قَدْ طَهَّرَ اللَّهُ أَهْلَ هَذِهِ الْمَدِينَةِ، مَا لَمْ تُضِلُّهُمُ النُّجُومُ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن يُونُسَ، عن الحَسَنِ، عن قَيْسِ بن عُبَادٍ إلا قَيْسُ بن الرَّبِيعِ، تَفَرَّدَ بِهِ: أَبُو بِلالٍ. وقد رَوَاهُ موسى بن دَاوُدَ الضَّبِّيُّ، والحَسَنُ بن عَطِيَّةَ: عن قَيْسٍ، عن يُونُسَ، عن الحَسَنِ، عن الأَحْنَفِ بن قَيْسٍ، عن العَبَّاسِ، عن النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. هذا الحديث مَدَاره على الحسن، واختُلف عنه مِنْ أوجه: الوجه الأول: الحَسَنِ، عن قَيْسِ بن عُبَادٍ، عن العَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁. الوجه الثاني: الحَسَنِ، عن الأَحْنَفِ بن قَيْسٍ، عن العَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁. الوجه الثالث: الحَسَنِ، عن العَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁. وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا: - الوجه الأول: الحَسَنِ، عن قَيْسِ بن عُبَادٍ، عن العَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁. أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه أبو بكر بن عَبْدَويه الشافعيّ في "الفوائد" - الشهير بالغيلانيات - (٣٠٢) - ومِنْ طريقه الخطيب البغدادي في "تلخيص المتشابه في الرسم" (١/ ٢٤١) -، قال: حدَّثنا عَلِيُّ بن بَيَانٍ البَاقِلَّانِيُّ، ثنا أبو بِلَالٍ الأَشْعَرِيُّ - بإحدى الأوجه عنه -، قَالَ: ثنا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عن يُونُسَ بن عُبَيْدٍ، عن الحَسَنِ، بنحوه. وقال ابن عَبْدَويه: هكذا رَأَيْتُهُ في أَصْلِ عَلِيِّ بن بَيَانٍ، عن أبي بِلَالٍ، عن قَيْسِ بن عُبَادٍ عن العَبَّاسِ، وقال: "لَقَدْ بَرَى". وقال الخطيب البغدادي: هذا الحديثُ إنَّمَا يُرْوَى عن قَيْسِ بن الرَّبِيعِ، عن يُونُسَ، عن الحَسَنِ، عن الأَحْنَفِ بن قَيْسٍ، عن العَبَّاسِ، رَوَاهُ هكذا مُوسَى بن دَاوُدَ الضَّبِّيُّ، والحَسَنُ بن عَطِيَّةَ الكُوفِيُّ، وهكذا رَوَاهُ إبراهيم بنُ الوَلِيدِ الجَشَّاشُ، عن أبي بِلالٍ، عن قَيْسٍ بِخِلافِ ما قال عَلِيُّ بنُ بَيَانٍ. ب دراسة إسناد الوجه الأول (بإسناد الطبراني): ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) أَبُو بِلَالٍ بن مُحَمَّدِ بن الحَارِثِ بن عَبْد اللهِ بن أبي بُرْدَة بن أبي مُوسَى الأَشْعَريُّ: "ضَعيفٌ"، وقال ابن حبَّان: يُغرب، ويَتَفَرَّد. تَقَدَّم في الحديث رقم (١٧٤). ٣) قَيْس بن الربيع الأسدي، أبو محمد الكوفي: "ضَعيفٌ يُعتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠٦). ٤) يونس بن عُبَيد بن دِيْنَار العَبْدِيُّ: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فاضلٌ، ورعٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٧٥). ٥) الحَسَنُ بن أبي الحسن البَصْريُّ: "ثِقَةٌ فَقِيهٌ، فَاضِلٌ وَرِعٌ، كثير الإرسال، وعنعنته محمولةٌ على الاتصال والسماع في روايته عَمَّن صَحَّ له سماعه منه في الجملة، إلا في روايته عن سَمْرة بن جُنْدب فإنَّه يدلِّس عنه؛ وأما في روايته عمن لم يسمع منه - وإن عاصره أو لقيه - فلا بدَّ أن يصرح بسماعه منه في الجملة، وإلا فمنقطعٌ - لإرساله - والله أعلم. تقدَّم في الحديث رقم (٣١). ٦) قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ القَيْسِيُّ الضُّبَعِيُّ البَصْرِيُّ: "ثِقَةٌ، مُخضرم"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٧٥). ٧) الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ بن عَبْد مناف، أَبُو الفضل القُرَشِيُّ الهاشميُّ، عم رَسُول ﷺ. روى عن: النَّبي ﷺ. روى عنه: الأحنف بن قيس، وقَيْس بن عُبَاد، وأبناؤه الثلاثة، وآخرون. كَانَ أسن من رَسُول اللَّهِ ﷺ بسنتين أَوْ ثَلاث، شهد بدرًا مع المشركين، وكان خرج إليها مُكْرَهًا، وأُسِرَ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ أسلم بعد ذَلِكَ، وقيل: إنه أسلم قبل ذَلِكَ، وكان يكتم إسلامه. وروى له الجماعة. (¬١) ثانيًا: - الوجه الثاني: الحَسَنِ، عن الأَحْنَفِ بن قَيْسٍ، عن العَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁. أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه أبو عليّ بن شاذان في "جزئه" (١٧٦)، والبَزَّار في "مُسْنَدِه" (١٣٠٤)، ومكرم البَزَّاز في "فوائده" (٦)، وابن عَبْدَويه في "الفوائد" - الشهير بالغيلانيات - (٣٠١/ ١) - ومِنْ طريقه ابن العديم في "بُغية الطلب في تاريخ حلب" (٣/ ١٣٠٢) -، وأبو نُعيم في "معرفة الصحابة" (٥٣٢٩)، وفي "تاريخ أصبهان" (١/ ٢٢٥)، مِنْ طُرُقٍ عن مُوسَى بن دَاوُدَ، عن قَيْس بن الربيع، عن يُونُسَ، عن الحَسَنِ، عن الأَحْنَفِ بن قيس، عن العَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ، قال: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، فقال: «لَقَدْ بَرَّأَ اللَّهُ أَهْلَ هَذِهِ الْمَدِينَةِ مِنَ الشِّرْكِ، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تُضِلَّهُمُ النُّجُومُ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ تُضِلُّهُمُ النُّجُومُ؟ قَالَ: «يَقُولُونَ: الْغَيْثَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا». وعند بعضهم: «لَقَدْ بَرَّأَ اللَّهُ هَذِهِ الْجَزِيرَةَ». وقال البَزَّار: لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى بهذا اللَّفْظِ إلا عن العَبَّاسِ ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ، ولا نَعْلَمُ له إِسْنَادًا، عن العَبَّاسِ إلا هذا الإِسْنَادَ. وقال أبو نُعيم: وَرَوَاهُ قَتَادَةُ، عن الحَسَنِ، عن العَبَّاسِ؛ ورَوَاهُ عَوْفٌ، عن الحَسَنِ، عن مَنْ أخبرهُ عن العَبَّاسِ، ولم يذكر هو ولا قَتَادَةُ الأَحْنَفَ بن قَيْسٍ. • والبزار في "مُسنَده" (١٣٠٣)، وأبو يَعْلَى في "مُسْنَدِه" (٦٧٠٩)، وابن عَبْدَويه في "الفوائد" (٣٠١/ ٢) - ومِنْ طريقه ابن العديم في "بُغية الطلب" (٣/ ١٣٠٢) -، عن أبي كُريب محمد بن العَلَاءِ، قال: نا الحَسَنُ بن عَطِيَّةَ، قال: نا قَيْسٌ، عن يُونُسَ، عن الحَسَنِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، بنحوه. • وأخرجه أبو سعيد بن الأعرابي في "معجمه" (١٠٦٦)، والخطيب البغدادي في "تلخيص المتشابه في الرسم" (١/ ٢٤٢)، عن إبراهيم بن الوليد الجَشَّاش، نا أبو بِلَالٍ الأَشْعَرِيُّ، نا قَيْسُ بن الرَّبِيعِ الأسَدِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بنحوه. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد البَزَّار مِنْ طريق موسى بن داود): ١) أحمد بن محمد بن الوليد أبو محمد الازرقيُّ: "ثِقَةٌ". (¬١) ٢) موسى بن داود الضَبِّيّ، أَبُو عَبد اللَّهِ الطَّرَسُوسيُّ: "ثِقَةٌ". (¬٢) ٣) قَيْس بن الربيع الأسدي، أبو محمد الكوفي: "ضَعيفٌ يُعتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠٦). ٤) يونس بن عُبَيد بن دِيْنَار العَبْدِيُّ: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فاضلٌ، ورعٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٧٥). ٥) الحَسَنُ بن أبي الحسن البَصْريُّ: "ثِقَةٌ فَقِيهٌ، فَاضِلٌ وَرِعٌ، كثير الإرسال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣١). ٦) الأَحْنَفُ - وهذا لقبه، واسمه الضَّحَّاك - بن قيس التَّمِيميَّ: "ثِقَةٌ، مُخَضْرَمٌ". (¬٣) ٧) الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ: "صحابيٌّ جليلٌ، وعَمُّ النَّبيّ الكريم ﷺ "، تَقَدَّم في الوجه الأول. ثالثًا: - الوجه الثالث: الحَسَنِ، عن العَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁. أ تخريج الوجه الثالث: • أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٦٧١٤)، وابن خزيمة - كما في "الإتحاف" لابن حجر (٦/ ٤٧٧/حديث برقم ٦٨٤٩) -، وأحمد بن محمد بن عمران في "الفوائد الحسان الغرائب" (١٥)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (١٤٧٩)، مِنْ طُرُقٍ عن عُمَر بن إبراهيم، عن قَتَادَةَ، عن الحَسَنِ، عن العَبَّاسِ بن عبد المُطَّلِبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قال: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ طَهَّرَ هَذِهِ الْقَرْيَةَ مِنَ الشِّرْكِ إِنْ لَمْ تُضِلَّهُمُ النُّجُومُ». وقال ابن خزيمة: الحَسَنُ لم يَسْمَعْ مِنَ العَبَّاسِ. وقال البوصيري في "الإتحاف" (٣/ ٢٥٢/حديث برقم ٢٦٨٠): رَوَاهُ أبو يَعْلَى بِسَنَدٍ فيه انقطاع. • وأبو بكر بن خلاد النصيبي في "فوائده" (٧٣)، قال حدَّثنا محمد بن عُثْمَان بن أبي شيبة، قال: نا أبي، قال: وجدت في كتاب أبي، عن مُسْتلم بن سعيد، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، عن العبَّاس، بنحوه. ب دراسة إسناد الوجه الثالث: في إسناده عُمر بن إبراهيم العَبْديّ (صاحب الهَرَوي): "صدوقٌ، في حديثه عن قتادة ضَعْفٌ". (¬٤) رابعًا: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مَدَاره على الحسن، واختُلف عنه مِنْ أوجه: الوجه الأول: الحَسَنِ، عن قَيْسِ بن عُبَادٍ، عن العَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁. الوجه الثاني: الحَسَنِ، عن الأَحْنَفِ بن قَيْسٍ، عن العَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁. الوجه الثالث: الحَسَنِ، عن العَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁. والذي يَظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني لَعَلَّه هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: