المقريزي - المقفى الكبير
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1924, entry [2671]4,588 chars
١٧٦٩ - ابن اللبّان [٦٨٥ - ٧٤٩] (١) [٨٥ أ] محمد بن أحمد بن عبد المؤمن، شمس الدين، أبو عبد الله، ابن اللبّان، الأسعرديّ الأصل، الدمشقيّ، الشافعيّ. ولد في حدود سنة خمس وثمانين وستّمائة. سمع بدمشق والقاهرة والإسكندريّة من جماعة، منهم أبو حفص عمر بن عبد المنعم ابن القوّاس، والشرف الدمياطيّ. وخرّج له الشه…
▸ expand full passage (4,588 chars)١٧٦٩ - ابن اللبّان [٦٨٥ - ٧٤٩] (١) [٨٥ أ] محمد بن أحمد بن عبد المؤمن، شمس الدين، أبو عبد الله، ابن اللبّان، الأسعرديّ الأصل، الدمشقيّ، الشافعيّ. ولد في حدود سنة خمس وثمانين وستّمائة. سمع بدمشق والقاهرة والإسكندريّة من جماعة، منهم أبو حفص عمر بن عبد المنعم ابن القوّاس، والشرف الدمياطيّ. وخرّج له الشهاب أحمد بن أيبك جزءا من حديثه. وتفقّه على الفقيه نجم الدين أحمد ابن الرفعة، وبرع في الفقه. واستوطن القاهرة حتّى مات. ودرّس ووعظ، وسلك على يد الشيخ ياقوت من أصحاب أبي العبّاس المرسيّ صاحب أبي الحسن الشاذليّ، فأنكرت عليه أشياء تكلّم بها، وكتب عليه محضر. وطلب من السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون أن يمكّن أخصامه منه ليدّعوا عليه فأذن لهم في حمله إلى القضاة. فبادر إلى الأمير جنكلي بن البابا واستجار به. فقام معه، وانتدب لمساعدته الأمير الحاج آل الملك والأمير أيدمر الخطيريّ وحدّثوا السلطان في أمره وأثنوا عليه، وما زالوا به حتّى فوّض أمره لقاضي القضاة جلالالدين محمد القزوينيّ الشافعيّ، فاستتابه، ومنع هو وعدّة من الوعّاظ أن يتحدّثوا على الناس. فلمّا مات الضياء محمد بن إبراهيم المناوي، استقرّ عوضه في تدريس الشافعيّ تاج الدين محمد بن إسحاق المناوي (١) بسفارة قاضي القضاة عزّ الدين عبد العزيز ابن جماعة ودرّس به. فثار ابن اللبّان عليه، وتعصّب معه الأمير جنكلي بن البابا، والأمير آق سنقر وعدّة من الأمراء، وعرّفوا السلطان من تعظيمه ما اقتضى استقراره في التدريس. ونزل يدرّس ومعه الأمير أرغون الكاملي وجماعة أمراء. فأخرج ناصر الدين [٨٥ ب] بن فار السقوفيّ محتسب مصر من سكنه بالشافعيّ وألزمه بالأجر مدّة سكنه. فرتّب على ابن اللبّان فتيا نسبه فيها إلى أمور تكلّم بها توجب إراقة دمه. وطلبه ليدّعى عليه فلم يتمكّن منه لقوّة جاهه بالأمراء. وتوفّي في طاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة. وكان بارعا في الفقه والأصول والنحو والتصوّف والوعظ. واختصر كتاب الروضة في الفقه، وبوّب كتاب الأمّ للشافعيّ ورتّبه على المسائل والأبواب. وصنّف كتابا في متشابه القرآن والحديث، وهو مختصر حسن تكلّم فيه على بعض الآيات والأحاديث المتشابهات بكلام حسن على طريقة التصوّف (٢). ومن شعره [المتقارب]: تشاغل عنّا بوسواسه ... وكان قديما لنا يطلب محبّ تناسى عهود الهوى ... وأصبح في غيرنا يرغب ونحن نراه ونملي له ويحسبنا أنّنا غيّب ... ونحن إلى العبد من نفسه ووسواس شيطانه أقرب وممّا أخذ عليه قوله: إلا هي، جلّت عظمتك أن يعصيك عاص أو ينساك ناس، ولكن أوحيت روح أوامرك في أسرار الكائنات فذكرك الناسي بنسيانه وأطاعك العاصي بعصيانه. وإن من شيء إلّا يسبّح بحمدك إن عصى داعي إيمانه فقد أطاع داعي سلطانك، ولكن قامت عليه حجّتك، فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [الأنعام: ١٤٩] لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء ٢٤]. [٨٦ أ] وذكره القاضي شهاب الدين أحمد، ابن القاضي محيي الدين يحيى بن فضل الله في كتاب مسالك الأبصار إلى ممالك الأمصار (٣)، فقال: طراز مصر المذهب، وفرد أهلها في علم الحقيقة والمذهب، والفائز المعلّى قدحه، والسّيّد المحلّى بذائب الذهب مدحه، طاب غرسه وأشرقت ملء المشارق والمغارب شمسه، تتوالى منه وليّا تروّى أنواؤه وتجود الأرض سماؤه وتعود بالفرض والنوافل نعماؤه. صحب الشيخ ياقوت الحبشيّ (٤) وغيره من مشايخ الإسكندريّة ومصر والشام، وأخذ عنهم من علوم الطريقة والحقيقة ما تقدّم تمهيد العلوم الشرعيّة لسلوكه فيه حتّى برع وبذّ أهل زمانه وساد على أبناء دهره. وأطلق قلمه بالإفتاء، واشتغل عليه أنواع الطلبة وأخذت عنه طوائف المريدين، وتكلّم على رءوس الأشهاد، وحضر مجلسه الخاصّ والعامّ، ولم يزل يشار إليه بالإجلال ويذكر بالتعظيم. وكنت أسمع به ولا يقيّض لي به لقاء. ثمّ أصيب بما لم يخلّ منه مثله مخلّ في بعضمجالسه وقد شرع في كلام ما كمّله، وأخذ في قول ما أتمّه، فقام ابن الكاتب المالكيّ وقطع عليه الكلام وأخذ في الإنكار عليه، وقام معه أناس قلائل، وهمّ بهم السواد الأعظم حتّى كادوا يثبون بهم. ثمّ حجز بين الفريقين. ورفع ابن الكاتب القضيّة إلى الحكّام، وكان كلاما يقتضي قبل تمامه ما أوقد حميّة بعض الحكّام عليه، فتحدّث مع البقيّة (١). ثمّ حدّثوا السلطان فيه فاستشاط غضبا وأمرهم فيه بأمر كاد [٨٦ ب] فارطه لا يستدرك. فقيّض له من بلغ السلطان القضيّة وأوصل إليه الخبر على جليّته، وعرّفه بمكانة الشيخ وما هو عليه من العلم والدّين، فسخّره الله له وقلب تلهّب غيظه عليه بردا وسلاما، وبعث إلى الحكّام بالتمهّل في أمره. ثمّ طلبه السلطان وادّعى عليه لديه، وسأله عمّا قال فاعترف. فحكم بصحّة إسلامه وقبول توبته وإبقائه على ماله وزوجته وعدالته ومناصبه بعد استيفاء الشرائط الشرعيّة وفعل كلّ ما يجب شرعا. ثمّ عقد له مجلس بالمدرسة الصالحيّة عند قاضي القضاة جلال الدين القزوينيّ فطلبه، فنزل من القلعة إليه والناس حوله، وقد ملأ سواد الناس ما بين القلعة والمدرسة. فلمّا حضر مجلس الحكم العزيز ادّعى عليه، فأجاب بما حكم به السلطان وأوصل حكم السلطان بالقاضي القزوينيّ، وحكم حكما آخر مستقلّا للشيخ بمثل ذلك. وامتنع من الكلام في المجالس العامّة، ثمّ تكلّم. وهو رجل قد جمع الله عليه القلوب، وجمع له من أشتات ما لا هو في ظنّ ظانّ. هذا إلى حسن الشكل، وتنوير الوجه والصورة، وجمال الذات والهيئة، وجودة الخطّ وحسن اللفظ وبراعة اللسن وكرم النفس وجميل السجايا، فآها على دهر فرّق بيننا وبينه، وزمان أبعد المدى عنه! وله نظر ثاقب في الأدب ونظم بديع. انتهى.