محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 3453, entry [1341]8,032 chars
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث وموادعة الحرب بين عليّ ومعاوية ١٠٨٦ - فكان في أوّل شهر منها -وهو المحرّم- موادَعة الحرب بين عليّ ومعاوية، قد توادعا على ترك الحرب فيه إلى انقضائه طمعًا في الصلح؛ فذكر هشام بن محمد؛ عن أبي مِخْنَف الأزديّ، قال: حدّثني سعد أبو المجاهد الطائيّ عن المُح…
▸ expand full passage (8,032 chars)ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث وموادعة الحرب بين عليّ ومعاوية ١٠٨٦ - فكان في أوّل شهر منها -وهو المحرّم- موادَعة الحرب بين عليّ ومعاوية، قد توادعا على ترك الحرب فيه إلى انقضائه طمعًا في الصلح؛ فذكر هشام بن محمد؛ عن أبي مِخْنَف الأزديّ، قال: حدّثني سعد أبو المجاهد الطائيّ عن المُحِلّ بن خليفة الطائيّ، قال: لما توادَع عليّ ومعاوية يوم صِفّين، اختلف فيما بينهما الرُّسل رجاء الصُّلْح، فبعث عليّ عديَّ بنَ حاتم، ويزيدَ بنَ قيس الأرحبيّ، وشَبَث بن رِبْعيّ، وزياد بن خَصَفة إلى معاوية، فلمَّا دخلوا حمِد الله عديُّ بن حاتم، ثم قال: أمَّا بعد، فإنَّا أتيناكَ ندعوكَ إلى أمرٍ يجمعُ اللهُ ﷿ به كلمتنا وأمَّتنا، ويحقن به الدماء، ويؤمِّن به السُّبل، ويصلح به ذاتَ البين، إنّ ابن عمك سيّد المسلمين أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام أثرًا، وقد استجمع له الناس، وقد أرشدهم الله ﷿ بالذي رأوْا، فلم يبق أحد غيرك وغير مَن معك، فانتهِ يا معاوية لا يصبْك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل. فقال معاوية: كأنك إنما جئت متهدّدًا، لم تأت مصلحًا! هيهات يا عديّ! كلّا والله إني لابنُ حرب، ما يُقعقَع لي بالشِّنان، أما والله إنك لمن المجلِبين على ابن عفَّان ﵁، وإنك لمن قَتَلتِه، وإنِّي لأرجو أن تكون ممن يَقتل اللهُ ﷿ به. هيهات يا عديّ بن حاتم! قد حلبتَ بالساعد الأشدّ. فقال له شَبَث بن رِبعيّ وزياد بن خَصَفة- وتنازَعا جوابًا وَاحدًا: أتيناك فيما يصلحنا وإيّاك، فأقبلتَ تضرب لنا الأمثال! دَعْ ما لا يُنتفع به من القول والفعل، وأجبنا فيما يعمُّنا وإياك نفعُه، وتكلم يزيد بن قيس، فقال: إنا لم نأتك إلّا لنبلِّغك ما بُعثنا به إليك، ولنؤدّيَ عنك ما سمعنا منك، ونحن على ذلك لم نَدَع أن ننصحَ لك، وأن نذكر ما ظننّا أن لنا عليك به حجّة، وأنَّك راجع به إلى الألفة والجماعة. إنَّ صاحبنا من قد عرفتَ وعرفَ المسلمون فضلَه، ولا أظنُّه يخفى عليك: إنّ أهل الدين والفضل لن يعدلوا بعليّ، ولن يميِّلوا بينك وبينه، فاتَّق الله يا معاوية، ولا تخالف عليًّا، فإنَّا والله ما رأينا رجلًا قطّ أعملَ بالتقوى، ولا أزهدَ في الدنيا، ولا أجمعَ لخصال الخير كلِّها منه!فحمِد اللهَ معاويةَ وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأمّا الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي، وأمّا الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها؛ إنّ صاحبكم قتل خليفتَنا، وفرّق جماعتَنا، وآوى ثأرنا، وقتلَتَنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتلْه، فنحن لا نردّ ذلك عليه، أرأيتم قتلَة صاحبنا؟ ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعْهم إلينا فلنقتلْهم به. ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة. فقال له شَبَث: أيسرّك يا معاوية أنك أُمْكِنْت من عمّار تقتله! فقال معاوية: وما يمنعني من ذلك! والله لو أمكِنْتُ من ابن سُميَّة ما قتلتُه بعثمانَ، ولكن كنتُ قاتلَه بناتل مولَى عثمان، فقال له شَبَث: وإله الأرض وإله السماء، ما عدلتَ معتدلًا. لا والذي لا إله إلّا هو لا تصل إلى عمَّار حتى تندُر الهام عن كواهل الأقوام، وتضيق الأرض الفضاء عليك برُحْبها. فقال له معاوية: إنه لو قد كان ذلك كانت الأرض عليك أضيَق. وتفرّق القوم عن معاوية، فلما انصرفوا بعث معاوية إلى زياد بن خصَفة التيميّ، فخلا به، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أمَّا بعد يا أخا ربيعة، فإن عليًّا قطّع أرحامنا، وآوى قَتلَة صاحبنا. وإني أسألك النصر عليه بأسرَتك وعشيرِتك، ثم لك عهدُ الله جلّ وعزّ وميثاقُه أن أوَلِّيَك إذا ظهرتُ أىَّ المِصريْن أحببت (١). (٥: ٥ - ٦).١٠٨٧ - قال أبو مخنف: فحدّثني سعد أبو المجاهد عن المحِلّ بن خليفة، قال: سمعت زياد بن خَصفة يحدّث بهذا الحديث، قال: فلما قضى معاوية كلامَه حمدتُ الله ﷿، وأثنيتُ عليه، ثم قلت: أما بعد، فإني على بيِّنة من ربِّي وبما أنعم عليّ، فلن أكون ظَهيرًا للمجرمين، ثم قمت. فقال معاوية لعمرو بن العاص -وكان إلى جنبه جالسًا: ليس يكلّم رجل منا رجلًا منهم فيُجيب إلى خير، ما لهم عَضبهم الله بشرّ! ما قلوبهم إلا كقلب رجل واحد (١). (٥: ٦ - ٧). ١٠٨٨ - قال أبو مِخْنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد الأزديّ عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكُنود: أنّ معاوية بعث إلى عليّ حبيبَ بن مسلمة الفهريّ، وشُرَحبيل بن السِّمْط، ومعن بن يزيد بن الأخنس، فدخلوا عليه وأنا عنده، فحمِد الله حبيب وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنّ عثمان بن عفان ﵁ كان خليفةً مهديًّا، يعمل بكتاب الله ﷿، ويُنيب إلى أمر الله تعالى، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاتَه، فعدوْتم عليه فقتلتموه؛ فادفع إلينا قتلةَ عثمان - إنْ زعمت أنك لم تقتله - نقتلهم به، ثم اعتزِل أمرَ الناس فيكون أمرُهم شورى بينهم، يولّى الناس أمرَهم مَن أجمع عليه رأيهم. فقال له عليّ بن أبي طالب: وما أنت لا أمَّ لك والعزل وهذا الأمر! اسكُت فإنك لستَ هناك ولا بأهل له! فقام وقال له: والله لترَينّي بحيث تكره. فقال عليّ: وما أنت ولو أجلبتَ بخَيْلك ورَجِلك! لا أبقى الله عليك إن أبقيت عليّ! أحُقْرَةً وسوءًا؟ ! اذهب فصوِّب، وصعِّد ما بدا لك. وقال شُرحبيل بن السّمط: إنّي إن كلمتك فلَعَمْري ما كلامي إلّا مثل كلام صاحبي قبلُ، فهل عندك جواب غير الذي أجبتَه به؟ فقال عليّ: نعم لك ولصاحبك جواب غير الذي أجبتُه به. فحمِد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنّ الله جلّ ثناؤه بعث محمدًا ﷺ بالحقّ، فأنقَذ به من الضلالة، وانتاش به من الهَلَكة، وجمع به من الفُرْقة، ثمّ قبَضه الله إليه وقد أدّى ما عليه ﷺ، ثم استَخلف الناسُ أبا بكر ﵁، واستخلف أبو بكر عمرَ ﵁،فأحسَنَا السّيرة، وعدَلَا في الأمّة، وقد وَجَدنا عليهما أن تَولَّيا علينا- ونحن آل رسول الله ﷺ فغفرنا ذلك لهما، وولي عثمان ﵁ فعمل بأشياءَ عابها النّاس عليه، فساروا إليه فقتلوه، ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورَهم، فقالوا لي: بايع، فأبَيتُ عليهم، فقالوا لي: بايعْ، فإنّ الأمة لا ترضى إلا بك! وإنّا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس؛ فبايعتُهم، فلم يَرعْنِي إلّا شقاق رجُلين قد بايَعاني، وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله ﷿ له سابقةً في الدين، ولا سلف صِدْق في الإسلام، طليق ابن طَلِيق، حِزْب من هذه الأحزاب، لم يزل لله ﷿ ولرسوله ﷺ وللمسلمين عدوًّا هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين، فلا غَرْوَ إلّا خلافكم معه، وانقيادُكم له، وتدَعون آلَ نبيكم ﷺ الذين لا ينبغي لكم شقاقُهم ولا خلافُهم، ولا أن تَعدِلوا بهم من الناس أحدًا، ألا إني أدعوكم إلى كتاب الله ﷿ وسنة نبيّه ﷺ وإماتة الباطل، وإحياء معالم الدين؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ولكلّ مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة. فقالا: اِشهَدْ أنّ عثمانَ ﵁ قُتل مظلومًا، فقال لهما: لا أقول إنه قُتل مظلومًا، ولا إنه قتل ظالمًا، قالا: فمَنْ لم يزعم أنّ عثمان قتل مظلومًا فنحن منه براء، ثم قاما فانصرفا. فقال عليّ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ثم أقبل عليّ على أصحابه فقال: لا يكون هؤلاء أوْلى بالجِدّ في ضلالهم منكم بالجِد في حقّكم وطاعة ربّكم (١). (٤: ٧ - ٨).١٠٨٩ - قال أبو مِخْنَف: حدّثني جعفر بن حُذَيفة من آل عامر بن جُوَين: أن عائذ بن قيس الحِزمريّ، واثبَ عديَّ بن حاتم في الرّاية بصِفّين -وكانت حِزْمر أكثر من بني عديّ رهط حاتم- فوثب عليهم عبد الله بن خليفة الطائيّ البَوْلانيّ عند عليّ، فقال: يا بني حِزْمر، على عديّ تتوثّبون؟ ! وهل فيكم مثل عَدِيّ أو في آبائكم مثل أبي عَديّ! أليس بحامي القربة ومانع الماء يوم رَوِيّة؟ أليس بابن ذي المِرباع وابن جواد العرب؟ ! أليس بابن المُنْهب ماله، ومانع جاره؟ ! أليس مَن لم يغدر ولم يفجُر، ولم يجهل ولم يبخَل، ولم يمنُن ولم يجبن؟ ! هاتوا في آبائكم مثلَ أبيه، أو هاتوا فيكم مِثلَه. أوَ ليس أفضلكم في الإسلام! أو ليس وافدكم إلى رسول الله ﷺ؟ ! أليس برأسكم يوم النُّخيَلة، ويوم القادسيَة، ويوم المدائن، ويوم جَلُولاء الوقيعة، ويوم نِهاوَند، ويوم تُستَر؟ ! فما لكم وله! والله ما من قومكم أحد يطلب مثلَ الذي تطلبون، فقال له عليّ بن أبي طالب: حسبُك يا بنخليفة! هَلُمّ أيّها القوم إليّ، وعليَّ بجماعة طيِّئ! فأتوْه جميعًا، فقال عليّ: من كان رأسكم في هذه المواطن؟ قالت له طيّئ: عديّ، فقال له ابن خليفة: فسلْهم يا أمير المؤمنين! أليسوا راضين مسلّمين لعديّ الرياسة؟ ففعل، فقالوا: نعم، فقال لهم: عديّ أحقُّكم بالراية. فسلّموها له، فقال عليّ -وضجّت بنو الحِزْمِر-: إنّي أراه رأسَكم قبل اليوم، ولا أرى قومه كلهم إلا مسلّمين له غيرَكم، فاتّبع في ذلك الكثرة، فأخذها عديّ. فلما كان أزمان حُجْر بن عديّ طُلب عبد الله بن خليفة لِيُبْعَثَ به مع حُجر -وكان من أصحابه- فسيِّر إلى الجبلين؛ وكان عديّ قد منَّاه أن يردّه، وأن يطلب فيه، فطال عليه ذلك، فقال: وتَنْسَونَني يَوْمَ الشَّريعَةِ والقنَا ... بصِفِّينَ في أكتفِهمْ قد تَكَسَّرا جَزَى ربُّهُ عَنّي عَدِيَّ بنَ حاتِمٍ ... برَفْضي وخِذلاني جَزاءً مُوَفَّرا أتَنْسَى بَلائي سادرًا يا بْنَ حاتِمٍ ... عشِيَّةَ ما أَغْنَتْ عَدِيُّكَ حِزْمرا فدَافَعْت عنك القَوْمَ حتى تخَاذَلوا ... وكنتُ أنا الخَصْمَ الألَدَّ العَذَوَّرا فوَلَّوا وما قاموا مقامي كأنّما ... رأَوْنِيَ لَيْثًا بالأباءَة مُخْدِرا نَصَرْتُكَ إذ خامَ القَريبُ وأبْعَطَ الـ ... ـبعيدُ وقد أفْرِدْتُ نَصْرًا مُؤزَّرا فكان جزائي أن أُجَرَّدَ بينكم ... سجينًا، وأنْ أولَى الهَوانَ وأوسَرا وكم عِدَةٍ لي مِنْكَ أنّكَ راجِعِي ... فَلَمْ تُغْنِ بالميعادِ عَنّيَ حَبْتَرا (١) (٥: ٨/ ٩/ ١٠).