المقريزي - المقفى الكبير
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 652, entry [1054]6,158 chars
٧٨٨ - أسندمر كرجي [- ٧١١] (٣) [١٧٦ أ] أسندمر كرجي، الأمير سيف الدين [٢٠١ ب]. تنقّل في الخدم إلى أن ولي برّ دمشق في سنة اثنتين وتسعين وستّمائة، عوضا عن طوغان لمّا جهّز نائبا بقلعة الروم (٤). ثمّ عزله العادل كتبغا في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وستّمائة بعلاء الدين الجاي. ثمّ قبض عليه وقيّد وسجن بقلعة دم…
▸ expand full passage (6,158 chars)٧٨٨ - أسندمر كرجي [- ٧١١] (٣) [١٧٦ أ] أسندمر كرجي، الأمير سيف الدين [٢٠١ ب]. تنقّل في الخدم إلى أن ولي برّ دمشق في سنة اثنتين وتسعين وستّمائة، عوضا عن طوغان لمّا جهّز نائبا بقلعة الروم (٤). ثمّ عزله العادل كتبغا في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وستّمائة بعلاء الدين الجاي. ثمّ قبض عليه وقيّد وسجن بقلعة دمشق في حادي عشرين محرّم سنة ستّ وتسعين. ونقل إلى طرابلس نائبا عوضا عن الأمير قطلوبك المنصوريّ في سنة إحدى وسبعمائة، فمهّد طرابلس وأقام الحرمة وسفك الدماء بأنواع الإزهاق. فلمّا قدم غازان إلى الرحبة وعاد منها، وبعث قطلوشاه على العسكر إلى الشام، قدم أسندمر بعسكر طرابلس إلى دمشق في من قدمها من العساكر. واجتمعوا عند العادل كتبغا على حماه. فقدم الخبر بأنّ طائفة من التتر هجموا القريتين وبها جمع كبير من التركمان بأموالهم وأهاليهم. فركب أسندمر هذا في ألف وخمسمائة وساق فأدرك التتار بناحية عرض، ومعهم ما كسبوه من التركمان. فثاروا إليهم وتركوا الأغنام وغيرها ناحية ليشتغل العسكر بنهبها، فلم يمكّنهم أسندمر من ذلك، وقسم العسكر أربع فرق، وقرّر أن تحمل فرقة على التتر، فإذا اشتغلوا بالقتال أحاطت الفرق الثلاث بهم. وتقدّم في الفرقة الأولى وقاتل التتر، فأدركته بقيّة أصحابه كما قرّر معهم وأوقعوا بهم وقعة شديدة ثبتوا فيها ثباتاكثيرا. وترجّل منهم جماعة عن خيولهم ورموا بالنّشّاب، فنصر الله العسكر عليهم وهزمهم وقتلهم عن آخرهم فيما بين الظهر إلى العصر في يوم الحادي عشر من شعبان سنة اثنتين وسبعمائة، وكانوا نحو أربعة آلاف. واستنقذ أسندمر من كان في أيديهم من حريم التركمان وأولادهم ورحالهم، وعدّتهم تقارب الستّة آلاف نفس، فنجوا بأنفسهم. ولم يفقد من العسكر إلّا أميرين هما آنص الجمدار المنصوريّ ومحمّد بن باشقرد الناصريّ، وستّة وخمسين من الأجناد. وأسر من التتر مائة وثمانون رجلا. وعاد العسكر إلى حماة، وكتب بالبشارة إلى دمشق، فدقّت الكوسات بها، وسرّح البريد إلى مصر لبشارة السلطان الملك الناصر محمّد بن قلاوون، وكان قد خرج من قلعة الجبل فسرّ بذلك، وتفاءل بالنصر فصدق الفأل كما ذكر في ترجمته (١). ولم يزل [أسندمر] بطرابلس إلى أن ترك الملك الناصر محمّد بن قلاوون الملك وقام في السلطنة [١٧٦ ب] عوضه المظفّر بيبرس الجاشنكير. فلمّا تحرّك الناصر على أخد الملك من بيبرس، وسار من الكرك إلى دمشق، قدم عليه [أسندمر] وسار معه إلى مصر. فولّاه نيابة حماة عوضا عن قبجق في ثاني شوّال سنة تسع وسبعمائة. وبعث قراسنقر نائب الشام، والحاجّ بهادر الحلبيّ نائب طرابلس ليقبضا على المظفّر بيبرس، وقد توجّه من إخميم على طريق السويس يريد صهيون. فلمّا قبضا عليه من ظاهر غزّة وحملاه إلى الخطّارة لقيهما أسندمر كرجي، وقد بعثه السلطان ليقيّد بيبرس ويسير به مع قراسنقر وبهادر حتّى يوصلاه إلى السلطان. فقيّد بيبرس. وأسرّ إلى قراسنقر أن لا يدخل مصر، وخوّفه من السلطان. فعاد هو وبهادر من الخطّارة إلى دمشق، وسار أسندمر ببيبرس إلى مصر. فكان من قتله ما ذكر في ترجمته (٢). ودخل أسندمر الخوف، وأخذ يعمل في سفره من مصر، حتّى أذن له السلطان فسار إلى حماة. ثمّ صرف عنها بالملك المؤيّد عماد الدين إسماعيل ابن الأفضل فلم يمكّنه من حماه. فاتّفق موت قبجق نائب حلب. فسار أسندمر إليها، وكتب يسأل السلطان كتابة تقليده. فغضب من ذلك وبعث التقليد، وفي نفسه منه حزازات، إلى أن أخرج الأمير كراي [٢٠٢ أ] المنصوريّ، ومعه من الأمراء سنقر [الكماليّ] الحاجب، وأيبك الرومي، وبينجار، وكجكن، وبهادر آص، في عسكر لحصار سيس (٣). وكتب إلى المؤيّد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة بالمسير مع كراي. وكتب إلى أسندمر بتجهيز آلات الحصار على العادة والاهتمام بأمر سيس. وأسرّ السلطان إلى كراي عند ما وادعه بالقبض على أسندمر. فسار بالعسكر من القاهرة في مستهلّ ذي القعدة سنة عشر وسبعمائة إلى حمص. فوافاهم الأمير منكوتمر الطباخيّ من مصر يوم عرفة، وعلى يديه كتاب السلطان لكراي بما يعتمده، وعدّة كتب ملطّفة لأمراء حلب بمساعدة كراي على أخذ أسندمر. وتقدّم منكوتمر (٤) إلى حلب، وتبعهكراي بمن معه على جرائد الخيل، وساروا (١) من حمص إلى حلب في يوم ونصف، ودخلوها ليلا، وأتوا باب القلعة، وأشاروا إلى نائب القلعة، وكان في انتظارهم. فأخرج لهم رجال القلعة بالسلاح وآلات الحصار، وزحفوا جميعا على دار النيابة. وتلاحق بهم أمراء حلب. فسلّم [أسندمر] نفسه من غير قتال، وقيّد وسجن بالقلعة وأحيط بسائر موجوده. ثمّ حمل إلى قلعة الجبل مع بينجار وأيبك [١٧٧ أ] الروميّ، فسجن بها. وبعث إليه السلطان مع طغاي الدوادار يسلّم عليه، ويأمره بعرض حوائجه. فقبّل الأرض ودعا للسلطان وسأله أن يقبّل الأرض عنه، ويسأل السلطان عن سبب القبض عليه، «فإنّي لا أعلم لي ذنبا يوجب هذا». فقال السلطان: عد إليه، وعرّفه أنّي طيّب الخاطر عليه، وله عليّ خدمة. ولكن «أنت قلت للسلطان يوم خرجت من عنده وودّعته للسفر إلى الشام، وقد قال لك: أوصني، وعرّفني ما أصنع! - فكان جوابك: أوصيك يا خوند: لا تترك في دولتك كبشا كبيرا واخش (٢) مماليكك! - وهو يقول لك: ما علمت اليوم بقي عندي كبش كبير غيرك! فلمّا بلّغه طغاي ذلك سكت. فلم يزل في الاعتقال حتّى قتل في [ ... ] ذي القعدة سنة إحدى عشرة وسبعمائة بالكرك. وكان شجاعا بطلا سائسا داهية، جبّارا ظلوما مهابا، من أحسن أشكال الرجال وأتمّها. وكان كرجيّ الجنس له مهابة عظيمة في نفوس أهل الشام لشدّة جسارته، وجرأته على سفك الدماء بأنواع المثلة، من السلخ والشّنق والتوسيط وكحل الأعين وقطع الأطراف، ومبالغة في هلاك الأجساد، وتعدّيه حدّ الإسراف. وله مع ذلك سمعة ببلاد العدوّ وسطوة بين الطائفة النصيريّة. وكان عسوفا في أحكامه، كثير المال والحاشية، بلغت عدّة مماليكه خمسمائة مملوك. وكان كثير المكارم في عطائه، ما من أحد من حاشيته إلّا وله سعادة ضخمة. وكان أكولا نهما قويّ المعدة: إذا أصبح ابتدأ بالفطور على زنجبيل مربّى (٣) فيأكل منه رطلا بالميزان، وقدّم له منقل (٤) نار عمل عليه مائة بيضة نيمرشت (٥) يشربها، ثمّ يركب. فإذا نزل من الركوب مدّ له السّماط وقدّمت له خافقيّة فيها رميس (٦) فيأكله عن آخره. ويرفع السماط، ويوضع الطاري (٧)، وتقدّم له خافقيّة فيها عشرة ديوك خصى سمان جدّا، فيأكل منها ستّة. هذا غير الحلاوات والفواكه والنقل، وغير عشائه آخر النهار، وسوى ما يأكله في الليل، فإنّه كان يعمل له بعد [ال] عشاء الأخيرة كلّ ليلة خروفا سمينا مطجّنا فيأكله جميعه ولا يفضل منه شيء. ثم يعمل بيده من الحلاوة السكب (٨) صحنا كبيرا ويأكله كلّه. وكان مرتّبه وهو بمصر في كلّ يوم سبعمائة رطل لحم من ديوان السلطان تحمل إليه، ويشتري عليها خمسمائة درهم. وكان له سماط عظيم جدّا.وكان يحبّ الفضلاء ويقرّبهم، ويسأل عن مسائل غامضة، ويعرض اعتراضات [٢٠٢ ب] جيّدة: كتب مرّة فتوى وبعثها إلى دمشق فيها: أيّهما [١٧٧ ب] أفضل، الوليّ أو الشهيد؟ والملك أو النبيّ؟ - فكتب عليها الشيخ صدر الدين محمّد بن الوكيل مجلّدا، وكتب الشيخ برهان الدين إبراهيم الفزاري، وكتب كمال الدين ابن الزملكانيّ مصنّفين، وكتب شيخ الإسلام تقيّ الدين أحمد ابن تيميّة مجلّدا. وطلب ابن الوكيل لمّا ولي نيابة حلب قبل صلاة الجمعة، فسأله عن قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى [النجم: ١]، فقال: هذا الوقت يضيق عن الكلام على هذه المسألة- فوهبه كتاب أسد الغابة لابن الأثير في نسخة مليحة، وقال له: الزمني! - فكان بعد ذلك لا يفارقه حتّى قبض عليه.