أبو الطيب نايف المنصوري - المسالك القويمة بتراجم رجال ابن خزيمة، في الصحيح والتوحيد والفوائد
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 90, entry [77]6,358 chars
المَبْحَثُ الثَّالِثُ وَالعِشْرِيْنَ: مِحْنَتُهُ مَعَ بَعْضِ كِبَار أَصْحَابِهِ. قَالَ أَبُو عَبْد الله الحَاكِم فِي "تَارِيْخِهِ": حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن حَمْدُوْن وَجَمَاعَةٌ إِلَّا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْرَفُهُمْ بِالوَاقِعَةِ قَالَ:"لمَّا بَلَغَ ابنُ خُزَيْمَةَ مِنَ السِّنِ وَالرِّيَ…
▸ expand full passage (6,358 chars)المَبْحَثُ الثَّالِثُ وَالعِشْرِيْنَ: مِحْنَتُهُ مَعَ بَعْضِ كِبَار أَصْحَابِهِ. قَالَ أَبُو عَبْد الله الحَاكِم فِي "تَارِيْخِهِ": حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن حَمْدُوْن وَجَمَاعَةٌ إِلَّا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْرَفُهُمْ بِالوَاقِعَةِ قَالَ:"لمَّا بَلَغَ ابنُ خُزَيْمَةَ مِنَ السِّنِ وَالرِّيَاسَةِ وَالتَّفَرُّدِ بِهِما مَا بَلَغَ، كَانَ لَهُ أَصْحَابٌ صَارُوَا أَنْجُمَ الدُّنْيَا، مِثْل: أَبِي عِليٍّ الثّقفِي، وَأَبِي بَكْر ابن إِسْحَاق الصِّبْغِى خَلِيْفَةُ بن خُزَيْمَة فِي الفَتْوَى، وَأَحْسَنُ الجَمَاعَة تَصْنِيْفًا وَسِيَاسَةً فِي مَجَالِس السَّلاطِيْن، وَأَبِي بَكْر بن أَبِي عُثْمَان وَهُوَ آدَبُهُمْ وَأَكْثَرُهُم جَمْعًا للعُلُوْمِ، وَأَبِي مُحَمَّد يَحْيَى بن مَنْصُوْر وَكَانَ مِنْ أَكَابِر البُيُوْتَاتِ، وَأَعْرَفِهِمْ بِمَذْهَبِ ابنِ خُزَيْمَة، وَأَصْلَحِهِمْ للقَضَاء. فَلَمَّا وَرَدَ مَنْصُوْر الطُّوْسِي كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى ابنِ خُزَيْمَة للسَّمَاعِ - وَهُوَ مُعْتَزِلِيٌّ -، وَعَايَنَ مَا عَايَنَ مِنَ الأَرْبَعَةِ الَّذِيْن سَمَّيْنَاهُم حَسِدَهُم، وَاجْتَمَعَ مَعَ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الوَاعِظ فَقَالا هَذَا إِمَامٌ لا يُسْرِعُ فِي الكَلامِ ويَنْهَى عَنْهُ، وَقَدْ نَبَغَ لَهُ أَصْحَابٌ يُخَالِفُونَهُ وَهُوَ لا يَدْرِى، فَإِنَّهُم عَلَى مَذْهَب الكُلّابِيَّة، فَاسْتَحْكَمَ طَمَعَهُمَا فِي إِيْقَاعِ الوِحْشَةِ بَيْنَهُم. قَالَ الحَاكِم وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْر أَحْمَد بن يَحْيَى المُتَكَلِّم قَالَ: "لمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الضِّيَافَةِ (١) اجْتَمَعْنَا لَيْلَةً عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْم وَجَرَى ذِكْرُ كَلامِ الله أَقَدِيْمٌ لَمْ يَزَلْ أَوْ يَثْبُتُ عِنْدَ إِخْبَارِهِ تَعَالى أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، فَوَقَعَ بَيْنَنَا فِي ذَلِكَ خَوْضٌ، فَقَالَ: جَمَاعَةٌ مِنَّا إِنَّ كَلامَ البَارِي قَدِيْمٌ لَمْ يَزَلْ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ كَلامُهُ قَدِيْمٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إِلا بِإِخْبَارِهِ وَبِكَلامِهِ، فَبَكَّرْتُ إِلَى أَبِي عَليٍّ الثَّقَفِي وَأَخْبَرْتُهُ بِمَاجَرَى، فَقَالَ: مَنْ أَنْكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَقَدْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مُحْدَثٌ. وَانْتَشَرَتْ هَذِهِ المَسْأَلَةُ فِي البَلَدِ، وَذَهَبَ مَنْصُوْر الطُّوْسِيُّ فِي جَمَاعَةٍ إِلَى ابن خُزَيْمَة، وَأَخْبَرُوْهُ بِذَلِكَ، حَتَّى قَالَ مَنْصُوْر: أَلَمْ أَقُلْ للشَّيْخِ إِنَّ هَؤُلاءِ يَعْتَقِدُوْنَ مَذْهَب الكُلابِيَّة؟ ! وَهَذَا مَذْهَبُهُم، فَجَمَعَ ابنُ خُزَيْمَةَ أَصْحَابَهُ، وَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ غَيَرَ مَرَّة عَنِ الخَوْضِ فِي الكَلامِ، وَلَمْ يَزِدْهُمْ عَلَى هَذَا ذَلِكَ اليَوَم. قَالَ الحَاكِم: وَحَدَّثَنِي عَبْد الله بن إِسْحَاق الأَنْمَاطِي المُتَكَلِّم قَالَ: "لَمْ يَزَلْ الطُّوْسِيُّ بِأَبِي بَكْرٍ حَتَّى جَرَّأَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْر بنُ إِسْحَاق، وَأَبُوْ بَكْر بنُ أَبِي عُثْمَان يَرُدَّانِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مَا يُمْلِيْهِ وَيَحْضُرَانِ مَجْلِسَ أَبِي عِلي الثَّقَفِي فَيَقْرَؤنَ ذَلِكَ عَلَى المَلأ حَتَّى اسْتَحْكَمَتِ الوِحْشَة. قَالَ الحَاكِم: وَسَمِعْتُ أَبَا سَعِيد عَبْد الرَّحْمَن بن أَحْمَد المُقْرِىء، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابنَ خُزَيْمة يَقُولُ: "القُرْآن كَلامُ الله وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيْلُهُ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ شَيْئًا مِنْ تَنْزِيْلِهِ وَوَحْيِهِ مَخْلُوْقٌ، أَوْ يَقُولُ: إِنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى مَخْلُوْقَة، أَوْ يَقُولُ: إِنَّ القُرْآن مُحْدَثٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ، وَمَنْ نَظَرَ فِي كُتُبِي بانَ لَهُ أَنَّ الكُلَّابِيَة كَذَبَةٌ فِيْمَا يَحْكُوْن عَنِّي فَقَدْ عَرَفَ الخَلْقُ أَنَّهُ لَمْ يُصَنِّفْ أَحَدٌ فِي التَّوْحِيد، وَالقَدَرِ، وَأُصُولِ العِلْم مِثْلَ تَصْنِيفِي، وَقَدْ صَحَّ عِنْدِي أَنَّ الثَّقَفِيَّ، وَالصِّبْغِيَّ، وَيَحْيَىَ بن مَنْصُوْر كَذَبَةً، قَدْ كَذَبُوَا عَلَيّ فِي حَيَاتِي، فَمُحَرَّمٌ عَلَى مُقْتَبِس عِلْم أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا يَحْكُوْنَهُ عَنِّي، وَابنُ أَبِي عُثْمَان أَكْذَبُهُمْ عِنْدِي، وَأَقْوَلُهُمْ مَا لَمْ أَقُلْهُ. قَالَ الحَاكِم: وَسَمِعْتُ مُحَمَّد بن أَحْمَد بن بَالُوَيْه يَقُولُ:"سَمْعْتُ ابنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: زَعَمَ بَعْضُ هَؤُلاءِ الجَهَلَةِ أَنَّ اللهَ لا يُكَرِّرُ الكَلامَ، فَلا يَفْهَمُوْنَ كَلامَ الله، إِنَّ اللهَ قَدْ أَخْبَرَ فِي مَوَاضِعَ أنهُ خَلَقَ آدَم، وَكَرَّرَ ذِكَرَ مُوْسَى، وَحِمَدَ نَفْسَهُ فِي مَوَاضِعَ، وَكَرَّرَ "فَبِأي آلاءِ رَبُكُمَا تُكَذِّبَان" وَلَمْ أَتَوَهَمُ مُسْلِمًا يَتَوَهَّمُ أَنَّ اللهَ لا يَتَكَلَّمُ بِشَيءٍ مَرَّتَيْن. قَالَ الحَاكِم: وَسَمِعْتُ الصِّبْغِيَّ يَقُولُ: "لمَّا اغْتَنَمُوا السَّعْي فِي فَسَادِ الحَال انْتَصَبَ أَبُو عَمْرو الحِيْرِي للتَّوَسُطِ، وَقَرَّرَ لأَبِي بَكْرٍ اعْتِرَافًا لَهُ بِالقِدَمِ، وَبَيَّنَ لَهُ غَرَضَ المُخَالِفِيْنَ إِلَى أَنْ وَافَقَهُ عَلَى أَنْ يَجْتَمِعَ عِنْدَهُ، فَدَخَلْتُ أَنَا وَابنُ أَبِي عُثْمَان، وَأَبُوْ عَلي الثَّقَفِيُّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَلي: مَا الَّذِي أَنْكَرْتَ مِنْ مَذَاهِبِنَا أَيُّهَا الأُسْتَاذُ، حَتَّى نَرْجِعَ عَنْهُ؟ قَالَ مَيْلُكُم إِلَى الكُلابِيَّة، فَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ بن حَنْبَل مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى عَبْد الله بن سَعِيد، وَعَلَى أَصْحَابِهِ كَالحَارِث، وَغَيْرِهِ، حَتَّى طَالَ الخِطَابُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي عَلِيِّ فِي هَذَا، فَقُلْتُ أَنَا: قَدْ جَمَعْتُ أُصُوْلَ مَذَاهِبِنَا فِي طَبَقٍ، وَأَخْرَجْتُهُ؛ فَأَخَذَهُ مِنِّي، وَتَأَمَّلَهُ، وَنَظَرَ فِيهِ، فَقَالَ: لَسْتُ أَرَى هَاهُنَا شَيْئًا لا أَقُوْلُ بِهِ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ بِخَطِّهِ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُهُ، فَكَتَبَ، فَقُلْتُ لأَبِي عَمْرو الحِيْرِي احْتَفِظْ بِهَذَا الخَطّ حَتَّى يَنْقَطِعَ الكَلام، وَلا يُتَّهَمُ وَاحِدٌ مِنَّا بِالزِّيَادَةِ فِيهِ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَا، فَمَا كَانَ بِأَسْرَعِ مِنْ أَنْ قَصَدَهُ فُلانٌ وَفُلانٌ وَقَالا: إِنَّكَ لَمْ تَتَأَمَّلْ مَا كُتِبَ فِي ذَلِكَ الخَطّ، وَقَدْ غَدَرُوَا بِكَ وَغَيَّرُوَا صُوْرَةَ الحِالَ، فَقَبِلَ مِنْهُم، فَبَعَثَ إِلَى الحِيْرِي لاسْتِرْجَاعِ خَطِّهِ مِنْهُ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي بَكْرٍ رَدَّهُ الحِيْرِيُّ إِلَيّ، وَقَدْ أَوْصَيْتُ أَنْ يُدْفَنَ مَعِيَ فَأُحَاجَّهُ بَيْنَ يَدَيّ الله، وَهُو:"القُرَآن كَلامُ الله، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، لَيْسَ شَيءٌ مِنْ كَلامِهِ مَخْلُوْقًا وَلا مُحْدَثًا، فَمَنَ زَعَمَ أَنَّ شَيْئًا مِنْهُ مَخْلُوْقٌ أَوْ مُحْدَثٌ، أَوْ زَعَمَ أَنَّ الكَلامَ مِنْ صِفَةِ الفِعْلِ فَهُوَ جَهْمِيٌّ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ، وَأَقُوْلُ: إِنَّ اللهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا، وَالكَلامُ لَهُ صِفَةُ ذَاتٍ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا مَرَّةً وَلا يَتكَلَّمُ إِلا مَا تَكَلَّمَ بِهِ ثُمَّ انْقَضَى كَلامُهُ كَفَرَ بالله، وَأَنَّهُ تَعَالَى يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ عِلْمَهُ يَنْزِلُ أَوْ أَمْرَهُ ضَلَّ، ويُكَلِّمُ عَبَادَهُ بِلا كَيْفَ، الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى بِلا كَيْفَ لا كَمَا قَالَتِ الجهْمِيَّةُ أَنَّهُ اسْتَوْلَى، وَأَنَّ اللهَ يُخَاطِبُ عَبَادَهُ عَوْدًا وَبَدْءًا. ثُمَّ سَاقَ المُعْتَقَدُ" (١). * * *