نَفْسُهُ، فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ حَضَرَ أَجْلُكَ. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن سُفْيَانَ إلا سُوَيْدٌ. هذا الحديث مَدَاره على سعيد بن جُبَيْر، واختلف عنه مِن وجهين: الوجه الأول: سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس (موقوفاً). الوجه الثاني: سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس (مرفوعاً). أولاً: - الوجه الأول: سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس (موقوفاً). أ تخريج الوجه الأول: رواه عن سعيدٍ بهذا الوجه جماعة، كالآتي: • أخرجه عبد الرَّزَّاق في "تفسيره" (٢/ ٤٠٥)، وأحمد في "مسنده" (٣١٢٧)، وفي "فضائل الصحابة" (١٨٧١)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٥١٥) - ومِن طريقه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (٦٧٧) -، والبزَّار في "مسنده" (١٩٢، ٥١٤٧)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" (١٤٣)، كلهم مِن طرقٍ عن هُشَيْم بن بَشِيْر. - وأخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٦٢٧) ك/المناقب، ب/علامات النُّبُوَّة في الإسلام، وأيضاً برقم (٤٤٣٠) ك/المغازي، ب/مَرَض النَّبِيِّ ﷺ وَوَفَاته، والترمذي في "سننه" (٣٣٦٢) ك/التفسير، ب/سُورَة الفتح، والنَّسائي في "الإغراب" (٢٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٠٨)، والطبراني في "الكبير" (١٠٦١٦)، والحاكم في "المستدرك" (٦٢٩٦)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ١٦٧)، كلهم مِن طُرُقٍ عن شُعْبة بن الحجَّاج. وقال الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال الحاكم: حديثٌ صَحِيحٌ على شرط الشَّيْخَيْنِ، ولم يُخَرِّجَاهُ. قلتُ: بل أخرجه البخاري - كما سبق -، لذا تعقَّبَه الزيلعي (¬٢). وقال الذهبي: على شرطيهما. - وأخرجه البخاري أيضاً في "صحيحه" (٤٢٩٤) ك/المغازي، ب/مَنْزِل النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ، وبرقم (٤٩٧٠) ك/التفسير، ب/قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (¬٣)، والطبراني في "الكبير" (١٠٦١٧) - ومِن طريقه أبو نُعيم في "الحلية" (١/ ٣١٧) -، والبيهقي في "الدلائل" (٥/ ٤٤٦) و (٧/ ١٣٤)، مِنْ طُرُقٍ عن أبي عَوانة الوضَّاح بن عبد الله اليَشْكُري. - وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٥٢٤) - وهي رواية الباب - عن أحمد بن القاسم عن عيسى بن مُساور؛ وأيضاً في "المعجم الكبير" (١٢٤٤٥) عن الحُسَيْن بن إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيّ، ثنا علِيُّ بن بَحْرٍ؛ كلاهما (عيسى، وعلي) عن سُويد بن عبد العزيز عن سُفْيان بن حُسَيْن. أربعتهم (هُشَيْم، وشُعْبة، واليَشْكُري، وسُفيان بن حُسين) عن أبي بِشْرٍ جعفر بن إياسٍ الواسطي. • وأخرجه البخاري في "صحيحه" (٤٩٦٩) ك/التفسير، ب/قوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ (¬١)، وعبد الله بن أحمد في (زوائده) على "فضائل الصحابة" (١٩٣٣)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٠٨)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٤٤٧)، كلهم مِن طُرُقٍ عن الثوري، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ. • وأخرجه البلاذري في "أنساب الأشراف" (٤/ ١٤٦٠)، والنَّسائي في "الكبرى" (٧٠٤٠) ك/وفاة النَّبي ﷺ، وأيضاً برقم (١١٦٤٧) ك/التفسير، ب/سورة النصر، وفي "الوفاة" (١)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٢/ ٢٠٩)، مِن طُرُقٍ عن عَبْدِ الملك بن أبي سليمان العَرْزَميُّ. ثلاثتهم (جعفر بن إياس، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك العَرْزَميّ)، عن سعيد بن جُبَيْر، بنحوه، وعند بعضهم مختصراً، والبعض مطولاً، وفيه قصة. ب دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) عيسى بن مُسَاور الجوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١١٣). ٣) سُويد بن عبد العزيز بن نُمَير السُّلَّميُّ: "ضعيفٌ، يُعتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦٥). ٤) سُفْيَان بن حُسَين بن الحَسَن، أَبُو مُحَمَّد، ويُقال: أَبُو الحَسَنِ، الواسطي. روى عن: جعفر بن إياس، والزُّهْري، وحُميد الطويل، وآخرين. روى عنه: سُويد بن عبد العزيز، وشعبة بن الحجَّاج، ويَزيد بن هارون، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والعِجْلي، والبزار، والذهبي في "الديوان": ثِقَةٌ. وفي "الميزان": صدوقٌ مشهورٌ. وقال ابن سعد: ثقة يُخْطِئ في حديثه كثيراً. - وقال ابن معين: ثِقَةٌ، وهو ضَعِيفٌ عن الزُّهْرِيّ. وبه قال أحمد، وعثمان بن سعيد، ويعقوب ابن أبي شيبة، والنَّسائي، وابن عدي. وقال ابن حبَّان: ثِقَة فِي غير حَدِيث الزُّهْرِيّ، اخْتَلَطت عليه صحيفة الزُّهْري فكان يأتي بها على التَّوَهُّم، فالإنصاف في أمره تنكب ما روى عن الزُّهْرِيّ والاحتجاج بِمَا روى عن غَيره. - وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يُكْتب حديثه ولا يُحْتج به. وقال ابن خِراش: ليِّنُ الحديث. - وحاصله: ما قاله ابن حجر: "ثِقَةٌ في غير الزُّهْري باتفاقهم". وعليه يُحمل قول مَن ضَعَّفه. (¬١) ٥) جَعْفَر بن إياس، وهو ابن أَبي وَحْشِيَّة اليَشْكُريُّ، أَبُو بِشْر الواسطيُّ. روى عن: سعيد بن جُبير، وعطاء بن أبي رَبَاح، ومَيْمون بن مِهْرَان، وآخرين. روى عنه: سُفْيان بن حُسين، وشُعْبة بن الحَجَّاج، وهُشيم بن بَشير، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والعِجْلي، وابن سعد، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والنَّسائي، والذهبي: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال البرديجي: ثِقَةٌ، مِن أثبت النَّاس في سعيد بن جُبير. روى له الجماعة. - وقال ابن معين: كان شعبة يُضَعِّف أحاديث أبي بشر عن حبيب بن سالم، ومجاهد، وكان يقول: لم يَسْمع أبو بِشر مِن حَبيب بن سالم. - والحاصل: ما قاله الحافظ ابن حجر: "ثِقَةٌ، مِنْ أَثْبَت النَّاس في سعيد بن جُبير، وضَعَّفه شُعْبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد". (¬٢) ٦) سَعيد بن جُبير: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيْهٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٨). ٧) عبد الله بن عبَّاس بن عبد المُطَلب: "صحابيٌّ جَليلٌ مُكْثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥١). ثانياً: - الوجه الثاني: سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس (مرفوعاً). أ تخريج الوجه الثاني: ولم أقف على أحدٍ رواه عن سعيد بن جُبَير بهذا الوجه إلا عطاء بن السَّائب، وقد اضطرب فيه: • فأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة - كما في "إتحاف الخيرة المهرة" (٥٩٠٧/ ١) - وأحمد في "مسنده" (١٨٧٣)، قال: حدَّثنا محمَّد بن فُضَيْلٍ، حدَّثنا عَطَاءٌ، عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عن ابن عَبَّاسٍ، قال: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (¬٣)، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، بِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ". - ومِن طريق أحمد أخرجه الضياء المقدسي في "المختارة" (٣٠١)، لكنَّه زاد يزيد بن أبي زياد بين محمد بن فُضَيل وعطاء. - والبلاذري في "أنساب الأشراف" (١١٢٣)، وأبو يعلى - كما في "إتحاف الخيرة المهرة" (٥٩٠٧/ ٢)، ومِن طريقه الضياء في "المختارة" (٣٠٠) -، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٠٩) - ومِن طريقه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٠) -، كلهم عن محمد بن فُضيل، به. وعند الطبري بلفظ: «كَأَنِّي مَقْبُوضٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ». • بينما أخرجه أبو بكر بن مَرْدَويه - كما في "المختارة" للمقدسي (١٠/ ٢٨٦) - مِن طريق علي بن خَشْرَم عن محمد بن فُضَيل، لكن جعله عن عطاءٍ عن أبيه عن ابن عبَّاس، مثله. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد الإمام أحمد): ١) محمد بن فُضَيْل بن غَزْوان: "ثِقَةٌ". (¬١) ٢) عطاء بن السائب الثقفي الكوفي: "ثِقَةٌ، اختلط بآخرةٍ". (¬٢) ٣) سَعيد بن جُبير: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيْهٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٨). ٤) عبد الله بن عبَّاس بن عبد المُطَلب: "صحابيٌّ جَليلٌ مُكْثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥١). ثالثاً: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مَدَاره على سعيد بن جُبَيْر، واختلف عنه مِن وجهين: الوجه الأول: سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس (موقوفاً). وقد رواه عن سَعيد بن جُبير بهذا الوجه جماعة مِن الثقات، وأخرجه البخاري في "صحيحه". الوجه الثاني: سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس (مرفوعاً). ولم أقف على أحدٍ رواه عن سَعيد بن جُبَيْر بهذا الوجه - على حد بحثي - إلا عطاء بن السائب، وقد اضطرب فيه؛ فرواه مَرَّة عن سعيد عن ابن عبَّاس مرفوعاً، ورواه أخرى عن أبيه عن ابن عبَّاس. وعطاء هذا قد اختلط بآخرة، ومحمد بن فُضَيل قد رَوَى عنه بعد الاختلاط كما نص على ذلك يَعْقُوب بن سُفيان الفسوي. وقال أبو حاتم: وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلط واضطراب، رفع أشياء كان يرويها عن التابعين فرفعها إلى الصحابة. وقال أحمد: كان يرفع عن سَعِيد بن جبير شيئاً لم يكن يرفعها. (¬٣) وعليه فالذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الأول هو الأقرب والأشبه للصواب؛ للقرائن الآتية: ١) الأكثرية، والأحفظية. ٢) إخراج البخاري له في "صحيحه".