لي صاحبٌ لي وأنا بالكوفة: هل لك في رجلٍ تَنظُر إليه؟ قلت: نعم، قال: هذه مَدرَجَتُه - وأُريدَ أُوَيسٌ القَرَني - قال: وأظنه سيَمرُّ الآن، قال: فجلسنا له، فمَرَّ، فإذا رجلٌ عليه سَمَلُ (¬٢) قَطِيفةٍ، قال: والناس يَطَؤُونَ عَقِبَه، قال: وهو يُقبِلُ فيُغلِظُ لهم ويكلِّمُهم في ذلك فلا يَنتهُون عنه، قال: فمَضَينا مع الناس حتى دخل مسجدَ الكوفة ودخلنا معه، فتنحَّى إلى سارية فصلَّى ركعتين، ثم أَقبلَ إلينا بوجهه، ثم قال: يا أيُّها الناس، ما لي ولكم تطؤون عَقِبي في كل سِكَّة، وأنا إنسان ضعيف تكون لي الحاجةُ فلا أَقدِرُ عليها معكم، لا تفعلوا رَحِمَكم اللهُ، مَن كانت له إليَّ حاجةٌ فليلْقني ها هنا. قال: وكان عمر بن الخطَّاب سأل وَفْدًا قَدِمُوا عليه: هل سَقَطَ إليكم رجلٌ من قَرَنٍ من أمرِه كَيْتَ وكَيْتَ؟ فقال الرجل لأُوَيسٍ: ذَكَرَك أمير المؤمنين، ولم يَذكُر ذلك لنا، فقال (¬٣): ما كان ذلك من ذِكْره ما أتبلَّغُ إليكم به، قال: وكان أُويسٌ أَخَذَ على الرجل عهدًا ومِيثاقًا أن لا يُحدِّثَ به غيرَه. قال: ثم قال أُويس: إنَّ هذا المجلس يَغشاهُ ثلاثةُ نَفرٍ: مؤمنٌ فقيه، ومؤمنٌ لم يَفقَهْ، ومنافقٌ، وذلك في الدنيا مِثلُ الغيثِ يَنزِلُ من السماءِ إلى الأرضِ فيصيبُ الشجرةَ المُورِقةَ المُونِعةَ (¬١) المثمِرةَ، فيزيد ورقَها حُسْنًا ويزيدُها إيناعًا، وكذلك يزيد ثمرتَها طِيبًا، ويصيبُ الشجرةَ المُورِقةَ المُونِعةَ التي ليس لها ثمرةٌ فيزيدها إيناعًا ويزيدها وَرَقًا وحُسنًا، ويكون لها ثمرةٌ فتَلحَقُ بأُختها، ويصيب الهَشِيمَ من الشجر فيَحطِمُه فيذهب به، قال: ثم قرأ الآية: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]، لم يُجالِسْ هذا القرآنَ أحدٌ إِلَّا قام عنه بزيادةٍ أو نُقْصان، فقضاءُ الله الذي قَضَى شِفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين، ولا يزيدُ الظالمين إلَّا خَسَارًا، اللهمَّ ارزُقْني شهادةً تسبق كِشْرتُها (¬٢) أَذاها وأمْنُها فَزَعَها، تُوجِب الحياةَ والرِّزق، ثم سكت. قال أُسير: فقال لي صاحبي: كيف رأيتَ الرجل؟ قلت: ما ازددتُ فيه إِلَّا رَغْبةً، وما أنا بالذي أفارقُه. فَلَزِمْناه، فلم نَلبَثْ إِلَّا يسيرًا حتى ضُرِبَ على الناس بَعْثُ أميرِ المؤمنين عليٍّ، فخرج صاحبُ القَطِيفة أُويسٌ فيه وخرجنا معه فيه، وكنّا نسيرُ معه ونَنزِل معه حتى نَزَلْنا بحَضْرة العدوِّ. قال ابن المبارك: فأخبرني حمَّادُ بن سَلَمة، عن الجُريري، عن أبي نَضْرة، عن أُسير بن جابر قال: فنادى منادي علي: يا خيلَ الله اركَبي وأَبشِري، قال: فصَفَّ الثُّلثين لهم، فانتَضَى صاحبُ القَطيفة أُويسٌ سيفَه (¬٣) حتى كَسَرَ جَفْنَه فألقاه، ثم جعل يقول: يا أيها الناس، تِمُّوا تِمُّوا لتَتِمَّنَّ وجوهٌ ثم لا تَنصرِفُ حتى تَرَى الجنة، يا أيها الناس، تِمُّوا تِمُّوا، جعل يقول ذلك ويمشي وهو يقول ذلك ويمشي، إذ جاءته رَمْيةٌ فأصابت فؤادَه، فبَرَدَ مكانَه كأنما مات منذُ دَهْرٍ. قال حماد في حديثه: فوارَيْناه في التُّراب (¬١). هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه بهذه السِّياقة، وأُسير بن جابر من المُخضرَمِين، وُلِدَ في حياة رسول الله ﷺ، وهو من كِبَار أصحاب عمر ﵁.