إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا وَقَعَ فِيهِمُ النَّقْصُ، جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى أَخَاهُ عَلَى الذَّنْبِ، فَيَنْهَاهُ عَنْهُ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ، فلا يَمْنَعُهُ مَا رَأَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ خَلِيطَهُ، وَأَكِيلَهُ، وَشَرِيبَهُ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَنَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (¬٢)». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كلا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْخُذُوا عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ فَتَأْطِرُوهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا (¬٣)». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن سُفْيَانَ إلا عَبْدُ الكَبِيرِ الحَنَفِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بن المُبَارَكِ، والأَشْجَعِيُّ. هذا الحديث مَدَاره على سُفْيَان الثوري، واختلف عنه مِن ثلاثة أوجهٍ: الوجه الأول: الثوري، عن علي بن بَذِيمَة، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله بن مَسْعود ﵁. الوجه الثاني: الثوري، عن علي بن بَذِيمَة، عن أبي عُبيدة، عن مَسْروقٍ، عن ابن مَسْعود ﵁. الوجه الثالث: الثوري، عن علي بن بَذِيمَة، عن أبي عُبيدة، مُرْسلاً. وتفصيل ذلك على النَّحو التالي: أولاً: - الوجه الأول: الثوري، عن علي بن بَذِيمَة، عن أبي عُبيدة، عن ابن مَسْعود ﵁. أ تخريج الوجه الأول: ورواه عن الثوري بهذا الوجه جماعة، وهم: ١) عبد الرَّزَّاق الصَّنْعَاني: أخرجه عبد الرَّزَّاق في "التفسير" (١/ ١٩٤)، عن الثوري، به. ٢) عبد الله بن المبارك: أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٥١٩)، وهي رواية الباب. ٣) أبو بكر عبد الكبير بن عبد المجيد الحَنَفِيُّ: أشار الطبراني إلى روايته كما في رواية الباب، وذكره الدَّارقطني في "العلل" (٥/ ٢٥٢/مسألة ٨٦٢) و (٥/ ٢٨٦/مسألة ٨٨٩) مُعَلَّقاً. ولم أقف عليه. ٤) عُبيد الله بن عُبيد الرحمن الأشْجَعي: ذكره الطبراني كما في رواية الباب، ولم أقف عليه. ٥) وعلي بن قادم الخُزَاعيُّ: ذكره الدَّارقطني في "العلل" (٥/ ٢٥٢/مسألة ٨٦٢) مُعَلَّقاً. ٦) وعبَّاد بن موسى أبو عُقْبَة الأَزْرَق القُرشيُّ: أخرجه الدَّارقطني في "العلل" (٥/ ٢٨٨)، بسندٍ صحيحٍ إلى عبَّاد بن موسى - وهو ثقةٌ (¬١) -، عن سُفْيَانُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، به. ٧) وشُعيب بن صَفْوان: ذكره الدَّارقطني في "العلل" (٥/ ٢٨٦/مسألة ٨٨٩) مُعَلَّقاً. ب متابعات للوجه الأول: وقد تُوبع سُفيان على روايته لهذا الوجه، تابعه جماعة، كالآتي: • فأخرجه أحمد في "مسنده" (٣٧١٣)، والترمذي في "سننه" (٣٠٤٧) ك/تفسير القرآن، ب/ (٦) مِن سورة المائدة، والطبراني في "الكبير" (١٠٢٦٥)، مِن طريقين عن شَرِيكٍ بن عبد الله النَّخعيّ. وقال الترمذي: حسنٌ غريبٌ. • وابن ماجه في "سننه" (٤٠٠٦/ ٢) ك/الفتن، ب/الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والترمذي في "سننه" (٣٠٤٨) ك/تفسير القرآن، ب/ (٦) مِن سورة المائدة، وابن جرير الطبري في "التفسير" (١٢٣١٠)، ثلاثتهم مِنْ طريق محمد بن مسلم بن أبي الوَضَّاح. • وأبو داود في "سننه" (٤٣٣٦) ك/الملاحم، ب/الأمر والنَّهي - ومِن طريقه أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" (٢/ ٣١٦ و ٤/ ١٠٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢٠١٩٦) -، مِنْ طريق يُونُسُ بن رَاشِدٍ. • والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (١١٦٤)، مِنْ طريق مُوسَى بن أَعْيَنَ. • والطبراني في "الكبير" (١٠٢٦٤)، وأبو إسماعيل الهروي في "ذم الكلام وأهله" (٦٦)، كلاهما مِن طريقين عن سُليمان بن مِهْران الأعمش، بنحوه مُخْتصراً. • والطبراني في "الكبير" (١٠٢٦٦)، مِن طريق مِسْعَر بن كِدَام. ستتهم (شريك، وابن أبي الوضَّاح، ويونس، وموسى، والأعمش، ومِسْعَر) عن علي بن بَذِيمَة، بنحوه. ت دراسة إسناد الوجه الأول (بإسناد الطبراني): ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) أحمد بن جَمِيْل، أبو يوسف المَرْوَزي. روى عن: عبد الله بن المُبَارك، وعبد العزيز بن عبد الصمد، ومُعْتمر بن سُليمان، وآخرين. روى عنه: أحمد بن القاسم، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وابن أبي الدُّنيا، وآخرون. حاله: قال ابن معين، وعبد الله بن أحمد: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: صدوقٌ. والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". (¬٢) ٣) عبد الله بن المبارك: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَالمٌ، جُمِعَتْ فيه خِصال الخير"، تَقَدَّم في الحديث (٩٦). ٤) سُفيان الثوري: "ثِقَةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨٦). ٥) عَلِيُّ بن بَذِيْمَة أبو عبد الله الجَزَرِيُّ الحَرَّانِيُّ، مولى جَابر بن سَمُرَة. روى عن: أبي عُبَيدة بن عَبْد اللَّهِ بن مسعود، وسَعِيد بن جُبَيْر، وعامر الشَّعْبِي، وآخرين. روى عنه: الثوري، والأعمش، ومِسْعَر بن كِدَام، وآخرون. حاله: قال العِجْلي، وابن معين، وأبو زرعة، وابن سعد، والنَّسائي، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال أحمد: صالحُ الحديث، وكان رأساً في التَّشيع. وقال أيضاً: ثِقَةٌ، وفيه شيءٌ. وقال أبو حاتم: صالحُ الحديثِ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وحاصله: ما قاله ابن حجر: "ثِقَةٌ رُمِى بالتَّشيُّع". (¬١) ٦) أبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود: "ثِقَةٌ، لم يَصِح سماعه مِنْ أبيه"، تَقَدَّم في الحديث (٢٨). ٧) عبد الله بن مسعودٍ ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٨). ثانياً: - الوجه الثاني: الثوري، عن عليٍّ، عن أبي عُبيدة، عن مَسْروقٍ، عن ابن مَسْعود ﵁. أ تخريج الوجه الثاني: ولم أقف على أحدٍ رواه عن الثوري بهذا الوجه إلا مُؤَمَّل بن إسماعيل: • أخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٢٣٠٨)، قال: حدَّثنا عَلي بن سَهْل الرَّمْلي، حدثنا المُؤَمَّل بن إسماعيل، حدثنا سُفْيَان، حدَّثنا عَلِيّ بن بَذِيْمَة، بنحوه. قال الدَّارقطني: وَهِمَ مُؤَمَّل بن إسماعيل في ذكر مَسْرُوقٍ. (¬٢) ب دراسة إسناد الوجه الثاني: ١) عليُّ بن سَهْل الرَّمْلي: "ثقةٌ". (¬٣) ٢) مُؤَمَّل بن إسماعيل: "ضعيفٌ يُعتبر به إذا تُوبع"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١١١). ثالثاً: - الوجه الثالث: الثوري، عن علي بن بَذِيمَة، عن أبي عُبيدة، مُرْسلاً. أ تخريج الوجه الثالث: ورواه عن الثوري بهذا الوجه جماعة: • فأخرجه ابن ماجه في "سننه" (٤٠٠٦/ ١) ك/الفتن، ب/الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والترمذي في "سننه" (٣٠٤٨) ك/تفسير القرآن، ب/ (٦) مِن سورة المائدة، وابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٢٣٠٩)، ثلاثتهم قال: حدَّثنا بُنْدار محمد بن بَشَّار، عن عبد الرحمن بن مَهْدي. • وأخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٢٣١١)، مِنْ طريق وكيعٍ بن الجَرَّاح. • وأخرجه البيهقي في "الشعب" (٧٥٤٤)، بسند ضَعيف (¬٤) مِن طريق محمَّد بن يُوسُفَ الفِرْيَابيّ. ثلاثتهم (ابن مهدي، ووكيع، والفِرْيَابيّ) عن سُفْيَانُ، عن عَلِيِّ بن بَذِيمَةَ، به. وقال الترمذي: قال عبد الله بن بِهْرام: قال يزيد بن هارون: كان الثَّوْرِيُّ لا يقول فيه عن عَبْدِ اللَّهِ. ب دراسة إسناد الوجه الثالث (إسناد ابن ماجه): ١) مُحَمَّد بن بَشَّار، بُنْدَار: "ثِقَةٌ". (¬١) ٢) عبد الرحمن بن مَهْدي: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ حافظٌ، عارفٌ بالرجال والحديث". (¬٢) رابعاً: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِن خلال ما سبق يَتَبيَّن أنَّ الحديث مَدَاره على سُفيان الثوري، وقد اختلف عنه مِن ثلاثة أوجهٍ: الوجه الأول: الثوري، عن علي بن بَذِيمَة، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله بن مَسْعود. وهذا الوجه هو رواية الجماعة عنه، خاصةً وفيهم عبد الرَّزَّاق، وابن المبارك، وعُبيد الله الأشجعي، وغيرهم، وهؤلاء الثلاثة مِن أصحاب الثوري ومِنَ المُقَدَّمين فيه. (¬٣) بل وتُوبع سُفيان على رواية هذا الوجه، تابعه جماعة مِن الثِّقات كما سبق في التخريج. الوجه الثاني: الثوري، عن علي بن بَذِيمَة، عن أبي عُبيدة، عن مَسْروقٍ، عن ابن مَسْعود. بينما لم يَرْوه عن سُفْيان بهذا الوجه إلا مُؤَمَّل بن إسماعيل، وهو "ضَعيفٌ"، ولم يُتابع عليه، لذا وهَّمَه الدَّارقطني في هذا الحديث في موضعين مِن "العلل" كما سبق بيانه. الوجه الثالث: الثوري، عن علي بن بَذِيمَة، عن أبي عُبيدة، مُرْسلاً. ورواه عن الثوري بهذا الوجه إمامان جبلان في الثوري وهما عبد الرحمن بن مَهْدي، ووكيعٌ بن الجَرَّاح، ولم يخْتلف أحدٌ على أنَّهما مِن أثبت النَّاس في الثوري. (¬٤) وتابعهما محمد بن يوسف الفريابي عن سُفيان، إلا أنَّ الإسناد إليه فيه ضَعْفٌ. ولذلك رجَّح الإمام الدَّارقطني هذا الوجه في "العلل"، فقال: والمُرْسل أصحُّ مِن المُتَّصِل. (¬٥) وأمَّا ما نقله الإمام الترمذي عن يَزيد بن هارون، أنَّه قال: كان سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لا يقول فيه عن عَبْدِ اللَّهِ. فيُحْتمل أنْ يكون هذا باعتبار عِلْمه وما اطَّلع عليه، (¬٦) لذا أعقب الترمذي قوله بذكر الحديث عن الثوري بالوجهين الموصول، والمرسل، والله أعلم. قلتُ: فلعلَّ الحمل في هذا الحديث على الثوري، فنشط أحياناً فوصله، وقَصَّر مَرَّة فأرسله، وعليه فلا إشكال على رواية ابن مَهْدي، ووكيع، فهما قد رويا ما سَمِعَاه مِن الثوري، والله أعلم. وعليه؛ فيتبيَّن مِن خلال ما سبق أنَّ الحديث محفوظٌ بالوجهين الأول، والثالث؛ وأنَّ المُرْسل لا يُعِلُّ الموصول؛ للقرائن الآتية: ١) الأكثرية: فالحديث بالوجه الأول هو رواية الجماعة، بينما لم يروه بالوجه الثالث إلا عبد الرحمن بن مَهْدي، ووكيعٌ بن الجَرَّا ح، والفريابي. ٢) وجود متابعات للثوري بالوجه الأول: فقد تُوبع سُفيان على روايته بالوجه الأول، بينما لم يُتابع على روايته بالوجه الثالث، مِمَّا يُؤَكد أنَّ الحمل فيه على سُفْيان كما سبق، وأنَّه أوصله حيناً، وأرسله أُخرى. ٣) أنَّ الحديث محفوظٌ عن أبي عُبيدة عن عبد الله بن مَسْعودٍ ﵁، وعليه يَرْجع الحديث: قال أبو حاتم في "العلل" - بعد أن ساق الخلاف في هذا الحديث على أبي عُبيدة، وأنَّه يُروى عنه مرَّة عن أبي موسى، ومَرَّة عن أبيه، ومَرَّة مُرسلاً -: والحديثُ مَرجِعُهُ إلى أَبِي عُبَيدة، عن عبد الله، عن النبيِّ ﷺ. (¬١) وكذلك فعل الدَّارقطني، فبعد أنْ ساق الخلاف في هذا الحديث، على الثوري، وعلى أبي عُبيدة، قال: وَالصَّحِيحُ عَنِ العلاء بن المُسَيَّبِ، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي عُبَيدة، عن عَبْدِ اللَّهِ. وحديثُ عَلِيِّ بن بَذِيمَة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله. (¬٢) ٤) أمَّا الوجه الثاني فخطأه ظاهرٌ، لا يحتاج إلى بيان، والله أعلم. خامساً: - الحكم على الحديث: مِن خلال ما سبق يتضح أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ للانقطاع بين أبي عُبَيدة وابن مَسْعود، فلم يَصح له سماعٌ مِن أبيه، وإنْ أدركه، ومَدار الحديث ومرجعه عليه، كما سبق. قال المنذري: أبو عُبيدة لم يسمع مِن أبيه فهو مُنْقطعٌ. (¬٣) وبهذه العلة؛ أعلَّه غير واحدٍ مِن أهل العلم: كالشيخ/ مُقْبل بن هادي الوادعي، والألباني، والحويني (¬٤). وقال الألباني: فقول الترمذي عقب الحديث: "حديثٌ حسنٌ غريب"، مِمَّا يتعارض مع الانقطاع الذي اعترف به هو نفسه، وذلك من تساهله الذي عُرِفَ به. (¬٥) قلتُ: ولعلَّ الترمذي ﵁ حسَّنه بشواهده، فإن وقفنا عليها زال الإشكال، وإلا فيبقى الحديث على ضعفه. وعلى كل حال: فالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الصحيحة في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر كثيرة لا تخفى على أحد، والله أعلم. سادساً: - النَّظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِه عن سُفْيَانَ إلا عَبْدُ الكَبِيرِ الحَنَفِيُّ، وابن المُبَارَكِ، والأَشْجَعِيُّ. قلتُ - والله أعلم -: لم يُسَلَّم للمُصَنِّف ﵁ في ذلك، فلم يَنْفَرد به مَن ذكرهم فقطٌ عن سُفيان؛ بل رواه جماعة عن سُفيان غيرَهم، منهم: عبد الرَّزَّاق، وعلي بن قادم، وعبَّاد بن موسى، وشُعيب بن صَفْوان - كما سبق بيانه في التخريج -، والله أعلم. وبمثل ذلك تعقَّبه الشيخ/ أبو إسحاق الحويني في "تنبيه الهاجد". (¬١) سابعاً: - التعليق على الحديث: الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر أصل عظيمٌ مِن أصول هذا الدين، بل هو سبب خيرية هذه الأمة على غيرها مِن الأمم، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (¬٢). وبيَّن ربنا ﷻ في كتابه أنَّ الذين كفروا مِنْ بني إسرائيل لُعِنوا على لسان داود وعيسى بن مريم؛ وبيَّن أنَّ مِن أسباب هذا اللعن هو تركهم النَّهى عن المنكر، فقال ﷻ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ (¬٣)، قال القرطبي: في هذه الآية ذمٌ لتركهم النهي، وكذا مَنْ بَعْدَهم يُذَمُّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهم. ثُمَّ قال القرطبي: قال ابن عطية: والإجماع مُنْعَقِدٌ على أنَّ النَّهي عن المنكر فرضٌ لِمَن أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين، فإن خاف فيُنْكِر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه. وقال حُذَّاقُ أهل العلم: وليس من شرط الناهي أن يكون سليما عن معصية بل ينهى العصاة بعضهم بعضا. (¬٤) وفي المقابل أخبرنا ربنا ﷿ عن قوم مِن أهل الكتاب كانوا يُنكرون المنكر على مَنْ فعله، وأنَّ الله ﷿ نجَّاهم مِن العذاب الذي وقع على العُصاة، فقال ﷾: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ (¬٥)، فنص ربنا ﷾ على نجاة مَن يَنْهَون عن المُنْكر، وسكت على السَّاكتين، والسلف في هؤلاء على قولين: البعض على أنَّهم مِن الناجين، والبعض على أنَّهم مِن الهالكين، والأول أولى كما قال ابن كثير (¬١). وحذرنا ربنا ﷿ مِن مُخالطة العصاة والكافرين، فقال ﷾: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ (¬٢)، قال القرطبي: في هذه الآية دليلٌ على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم مُنْكَرٌ، لأنَّ مَن لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، قال الله ﷿: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، فكل من جلس في مجلس معصية ولم يُنكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن يُنكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية، وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بَيَّنا فَتَجَنُّبُ أهل البدع والأهواء أولى. وقوله ﷺ في الحديث: "فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ"، في رواية أبي داود بلفظ: "بِبَعْض"، قال العظيم آبادي في "عون المعبود": قال ابن الملك ﵀: البَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أي سَوَّدَ اللَّهُ قلب من لم يعص بِشُؤْمِ مَنْ عصى فَصَارَتْ قُلُوبُ جَمِيعِهِمْ قَاسِيَةً بَعِيدَةً عَنْ قَبُولِ الحَقِّ والخَيْرِ أو الرَّحْمَةِ بِسَبَبِ المَعَاصِي ومُخَالطة بعضهم بعضا. قال القاري: وقوله: "قلب مَنْ لم يَعْصِ" ليس على إطلاقه لأنَّ مُؤَاكَلَتَهُمْ وَمُشَارَبَتَهُمْ مِنْ غير إكراه وإلجاء بعد عَدَمِ انتهائِهِم عن مَعَاصِيهِم مَعْصِيَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ لأنَّ مُقْتَضَى البُغْضِ في اللَّهِ أنْ يَبْعُدُوا عنهم ويُهاجروهُمُ. قُلْتُ (العظيم آبادي): ما قال القاري حَقٌّ صُرَاحٌ. (¬٣) * * * [١٢٠/ ٥٢٠]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالَ: نا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ أَبُو بَدْرٍ، قَالَ: نا الرُّحَيْلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن الرُّحَيْلِ إلا شُجَاعُ بن الوليد. هذا الحديث مَدَاره على يَزيد الرَّقاشي، واختلف عنه مِن وجهين: الوجه الأول: يَزيد الرَّقَاشي، عن أنس بن مالك ﵁ (موصولاً). الوجه الثاني: يزيد الرَّقاشي، عن النَّبي ﷺ (مرسلاً). وتفصيل ذلك على النحو التالي: أولاً: - الوجه الأول: يَزيد الرَّقَاشي، عن أنس بن مالك ﵁، (موصولاً). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١/ ٣٣٢)، مِن طريق خَلادٌ الصَّفَّارُ؛ وابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (١٠٦) مِن طريق مُوسَى بن أبي عائشة (¬١)؛ وفي "المُصَنَّف" أيضاً برقم (١١٤ و ٣٦٤٦٦)، وأبو بكر ابن عبدويه في "الفوائد" (٨٤٨) - الشهير بالغيلانيات -، - ومن طريقه الخطيب البغدادي في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (٢/ ٤٥٣) - كلاهما (ابن أبي شيبة، وابن عبدويه) مِن طريق الهَيْثَمِ بن جَمَّاز؛ وابن ماجه في "سننه" (٤٣١) ك/الطهارة، ب/ما جاء في تخليل اللحية مِنْ طريق يحيى بن كَثِير أبي النَّضْرِ؛ وأحمد بن مَنيع - كما في "اتحاف الخيرة المهرة" (٥٦٧) -، وأبو الحسين ابن جُميع الصيداوي في "معجم شيوخه" (ص/٢٧٩) عن أبي غَسَّان مالك بن يحيى، كلاهما (ابن منيع، وأبو غَسَّان) عن أبي بَدْر شُجَاع بن الوليد عن الرُّحَيْل بن مُعَاوية؛ وابن حبَّان في "الثقات" (٨/ ٣٠٤) مِن طريق مُوسَى الجُهَنِيُّ. ستتهم (الصَفَّار، وابن أبي عائشة، والهيثم، والرُّحيل، وموسى) عن يزيد بن أبان الرَّقَاشي، عن أنس بن مالك ﵁ به، وبعضهم يزيد على بعض، فزاد ابن سعد: "بِهَذا أَمَرَنِي رَبِّي ﷿ "، وعند ابن ماجه: "وفَرَّج أصابعه مرَّتين"، وعند أحمد بن مَنيع وابن جُمَيع "ويُخَلل لحيته مَرَّتين، ورُبَّما فعله ثلاثاً أو أكثر مِنْ ذلك مَرَّتين"، وعند ابن حبَّان: "وخلل لحيته مَرَّتين"، بينما في رواية الهيثم بن جَمَّاز قال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ لِحْيَتَكَ". وقال ابن حبان: الحديثُ بَاطِلٌ، ويزيد الرَّقَّاشِيُّ قد تَبَرَّأنا مِن عُهْدَتِه. ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) أَحْمَد بن مَنِيْع بن عَبْد الرَّحْمَنِ البغويُّ، أَبُو جَعْفَر الأصم. روى عن: أبي بدر شجاع بن الوليد، وابن عُيَيْنَة، وابن عُلَيَّة، وآخرين. روى عنه: أبو حاتم، وأبو زرعة الرَّزيان، والجماعة سوى البخاري، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم: صدوقٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال النَّسائي، وصالح جزرة، ومسلمة بن قاسم، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال الدَّارقطني: لا بأس به. وقال ابن حجر: "ثِقَةٌ حافِظٌ". (¬١) ٣) شُجَاع بن الوَلِيد بن قَيْس السَّكُونيُّ، أبو بدر الكوفيُّ. روى عن: الرُّحَيْل بن معاوية، وأخيه زُهير، وسُليمان الأعمش، وآخرين. روى عنه: أحمد بن مَنِيْع، وزُهير بن حَرْب، وعلي بن المديني، وآخرون. حاله: قال ابن معين: ثِقَةٌ. وقال أحمد: صدوقٌ. وحدَّث عنه الإمام أحمد وهو حي - وهذا يعني أنَّه كان عنده ثِقَة -. وقال العِجْلي، والنَّسائي، وأبو زرعة: لا بأس به. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي: ثِقَةٌ مشهورٌ. وفي "الميزان": صدوقٌ مشهورٌ. وقال ابن حجر: صدوقٌ ورعٌ له أوهامٌ. وروى له الجماعة. - وقال أبو حاتم: لَيِّنُ الحديث، شيخٌ ليس بالمتين، لا يُحْتَج به، إلا أنَّ عنده عن محمد بن عمرو بن علقمة أحاديث صِحَاحاً، وقال: روى حديث قابوس في العرب وهو حديثٌ مُنْكرٌ. وأجاب عنه الذهبي في "السير"، فقال: قَدْ قَفَزَ القَنْطَرَةَ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَربَابُ الصِّحَاحِ. وقال ابن حجر في "هدي الساري": تكلم فيه أبو حاتم بِعَنَتٍ. والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، مشهورٌ". (¬٢) ٤) رُحَيْل بن مُعَاوية بن حُدَيْج بن الرُّحَيْل بن زُهَيْر بن خَيْثَمَة الجُعْفِيُّ الكوفيُّ. روى عن: يزيد الرَّقَاشيِّ، وأبي إسحاق السَّبيعي، وأبي الزُّبير المكي، وآخرين. روى عنه: شجاع بن الوليد، وأخوه زُهير، وزياد بن عَبد الله البَكَّائيُّ، وآخرون. حاله: قال ابن معين: ليس به بأسٌ ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال ابن حجر: صدوقٌ. والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ"، فلم أقف فيه على جرحٍ. (¬١) ٥) يزيد بن أبان الرَّقَاشيُّ، أبو عَمْرو البَصْرِيّ القاص، مِنْ زُهَّاد أهل البصرة. روى عن: أبيه أبان الرقاشي، وأنس بْن مالك، والحسن البَصْرِيّ، وآخرين. روى عنه: الرُّحيل بن معاوية، والحسن البَصْري، وحمَّاد بن سلمة، وآخرون. حاله: قال أحمد: مُنْكر الحديث، فوق أبان بن أبي عيَّاش. وقال ابن معين: ضَعيفٌ. وقال أيضاً: حديثه ليس بشيء. وقال أبو حاتم: كان واعظاً بَكَّاءً، كثير الرواية عن أنس بما فيه نظر، صاحب عبادة وفي حديثه ضَعْفٌ. وقال مسلمٌ، والنَّسائي، وأبو أحمد الحاكم: متروك الحديث. وقال ابن حبَّان: غَفَلَ عن صِناعَة الحَدِيث وحِفْظِها، واشتغل بِالعبَادَة وأسبابها، حَتَّى كان يَقْلِبُ كَلَام الحسن فَيَجْعَلهُ عن أنس عن النَّبِي ﷺ وهو لا يعلم، فَلَمَّا كثر في رِوَايَته مَا لَيْسَ من حَدِيث أنس وغيره من الثِّقَات بَطل الاحْتِجَاج به، فَلَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ إِلَّا على سَبِيل التَّعَجُّب. وقال الدَّارقطني، والبَرْقاني، والذهبي، وابن حجر: ضعيفٌ. وقال الذهبي في "السير": لا يَثْبت حديثه؛ لوهنه في ضبط الأحاديث. وقال في "الميزان": تالفٌ. وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير"، وفي "مختصر زوائد البزار": ضعيفٌ جداً، وقال في "المطالب العالية": سيء الحفظ جداً، كثير المناكير، لا يضبط الإسناد فيلزق بأنسٍ كل ما سَمِعَه مِن غيره. فالحاصل: أنَّه "متروك الحديث". (¬٢) ٦) أنس بن مالك: "صحابيٌّ جليلٌ مُكثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠). ثانياً: - الوجه الثاني: يزيد الرَّقاشي، عن النَّبيّ ﷺ (مرسلاً). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه الدَّارقطني في "سننه" (٥٥٨، ٥٥٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢٥٠) مِن طريقين عن الأوزاعيُّ (¬٣)، قال: حدَّثني عَبْدُ الواحد بن قَيْسٍ، عن قتادة، ويَزيد الرَّقاشيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ عَرَكَ عَارِضَيْهِ بَعْضَ الْعَرْكِ، وَشَبَّكَ لِحْيَتَهُ بِأَصَابِعِهِ. وقال الدَّارقطني: والمرسل هو الصواب.