إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن - تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1252, entry [461]3,084 chars
جهود ضائعة ويأبى الله إلا ما أراد لقد كان هتلر قطعة من حديد لا يبالي بأحد ولا يوقف في طريقه، ومن جبروته أمره عندما بلغه أن قواته انسحبت من فرنسا بأن تخشى الألغام في باريس بالقنابل المؤقتة والمفرقعات، فإذا دخلها جيش الحلفاء نسفتها عليهم فتخرب باريس وتكون قبرًا لجيوش الحلفاء، غير أنه خانه الحاكم العسك…
▸ expand full passage (3,084 chars)جهود ضائعة ويأبى الله إلا ما أراد لقد كان هتلر قطعة من حديد لا يبالي بأحد ولا يوقف في طريقه، ومن جبروته أمره عندما بلغه أن قواته انسحبت من فرنسا بأن تخشى الألغام في باريس بالقنابل المؤقتة والمفرقعات، فإذا دخلها جيش الحلفاء نسفتها عليهم فتخرب باريس وتكون قبرًا لجيوش الحلفاء، غير أنه خانه الحاكم العسكري الألماني والحاكشم المدني سفيره وأزالوها وأنقذوا باريس. ومن عجائبه الطرق التي تتفرع من برلين شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا يكون مجموع طولها سبعة آلاف كيلو متر، وإقامة سور على سواحل الأطلسي لحفظ أوربا من قوات الحلفاء، وقد استخدم لهذا العمل الجبار أكثر من ثلاثة ملايين عامل ومهندس وخبير، وقد أمر هتلر منظمة فريتزترت بتشييد خطوطدفاع أخرى استنزفت من ألمانيا قوى لو صرفتها على الجبهة الشرقية لكان لها الحظ الأوفر في الانتصار. فمن ذلك خط دفاعي يمتد من حدود إسبانيا إلى حدود إيطاليا على شواطئ البحر الأبيض المتوسط بفرنسا، وأمر ببناء خط غوستاف وخط غويتك، وخط هتلر في إيطاليا، وخطوط أخرى، وقد تطلب هذا العمل الشاق لتحقيقه عشرة آلاف سيارة للنقل، وكانت المبالغ التي تدفع خزانة الدولة للعمال هناك ولعائلاتهم في ألمانيا وفي أوربا ضخمة تستنزف قواها، ولكن مطابع النقد الورقي الألماني مستعدة في طبع الملايين من الماركات لسد حاجة الناس وتسديد طلبات الجميع. وكان امتداد الجبهات الحربية والأبعاد الشاسعة الطويلة لطرق المواصلات التي تحتاجها القوات الألمانية المسلحة للتموين وتجديد العتاد والمؤن الحربية يتطلب وجود ملايين من العمال للسهر على إبقاء هذه الطرق صالحة للعمل، ففي انتصار ألمانيا تكون هذه الطرق تنشئ لها وسائل الراحة والاطمئنان، أما في التراجع والانكسار فلقد كانت تقطع على العدو سبيل اللحاق بالقوات النازية بنسف الجسور وتخريب الطرق. ولقد قاست ألمانيا خطرًا من خيانة بعض العمال الذين سخروا كالعبيد للعمل في مختلف الجهات من الأجانب الأوربيين، فقد كانوا يقومون بضد ما أمروا به من تصليح الخطوط فجعلوا يقومون بأعمال التخريب والتدمير في كل مناسبة، وهذه خطة مرة أثيمة ومنشأها من الأسرى الروس الحمر الذين جيء بهم من الجهات الشرقية واختلطوا بالعمال الأوربيين، وبالرغم من التنكيل بهم فإنهم مستمرون سرًا في العناد، ويدعون إلى الخيانة حتى شاركهم البولنديون والفرنسيون من العمال بعدما عملوا في خلال سنتين كاملتين بكل طاعة ونظام قبل انضمام الأسرى من الروس، وهذه نكبة في حق ألمانيا. ولما أن تقهقر الألمان في الجبهة الغربية أغرقوا أثناء تقهقرهم الأراضي حتىغدت كالبحار وتراكمت على الأرض طبقات من الوحل، حتى كادت دبابات الحلفاء ومصفحاتهم تغوص فيها، ودمروا السدود. أما ما كان هتلر يمني به نفسه ويشجع ألمانيا حال كون طائرات الحلفاء تصب على برلين القنابل آناء الليل والنهار وهي تتهدم وتحترق وتأتيها القنابل الذرية، فهو السلاح السري الجديد الذي سيبدل وجه الدنيا ويغير مجرى التاريخ، غير أنها سلمت قبل انتهائه. وكان يقول أن الجو لا يمكن حفظه أمام التطورات الفنية، ولكن وسائل الدفاع التي ستتخذها على ضوء العلم الحديث ستكفينا مؤونة هذه الغارات الجوية التافهة، وقد أبرم أمره على ضرب الحلفاء بها غير أن الظروف لم تساعد على إكمالها. ولما سلمت ألمانيا وسكنت الحرب اهتزت أسلاك البرق في العشر الأواخر من جمادى الأولى من هذه السنة وخفقت الأفئدة، وطربت النفوس فرحة بانتهاء الحرب في أوربا. ولقد كانت الأمم واجمة خلال هذه الست سنوات لما قاست من ويلات الحرب ومصائبها، وفي هذا اليوم تقف مستبشرة بمستقبل زاهر، فقد آن للعالم أن يعود إلى حياة السلم والطمأنينة بعد أن قضى فترة هذه الحرب الضروس وهو يئن تحت وطأة كابوسها وأهوالها المريعة.