب إليه بالعهد والميثاق بالأمان له والعهد لأصحابه. ففعل فكتب إليه عبد الملك: إنّك عندنا محمود، أنت أحبّ وأقربُ بنا رحمًا من ابن الزبير، فلك العهد والميثاق وذمّة الله وذمّة رسوله أن لا تُهاج ولا أحد من أصحابك بشيء تكرهه، ارْجع إلى بلدك واذْهَب حيث شئت، ولستُ أدعُ صلتك وعونك ما حييتُ. وكتب إلى الحجّاج يأمره بحسن جواره وإكرامه، فرجع ابن الحنفيّة إلى المدينة (¬٢). أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه قال: لمّا صار محمّد بن عليّ إلى المدينة وبنى داره بالبقيع كتب إلى عبد الملك يستأذنه في الوفود عليه، فكتب إليه عبد الملك يأذن له في أن يقدم عليه، فوفد عليه سنة ثمانٍ وسبعين وهى السنة التى مات فيها جابر بن عبد الله، فقدم على عبد الملك بدمشق فاستأذن عليه فأذن له وأمر له بمنزل قريب منه، وأمر أن يُجرى عليه نُزْل يكفيه ويكفى من معه. وكان يدخل على عبد الملك في إذْن العامّة، إذا أذن عبد الملك بدأ بأهل بيته ثمّ أذن له فسلّم، فمرَّة يجلس ومرَّة ينصرف. فلمّا مضى من ذلك شهر أو قريب منه كلّم عبد الملك خاليًا فذكر قرابته ورحمه وذكر دَيْنًا عليه فوعده عبد الملك أن يقضى دينه وأن يصل رحمهوأمره أن يرفع حوائجه. فرفع محمّد دينه وحوائجه وفرائضَ لولده ولغيرهم من حامّته (¬١) ومواليه فأجابه عبد الملك إلى ذلك كلّه وتعسّر عليه في الموالى أن يفرض لهم وألحّ عليه محمّد ففرض لهم فقصّر بهم فكلّمه فرفع في فرائضهم، فلم يبقَ له حاجة إلَّا قضاها، واستأذنه في الانصراف فأذن له. أخبرنا محمّد بن عمر قال: فحدّثنى عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون قال: قال ابن الحنفيّة: وفدتُ على عبد الملك فقضى حوائجى وودّعته، فلمّا كدتُ أن أتوارى من عينيه نادانى: أبا القاسم أبا القاسم! فكررتُ فقال لى: أما تعلم أنّ الله يعلم أنّك يوم تصنع بالشيخ ما تصنع ظالم له؟ يعنى حين أخذ ابن الحنفيّة مروان بن الحكم يوم الدار فدعثه بردائه. قال عبد الملك: وأنا أنظر إليه ولى يومئذٍ ذؤابة. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدَّثَنِى موسى بن عُبيدة، عن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب قال: وفدتُ مع أبان بن عثمان على عبد الملك بن مروان وعنده ابن الحنفيّة، فدعا عبد الملك بسيف النبيّ، ﷺ، فأُتى به ودعا بصيقل (¬٢) فنظر إليه فقال: ما رأيتُ حديدة قطّ أجود منها. قال عبد الملك: ولا والله ما أرى النَّاس مثل صاحبها. يا محمّد هَبْ لى هذا السيف. فقال محمّد: أيّنا رأيت أحقّ به فليأخذه. قال عبد الملك: إن كان لك قرابة فلكلٍّ قرابةٌ وحقّ. قال فأعطاه محمّد عبد الملك وقال: يا أمير المؤمنين إنّ هذا -يعنى الحجاج وهو عنده- قد آذانى واستخفّ بحقّى، ولو كانت خمسة دراهم أرسل إليَّ فيها. فقال عبد الملك: لا إمرة لك عليه (¬٣). فلمّا ولّى محمّد قال عبد الملك للحجّاج: أدركْه فسُلّ سَخِيمَتَهُ فأدركه فقال: إن أمير المؤمنين أرسلنى إليكَ لأَسُلَّ سخيمتك ولا مرحبًا بشيء ساءك. فقال محمّد: ويحك يا حجّاج اتّقِ الله واحذر الله، ما من صباح يصبحه العباد إِلَّا لله في كلّ عبد من عباده ثلاثمائة وستّون لحظة، إن أخذ، أخذ بمقدرة، وإن عفا، عفا بحلم، فاحْذر الله. فقال له الحجّاج: لا تسألنى شيئًا إلّا أعطيتُكه. فقال له محمّد:وتفعل؟ قال له الحجّاج: نعم. قال: فإنّى أسألك صَرْم الدهر. قال فذكر الحجّاج ذلك لعبد الملك، فأرسل عبد الملك إلى رأس الجالوت فذكر له الذى قال محمّد وقال: إنّ رجلًا منّا ذكر حديثًا ما سمعناه إِلَّا منه. وأخبره بقول محمّد، فقال رأس الجالوت: ما خرجت هذه الكلمة إلّا من بيت نبوّة (¬١). أخبرنا قَبيصة بن عُقْبة قال: أخبرنا سفيان عن مغيرة عن إبراهيم أنّ الحجّاج أراد أن يضع رجله على المقام فزجره ابن الحنفيّة ونهاه (¬٢). أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسديّ قالا: حدّثنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد عن سالم بن أبي الجَعْد قال: رأيتُ محمّد بن الحنفيّة دخل الكعبة فصلّى في كلّ زاوية ركعتين، ثمانى ركعات. أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا سفيان قال: قال محمّد بن الحنفيّة: لا تذهب الدنيا حتّى تكون خصومات النَّاس في ربّهم. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا أبو معاوية الضرير عن أبي مالك قال: رأيتُ ابن الحنفيّة يرمى الجمار على برذون أشهب (¬٣). قال: أخبرنا محمّد بن عُبيد قال: حدّثنى سفيان التمّار قال: رأيتُ محمّد بن الحنفيّة موسعًا رأسه بالحنّاء والكتم يوم التروية وهو محرم (¬٤). قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا إسرائيل قال: حدّثنى ثُوير قال: رأيتُ محمّد بن الحنفيّة يخضب بالحناء والكتم. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى مروان بن معاوية عن سفيان التمّار قال: رأيتُ ابن الحنفيّة أشعر بُدُنه في الشقّ الأيمن. أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسديّ قالا: حدّثنا سفيان عن سليمان الشيباني قال: رأيتُ على محمّد بن الحنفيّة مِطْرَف خزّ أصفر بعرفة (¬٥).أخبرنا أبو معاوية الضرير عن أبي إسحاق الشيباني قال: رأيتُ على ابن الحنفيّة مطرف خزّ بعرفات. أخبرنا سعيد بن محمّد الثقفى عن رِشْدين قال: رأيتُ محمّد بن الحنفيّة يعتمّ بعمامةٍ سوداء حَرَقانيّة ويُرْخيها شِبرًا أو أقل من شبر (¬١). قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا عبد الواحد بن أيمن قال: رأيتُ على محمّد بن الحنفيّة عمامة سوداء. أخبرنا القاسم بن مالك المُزَنى عن نصر بن أوس قال: رأيتُ على محمّد بن على بن الحنفيّة ملحفة صفراء وسخة. أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا إسرائيل عن عبد العزيز بن حكيم عن أبي إدريس قال: قال لى محمّد بن الحنفيّة: ما منعك أن تلبس الخزّ فإنّه لا بأس به؟ قلت: إنّه يُجْعل فيه الحرير. أخبرنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين قالا: حدّثنا إسرائيل عن عبد العزيز بن حكيم عن أبي إدريس قال: رأيتُ ابن الحنفيّة يخضب بالحنّاء والكتم فقلتُ له: أكان عليّ يخضب؟ قال: لا، قلت: فما لك؟ قال: أتشبّب به للنساء (¬٢). قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدثّنا أبو نُعيم الخزّاز قال: سمعتُ صالح بن ميسم قال: رأيتُ في يد محمّد بن عليّ بن الحنفيّة أثر الحنّاء فقلتُ له: ما هذا؟ فقال: كنتُ أخضب أمّي. أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسَديّ وقَبيصة بن عُقْبة قالا: حدّثنا سفيان عن سالم بن أبي حفصة عن أبي يَعْلى عن محمّد بن الحنفيّة أنّه كان يذوّب أمّه ويمشطها. أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسديّ قال: حدّثنا عبد الواحد بن أيمن قال: رأيتُ محمّد بن الحنفيّة مخضوبًا بالحنّاء، ورأيته مكحول العينين، ورأيتُ عليه عمامة سوداء.أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا عبد الواحد بن أيمن قال: أرسلنى أبي إلى محمّد بن الحنفيّة فدخلتُ عليه وهو مكحّل العينين مصبوغ اللحية بحمرة فرجعتُ إلى أبي فقلت: أرسلتني إلى شيخ مخنّث! فقال: يا ابن اللخناء ذاك محمّد بن عليّ. أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا فِطْر بن خليفة عن منذر الثورى عن ابن الحنفيّة أنّه كان يشرب نبيذ الدّنّ. أخبرنا محمّد بن الصّلْت قال: حدّثنا ربيع بن المنذر عن أبيه قال: كنّا مع ابن الحنفيّة، فأراد أن يتوضّأ وعليه خفّان، فنزع خُفَّيْه، ومسح على قدميه (¬١). أخبرنا محمّد بن ربيعة الكلابي عن إسماعيل الأزرق عن أبى عمر أنّ ابن الحنفيّة كان يغتسل في العيدين وفي الجمعة وفي الشعب. قال وكان يغسل أثر المحاجم. أخبرنا يَعْلى بن عُبيد قال: أخبرنا رِشْدِين بن كُريب قال: رأيتُ ابن الحنفيّة يتختّم في يساره. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا عليّ بن عمر بن عليّ بن حسين عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل قال: سمعتُ ابن الحنفيّة سنة إحدى وثمانين يقول: هذه لى خمس وستّون سنة قد جاوزتُ سنّ أبي، توفّى وهو ابن ثلاث وستّين سنة. ومات ابن الحنفيّة في تلك السنة، سنة إحدى وثمانين. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا زيد بن السائب قال: سألتُ أبا هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة: أين دُفن أبوك؟ فقال: بالبقيع. قلت: أيّ سنة؟ قال: سنة إحدى وثمانين في أوّلها، وهو يومئذٍ ابن خمسٍ وستّين سنة لا يستكملها (¬٢). قال محمّد بن سعد: ولا نعلمه روى عن عمر شيئًا. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى زيد بن السائب قال: سمعتُ أبا هاشمعبد الله بن محمّد بن الحنفيّة يقول وأشار إلى ناحية من البقيع فقال: هذا قبر أبي القاسم، يعنى أباه، مات في المحرّم في سنة إحدى وثمانين، وهى سنة الجُحاف، سَيْلٌ أصاب أهل مكّة جَحَفَ الحاجّ. قال: فلمّا وضعناه في البقيع جاء أبان بن عثمان بن عفّان وهو الوالى يومئذٍ على المدينة لعبد الملك بن مروان ليصلّى عليه فقال: أخى ما ترى؟ فقلتُ: لا يصلّى عليه أبان إِلَّا أن يطلب ذلك إلينا. فقال أبان: أنتم أوْلى بجنازتكم، من شئتم فقدّموا من يصلّى عليه. فقلنا: تقدّمْ فصلّ. فتقدّم فصلّى عليه. قال محمّد بن عمر: فحدّثتُ زيد بن السائب فقلتُ إنّ عبد الملك بن وهب أخبرنى عن سليمان بن عبد الله عن عُوَيْمِر الأسلمى أنّ أبا هاشم قال يومئذٍ: نحن نعلم أن الإمام أولى بالصلاة ولولا ذلك ما قدّمناك. فقال زيد بن السائب: هكذا سمعتُ أبا هاشم يقول، فتقدّم فصلّى عليه. * * *