إني كنت أرى لو أمرتك أن تعض على حجر كذا وكذا ابتغاء مرضاتي لفعلت، اخترت لك عملا فكرهته، أو أكتب لك سنة عمر ﵁؟ قال: قلت اكتب لي سنة عمر ﵁ قال: فكتب خذ من المسلمين من أربعين درهما درهما، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهما درهما، وممن لا ذمة له من كل عشرة دراهم درهما. قال: قلت، من لا ذمة له؟ قال: الروم كانوا يقدمون من الشام (¬١). فلما فعل عمر ﵁ هذا بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ فلم ينكره عليه أحد منكر، كان ذلك حجة وإجماعا منهم عليه. فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. وأما وجهه من طريق النظر، فإنا قد رأيناهم أنهم لا يختلفون أن للإمام أن يبعث إلى أرباب المواشي السائمة حتى يأخذ منهم صدقة مواشيهم إذا وجبت فيها الصدقة، وكذلك يفعل في ثمارهم ثم يضع ذلك في مواضع الزكوات على ما أمره به ﷿ لا يأبى ذلك أحد من المسلمين. فالنظر على ذلك أن تكون بقية الأموال من الذهب والفضة وأموال التجارات كذلك. فأما معنى قول رسول الله ﷺ: "ليس على المسلمين عشور إنما العشور على اليهود والنصارى". فعلى ما قد فسرته فيما تقدم من هذا الباب وقد سمعت أبا بكرة يحكي ذلك عن أبي عمر الضرير. وهذا كله قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد ﵏. وقد روي عن يحيى بن آدم في تفسير قول النبي ﷺ: "ليس على المسلمين عشور، إنما العشور على اليهود والنصارى" معنى غير المعنى الذي ذكرنا، وذلك أنه قال: إن المسلمين لا يجب عليهم بمرورهم على العاشر في أموالهم ما لم يكن واجبا عليهم لو لم يمروا بها عليه؛ لأن عليهم الزكاة على أي حال كانوا عليها. واليهود والنصارى لو لم يمروا بأموالهم على العاشر لم يجب عليهم فيها شيء. فالذي رفع عن المسلمين، هو الذي يوجبه المرور بالمال على العاشر، ولم يرفع ذلك عن اليهود والنصارى.