حذيفةُ: وكَتَب إليَّ يوسفُ بنُ أسباطٍ: «أمَّا بعدُ. فإنِّي أُوصيك بتقوى الله، والعملِ بما علَّمك الله ﷿، والمراقبةِ حيث لا يراك أحدٌ إلا الله، والاستعدادَ لما ليس لأحدٍ فيه حيلةٌ، ولا يُنتفع بالندمِ عند نزولِه، فأحسر عن رأسِك قناعَ الغافلِين، وانتبِهْ من رقدةِ الموتِ، وشمِّرْ للسباقِ غدًا؛ فإنّ الدنيا دارُ السابقِين، ولا تغترَّ بمَن قد أظهر النسكَ، وتشاغل بالوصفِ، وتَرَك العملَ بالموصوفِ. واعلم يا أخي، أنّه لابدَّ لي ولك من مقامٍ بين يدي الله ﷿، يسألُنا عن الدقيقِ الخفيِّ، والجليلِ الجافي، ولستُ آمنُ يسألنُي وإياك عن وساوسِ الصدورِ، ولحظاتِ العُيونِ، والإصغاءِ إلى الاستماعِ، وما عسى يَعجزُ مثلي عن صفتِه. واعلم يا أخي، أنّه ممَّا وُصف به منافقو هذه الأُمّةِ أنّهم خالطوا أهلَ الدنيا بأبدانِهم، وكاثفوهم عليها بأهوائهم، وفَرِحوا بما رأوا من زينتِهم، وداهن بعضُهم بعضًا في القولِ والفعلِ، فبَطَل صمتُهم، وخَبُث فِعْلُهم، لهم في الظاهرِ [ … ] (¬٣) وتَرَكوا باطنَ العملِ بالتصحيحِ، فأحرمهم الله بذلك الثمنَ الربيح. واعلم يا أخي، أنّه لا يُجزئُ من العملِ القولُ، ولا من البذلِ العدَةُ، ولا من التوقِّي التلاؤُمُ، وقد صرنا في زمنٍ هذه صفةُ أهلِه، فمَن كان كذلك، فقد تعرَّض للمهالِك، وصُدَّ عن سواءِ السبيلِ، وفَّقنا الله وإياك لما يُحبُّ، والسلامُ» (¬١).