صالح بن عبد العزيز آل عثيمين - تسهيل السابلة لمريد معرفة الحنابلة
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 143, entry [114]6,052 chars
وأما سهولة أخلاقه وحسن معاشرته: فقال البُوْشَنْجي: ما رأيت أحدًا في عصر أحمد ممن رأيت أجمع منه ديانة وصيانة وملكًا لنفسه، وطلقًا لها وفقهًا وعلمًا وأدبًا ويقينًا، وكرم خلق، وثبات قلب، وكرم مجالسة، وأبعد من التماوت. وقال أبو عبد الله لعلي ابن المديني: إني أحب أن أصحبك إلى مكة، وما يمنعني من ذلك إلا أ…
▸ expand full passage (6,052 chars)وأما سهولة أخلاقه وحسن معاشرته: فقال البُوْشَنْجي: ما رأيت أحدًا في عصر أحمد ممن رأيت أجمع منه ديانة وصيانة وملكًا لنفسه، وطلقًا لها وفقهًا وعلمًا وأدبًا ويقينًا، وكرم خلق، وثبات قلب، وكرم مجالسة، وأبعد من التماوت. وقال أبو عبد الله لعلي ابن المديني: إني أحب أن أصحبك إلى مكة، وما يمنعني من ذلك إلا أني أخاف أن أملّك أو تملّني، قال علي: فلما ودعته قلت له: يا أبا عبد الله توصي بشيء؟ قال: نعم، أَلْزِمْ تقوى الله قلبك، وانصِب الآخرة أمامك. وكان أحمد ﵀ إذا أراد القيام قال لجلسائه: إذا شئتم. وقال أبو داود: كانت مجالسة أحمد مجالسة الآخرة، لا يذكر فيها شيء من أمور الدنيا، ما رأيته ذكر الدنيا قط.وقال بعضهم: كان أحمد من أحيا الناس وأكرمهم نفسًا وأحسنهم عشرة وأدبًا، كثير الإِطراق والغض، معرضًا عن القبيح واللغو، لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث وذكر الصالحين والزهاد، في وقار وسكون ولفظ حسن، وإذا لقيه إنسان بَشَّ به وأقبل عليه، وكان يتواضع للشيوخ تواضعًا شديدًا، وكانوا يكرمونه ويعظمونه، وكان يفعل بيحيى بن معين ما لا يفعل بغيره من التواضع والتبجيل، وكان يحيى أكبر منه بنحو سبع سنين، وكان يضرب برجله إذا جاء من المسجد إلى البيت قبل أن يدخل البيت ليعلم أهل البيت بدخوله إلى الدار، وربما تنحنح ليعلم مَنْ في الدار بدخوله. وقال علي بن مهدي: رأيت أحمد غير مرة، رأيته كثيرًا يمثلُ وجهُه ورأسُه وخده، ولا يقول شيئًا ولا يمتنع من ذلك. وقبَّل سليمان بن داود الهاشمي جبهته ورأسه ولم يمتنع من ذلك ولم يكرهه، وكذا رأيت يعقوب بن إبراهيم يقبّل جبهته ووجهه. وقال زهير بن صالح بن أحمد بن حنبل: كنا ندخل على جدي كل جمعة أنا وإخواني، وكان بيننا وبينه باب مفتوح، فكان يكتب لكل واحد منا حبتين من فضة في رقعة إلى فَامِيٍّ نعامله، فنأخذ منه الحبتين ونأخذ للأخوات، وكان ربما مررت به وهو قاعد في الشمس وظهره مكشوف وأثر الضرب بيِّنٌ في ظهره، وكان لي أخ أصغر مني اسمه علي، فأراد أبي أن يختنه فاتخذ له طعامًا كثيرًا ودعا قومًا، فلما أراد أن يختنه وجه إليه جدي فدعاه، وقال له: بلغني ما أحدثت لهذا الأمر، وقد بلغني أنك قد أسرفت، فابدأ بالفقراء والضعفاء فأطعمهم، فلما كان من الغد وحضر الحجام وحضر أهلنا، دخل أبي إلى جدي فأعلمه أن الحجام قد حضر، فجاء جدي معه حتى جلس في الموضع الذي فيه الصبي، وختن وهو جالس، فأخرج صريرة فدفعها إلى الحجام، وصريرة إلى الصبي، وقام فدخل منزله فنظر الحجام إلى ما في الصريرة فإذا فيها درهم واحد، ونظرنا إلى صرة الصبي فإذا فيها درهم، وكنا قد رفعنا كثيرًا مما قد افترش، وكان الصبي على منصته مرتفعة على شيء من الثياب المصبغة، فلم ينكر من ذلك شيئًا.فقدم علينا من خراسان ابن خالة جدي فنزل على أبي، فلما كان يومًا من الأيام وقد صلينا المغرب قال لي أبي: خذ بيد ابن خالة جدك وامضِ به إلى جدك، فدخلت على جدي وهو قائم يصلي بعد المغرب، فجلستُ حتى فرغ، فقال: جاء أبو أحمد ابن خالتي؟ قلت: نعم، قال: قل له يدخل، فقلت ذلك له فدخل معي فجلس، ثم صاح بامرأة كانت تخدمه مسنة من سكانه، فجاءت بطبق خلاق وعليه خبز وبقل وخلٌّ وملح، ثم جاءت بغضارة من هذه الغلاظ فوضعتها بين أيدينا، وإذا فيها بصلية فيها لحم وسلق كثير، فجعلنا نأكل وهو يأكل معنا ويسأل أبا أحمد عمن بقي من أهلهم بخراسان في خلال ما نأكل، وكان ربما استعجم الشيء على أبي أحمد بالعربية فيكلمه جدي بالفارسية، وكان في خلال ذلك ونحن نأكل يضع القطعة اللحم بين يدي أبي أحمد وبين يديّ، ثم رفع الغضارة بيده فوضعها ناحية، ثم أخذ طبقًا إلى جنبه فوضعه بين أيدينا على الطبق وإذا فيه تمر بُرني وجوز مكسر، وجعل يأكل ونأكل، وفي خلال ذلك يناول أبا أحمد، ثم غسلنا أيدينا، كل واحد منا يغسل يده لنفسه. وقال عبدوس العطار: وجهت بابني مع الجارية يسلم على أحمد بن حنبل، فرحب به وأجلسه في حجره يسائله، فأرسل فاتخذ له خبيصًا، فجاء به فوضعه بين يديه، وجعل يباسطه، وقال للجارية: كلي معه، ثم قام إلى بعض الفاميّين فجاء وفي ثوبه لوز وسكر، وأخرج منديلًا فشده فيه فدفعه إلى الخادم، وقال للصبي: اقرأ على أبي محمد السلام. وقال المروذي: رأيت أحمد بن حنبل قد أعطى ختانًا درهمين وألقاها له في طشت. وقال الميموني: كنت كثيرًا ما أسأل أحمد عن الشيء فيقول: لبيك. وقال المروذي: كان أحمد لا يجهل، وإن جُهل عليه احتمل، ويقول: يلقى الله، ولم يكن بالحقود، ولا بالعجول، ولقد وقع بين عمه وجيرانه منازعة، وكانوا يجيؤون إلى أحمد فلا يظهر لهم ميله مع عمه ولا يغضب لعمه، ويتلقاهم بما يعرفون من الكرامة، وكان كثير التواضع، يحب الفقراء، لم أر الفقير في مجلس أعزّ منه فيمجلسه، مائلًا إليهم، مقصرًا عن الدنيا، تعلوه السكينة والوقار، إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر بل يقعد حيث انتهى به المجلس، وكان لا يمدُّ قدميه في المجلس ويكرم جليسه، وكان حسن الخلق، دائم البشر، ليِّن الجانب، ليس بفظٍ ولا غليظ، وكان يحب في الله ويبغض في الله، وكان إذا أحب رجلًا يحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، ولم يمنعه حبه أن يأخذ على يديه ويكفه عن الظلم أو الإِثم أو المكروه إن كان منه، وكان إذا بلغه عن رجل صلاح أو زهد أو قيام بحق أو اتباع للأمر سأل عنه، وأحبَّ أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله، وكان رجلًا سطيًا إذا كان شيء لا يرضاه اضطرب لذلك، يغضب لله ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، فإذا كان في أمرٍ من الدين اشتد له غضبه حتى كأنه ليس هو، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان حسن الجوار، ويؤذى فيصبر، ويحتمل الأذى من الجار، ولقد قال بعض جيرانه ممن بينه وبينه حائط: كان لي برجٌ فيه حَمَام، وكان يشرف على أحمد، فكنت أصعد وأنا غلام أشرف عليه، فمكث على ذلك صابرًا لا ينهاني، فبينا أنا يومًا إذ صعد عمي فنظر إلى البرج مشرفًا على أحمد، فقال: ويحك أما تستحي تؤذي أبا عبد الله؟ قلت: فإنه لم يقل شيئًا لي: قال: فلست أبرح حتى تهب لي هذه الطيور، فما برح حتى وهبتها له فذبحها وهدم البرج. وقال هارون بن سفيان المستملي: جئت إلى أحمد حين أراد أن يفرق الدراهم التي جاءته من المتوكل، فأعطاني مئتي درهم، فقلت: لا يكفيني، قال: ليس شيء ها هنا غيرها، ولكني أعمل بك شيئًا، أعطيك ثلاثة مئة تفرقها، قال: فلما أخذتها قلت: يا أبا عبد الله ليس والله أعطي أحدًا شيئًا منها، فتبسم. وقال محمد بن إبراهيم الأنماطي: كنت عند أحمد وبين يديه المحبرة، فذكر أحمد حديثًا فاستأذنته أن أكتبه من محبرته، فقال لي: اكتب يا هذا، فهذا ورع مظلم. وقيل لأحمد: لم لا تصحب الناس؟ فقال: لوحشة الفراق.وكان يأتي العرس والأملاك والختان، يجيب ويأكل، وإذا أحب رجلًا قال له: إني لأحبك. وقال هارون بن عبد الله: جاءني أحمد في بيتي فرحبت به وقلت: ألك حاجة؟ قال: نعم، شغلت اليوم قلبي، قلت: بماذا؟ قال: جزت عليك اليوم وأنت تحدث الناس قاعد في الفيء، والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل مرة أخرى، إذا قعدت فاقعد مع الناس. وقال إسحاق بن هانئ: كنا عند أحمد في منزله ومعنا المروذي ومهنَّأ بن يحيى الشامي فدق داق الباب، وقال: المروذي ها هنا؟ وكان المروذي كره أن يعلم موضعه فوضع مهنَّأ بن يحيى أصبعه في راحته وقال: ليس المروذي ها هنا وما يصنع المروذي ها هنا، فضحك أحمد ولم ينكر ذلك.