المقريزي - المقفى الكبير
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1662, entry [2274]5,127 chars
١٥١٩ - ابن برّي محشّي الصحاح [٤٩٩ - ٥٨٢] (١*) [١٨٦ أ] عبد الله بن برّي بن عبد الجبّار بن برّي- وقيل: عبد الله بن برّي بن عبد الله بن عبد الله بن برّي- أبو محمد، ابن أبي الوحش، المقدسيّ، النحوي، اللغوي، نزيل القاهرة. ولد بمصر في خامس شهر رجب سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وقرأ الأدب على أبي بكر محمد بن عب…
▸ expand full passage (5,127 chars)١٥١٩ - ابن برّي محشّي الصحاح [٤٩٩ - ٥٨٢] (١*) [١٨٦ أ] عبد الله بن برّي بن عبد الجبّار بن برّي- وقيل: عبد الله بن برّي بن عبد الله بن عبد الله بن برّي- أبو محمد، ابن أبي الوحش، المقدسيّ، النحوي، اللغوي، نزيل القاهرة. ولد بمصر في خامس شهر رجب سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وقرأ الأدب على أبي بكر محمد بن عبد الملك الشنترينيّ المغربيّ (٢*)، وأبي عمرو عثمان بن عليّ الصقلّي. وسمع من أبي صادق المديني، وأبي عبد الله محمد بن أحمد الرازيّ، وأبي العبّاس أحمد بن الحطيئة، وغيرهم. وروى عنه ابن الجمّيزى، وابن المفضّل، والوجيه القوصي، والزاهد أبو العبّاس أحمد بن علي بن محمد القسطلاني، وخلق. وتصدّر للاشتغال بالنحو في جامع عمرو بن العاصي من سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. وكان إماما مقدّما في النحو واللغة، انفرد بذلك في وقته، وكان جمّ الفوائد، كثير الاطّلاع، عالما بكتاب سيبويه وعلله، قيّما باللغة وشواهدها، تخرّج به جمع كبير ورحلت إليه الطلبة. وله حواش على كتاب الصحاح للجوهريّ. وله أيضا: جواب المسائل العشر التي سئل فيها ملكالنحاة (١). وله مقدّمة سمّاها «اللباب»، وحواش على درّة الغوّاص، وجزء في أغاليط الفقهاء، وكتاب الردّ على ابن الخشّاب في ردّه على الحريري. وكان علّامة عصره وحافظ وقته ونادرة دهره، اطّلع على أكثر كلام العرب. وكان له التصفّح في ديوان الإنشاء، فلا يصدر كتاب إلى ملك ولا يعطى لأحد مرسوم إلّا بعد أن يتصفّحه ويصلح ما لعلّه فيه من خلل. وكان المصريّون يقولون إنّه لم يأخذ كتاب سيبويه عن أحد، وإنّما أخذه بالقوّة. فلمّا مات وجد في أوراق الجزء السادس من سيبويه بخطّ الشيخ أبي بكر الشنترينيّ ما مثاله: «قرأ عليّ الشيخ أبو محمد عبد الله ابن الشيخ برّي بن عبد الجبّار بن برّي المقدسي هذا الجزء وما قبله من الكتاب، فكمل له جميع الكتاب قراءة فهم ودراية». فعلم أنّه قرأ الكتاب. وحكى عنه صاحبه المختصّ به عبد الخالق بن ريدان المسكيّ قال: لمّا أملى علينا شيخنا أبو محمد ابن برّي حواشي الصحاح وانتهى إلى فصل «رمث» وأنشد الشاهد منه [الطويل]: تمنّيت من حبّي عليّة أنّنا ... على رمث في البحر ليس لنا وفر (٢) [١٨٦ ب] قال: وهذا من أبيات لأبي صخر الهذلي وم [نها]: أما والذي أبكى وأضحك، والذي ... أمات وأحيا، والذي أمره الأمر وأنشد الأبيات حتى انتهى إلى قوله: تكاد يدي تندى إذا ما لمستها ... وينبت في أطرافها الورق الخضر فتبسّم. فسألته عن سبب تبسّمه فقال: هذا البيت كان سبب اشتغالي بالنحو واختصاصي به: وذلك أنّ والدي كان كتبيّا في زقاق القناديل بمصر، وكان يجلس إليه وجوه الفضلاء كابن أبي حصينة وظافر الحدّاد الشاعرين، وغيرهما. فأنشد أبي هذا البيت وقال فيه: الورق الخضر بكسر الراء فضحكوا منه وانصرفوا وأبي خجلان. وجئته وهو على تلك الحال من الانقباض والخجل فسألته عن خبره، فأخبرني بالقصّة. ثمّ قال لي: يا ولدي، متى يحقّق الله ﷿ فيك رؤياي؟ فإنّي مترقّب فيك ما بشّرت به في النوم. فقلت له: وما هذه الرؤيا؟ فقال: رأيت كأنّني في بيت المقدس، وبيدي رمح طويل في رأسه قنديل يتوقّد نارا ونورا، فحملته حتّى ركّزته على الصخرة. فأوّلت رؤياي على معبّر فقال لي: يولد لك مولود يشيع ذكره ويرتفع قدره بمقدار ما رأيت من علوّ الرمح وضوء القنديل. (قال) فوجدت في نفسي نشاطا وقوّة وحدث لي في الحال محبّة العلم، فقلت: أيّ العلوم تؤثر أن أشتغل به؟ فقال: يا بنيّ، أوّل ما أريد أن تشتغل به النحو، فإنّه رأس العلوم، وبه يعرف تأويل القرآن وحديث الرسول ﷺ. وفائدتي فيه أنّك تتعلّمه وتعلّمنيه،فقد استحييت ممّا جرى عليّ اليوم. (قال) فتركته وتردّدت إلى الشيخين أبي بكر محمد بن عبد الملك الشنتريني وأبي عمرو عثمان بن عليّ الصقلّي، ولي خمس عشرة سنة، فكنت أقرأ عليهما وأعلم إلى أن صرت إلى ما ترون. وكانت عنايته تامّة في تصحيح الكتب، قلّما ملك كتابا إلّا وصحّحه وأتقنه. وكان مع ما آتاه الله من العلم ساذج الطباع في أمور الدنيا مبارك الصحبة ميمون الطلعة. وفيه تغفّل عجيب يستبعد من سمعه أن يجتمع في رجل متين العلم. وكانت ثيابه وسخة. وله في التغفّل أخبار شائعة بمصر: منها أنّه اشترى خبزا ولحما وبيضا وحطبا وجعل الجميع في كمّه [١٨٧ أ] وأتى منزله. فوجد أهله قد مضوا لبعض شأنهم، وباب الدار مغلق. فألقى من كوّة تفضي إلى الدار جميع ما في كمّه، ولم يفكّر في تكسير البيض وأكل السنانير اللحم والخبز إذا خلت به. واشترى مرّة عنبا وجعله في كمّه ومشى وهو يحادث شخصا ويعبث بالعنب حتى تخبّص وجرى ماؤه على رجليه. فالتفت إلى الرجل وقال: أجاء المطر؟ فقال: لا. فقال: فما هذا الذي ينقط على رجلي؟ فتأمّله الرجل فإذا هو ماء العنب. فلمّا أخبره بذلك خجل. ويحكى عنه من الحذق في العلم وحسن [الجواب عمّا يسأل عنه ما] يعجب منه. وكان لا يتكلّف في كلامه ولا يتقيّد بالإعراب بل يسترسل في حديثه كيف اتفق حتّى قال مرّة لبعض تلاميذه: اشتر لي هندبا (١*) بعروقو. فقال له التلميذ: هندبا بعروقه؟ فعزّ عليه كلامه وقال له: لا تأخذه إلّا بعروقو، وإن لم يكن بعروقو فلا تأخذه. وهكذا كان كلامه، لا يكترث بما يقوله ولا يتوقّف على إعراب. وكان له أخ قد اشتهر بالأبنة عند الخاصّ والعامّ. فجاء في بعض الأيام إلى الشيخ شخص وقال له: أنت ابن برّيّ البغّاء؟ فاستحيى وقال: ذاك أخي! ذاك أخي! وفيه يقول بعضهم [الكامل]: نظر ابن برّيّ إلى زبدة ... فهوى ليأخذها هويّ الأجدل لو كان يعطى في الغداء لخبزها ... ما كان يأخذه لترك الأوّل (٢*) وكان الشيخ قليل التصنيف، [و] إنّما يكتب حواشي على الكتب فأفردت. ولو كمّل حواشي الصحاح لكان عجبا. وإنّما وصل في حواشي الصحاح إلى «وقش» من باب الشين المعجمة، وكان ذلك مجلّدين، وهي ربع الكتاب. وكمّل عليه الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن البسطيّ إلى آخر الكتاب، فجاءت التكملة في ستّ مجلّدات وكان جملة هذا المصنّف ثماني مجلّدات بخطّ البسطي. واسم هذا الكتاب: «التنبيه والإيضاح عمّا وقع في كتاب (٣*) الصحاح» وهو كتاب جيّد إلى الغاية. وتوفّي من مرض الإسهال في ليلة السبت السابعة والعشرين من شوّال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، ودفن بالقرافة.وبرّي بفتح الباء الموحّدة وكسر الراء المهملة وتشديدها ثمّ ياء آخر الحروف.