(مُرْسلاً). - وأما مَدَاره الثاني فعلى الزهري، واختلف عنه مِن أوجه، كالآتي: الوجه الأول: الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ (مُرْسلاً). الوجه الثاني: الزُّهْرِيّ، عن عُرْوَة، عن عائشة ﵂. الوجه الثالث: الزُّهْرِيّ، عَن عبيد الله بن عبد الله، عَن أَبِي سعيد الخدري ﵁. وتفصيل ذلك كالآتي: - فمَدَاره الأول على سُفْيان بن عُيَيْنَة، واختُلف عنه مِن وجهين: أولاً: - الوجه الأول: ابن عُيَيْنَة، عن الزُّهْري، عن عُبَيْد اللَّهِ بن عَبْدِ اللَّهِ بن عُتْبَة، عن ابن عَبَّاس، عن النَّبِي ﷺ (موصولاً). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه أبو نُعيم الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" (٢/ ٣٤٨)، قال: حدَّثنا أبو بكر الطَّلحِيُّ (عبد الله بن يحيى بن معاوية)، ثنا أبو يَعْقُوب يُوسُف بن يحيى بن عَبْد اللَّه بن يَزِيد الشَّيْبانيُّ، ثنا أبو إسحاق عَبْد الوَهَّاب بن فُلَيْح المُقْرئ، ومُحمَّد بن مَيْمُون الخَيَّاط، قالا: ثنا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، به. ب مُتابعات للوجه الأول: • وأخرجه البزَّار - كما في "كشف الأستار" (٢٨٨٦) -، قال: حدَّثنا مُحمَّد بن المُثَنَّى، ثنا سعيد بن سُفْيَان، عن صَالِحِ بن أبي الأَخْضَر، عن الزُّهْريّ، به. وقال البزَّار في "مسنده" (١٤/ ٢١٧): وهذا الحديث رواه عَبد الرحمن بن إسحاق، وصالح بن أبي الأخضر، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عُبَيد الله، عن ابن عَبَّاس. قلتُ: وصالح بن أبي الأخضر: قال ابن حبَّان: يَرْوي عن الزُّهْرِيّ أشياء مَقْلُوبة. (¬١) وقال البخاري: ليس بشيء في الزهري. (¬٢) وقال ابن حجر: ضعيفٌ. (¬٣) وذكره ابن رجب في الطبقة الثالثة مِن أصحاب الزهري. (¬٤) وأمَّا عبد الرحمن بن إسحاق العامري: فَقَال البُخارِيُّ: ليس مِمَّن يُعْتَمد على حفظه، إذا خَالف من ليس بدونه، وإن كان ممن يحتمل في بعض. (¬٥) ت دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن زكريا، العَابِديُّ: "مجهول الحال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩٦). ٢) الزبيرُ بن بَكَّار بن عَبد الله بن مصعب بن ثابت بن عَبد الله بن الزبير بن العوام. روى عن: سفيان بن عُيَيْنَة، وإسماعيل بن أَبي أويس، وإبراهيم بن المنذر، وآخرين. روى عنه: أبو حاتم الرَّازي، وابن ماجه، وَأبو القَاسِم البغويُّ، وآخرون. حاله: قال البغوي: كان ثَبْتاً عالماً ثِقَةً. وقال الدارقطني: ثِقَةٌ. وقال الخطيب البغدادي: ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وقال الذهبي: ثِقَةٌ مِنْ أوعية العلم. وقال ابن حجر: ثِقَةُ، أخطأ السُّلَيْمَاني في تضعيفه. (¬٦) ٣) سُفْيَان بن عُيَيْنَة: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ حافظٌ إمامٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٨). ٤) محمد بن مُسْلم بن شهاب الزُّهْريُّ: "ثِقَةٌ حافظٌ مُتَّفَقٌ على جلالته وإتقانه وإمامته، يُرسل، ويُدلس؛ إلا أن مراسيله يُمكن قبولها والاحتجاج بها، وتدليسه مُحتمل ما لم يأت نافٍ لذلك"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠). ٥) عُبَيدُ الله بْن عُتْبَة بن مسعود الباهليُّ، أَبُو عَبْد اللَّهِ المَدَنِيّ. روى عن: عبد الله بن عبَّاس، وأبي هريرة، وعائشة ﵃، وآخرين. روى عنه: الزهريُّ، وصالح بن كيسان، وأَبُو الزناد عَبد اللَّهِ بن ذكوان، وآخرون. حاله: قال العِجْلي: ثِقَةٌ. وقال أبو زرعة: ثِقَةٌ مَأمُونٌ إمامٌ. وقال ابن حبَّان: مِنْ سَادَات التَّابِعين يُعد من الفُقهاء السَّبْعَة. وقال الذهبي: إمامٌ حجةٌ حافظٌ مجتهدٌ. وقال ابن حجر: ثقةٌ فقيهٌ ثبتٌ. وروى له الجماعة. (¬٧) ٦) عبد الله بن عبَّاس ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ مُكْثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥١). ثانياً: - الوجه الثاني: سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عن الزُّهْري، عن عُبَيْد اللَّهِ، عن النَّبِي ﷺ (مُرْسلاً). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (٢٦٢١٦)، وفي "الآداب" (١٥)، عن ابن عُيَيْنة، بنحوه. • وأخرجه سَعْدَان بن نصر أبو عثمان الثقفي البزاز في "جزء حديثه" (٢٨) - ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (٥٨١١)، والذهبي في "المعجم اللطيف" (¬١) (١٦) -، عن سُفيان بن عُيَيْنة، بنحو رواية الباب. • وأخرجه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٤/ ٤٧٨)، مِن طريق علي بن حرب، عن سُفيان، به. وقال الذهبي: هَذَا مُرْسَلٌ، قَوِيُّ الإِسْنَادِ، فِيْهِ الحَضُّ عَلَى غَسْلِ اليَدِ مِنَ الزَّفَرِ. وهذا الوجه ذكر البزار (¬٢)، والبيهقي (¬٣) تعليقاً. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد أبي بكر بن أبي شيبة): ١) أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة: "ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف" (¬٤). ٢) وبقية رجال إسناده: سبقت ترجمتهم في الوجه الأول. ثالثاً: - النظر في الخلاف على سُفْيَان بن عُيَيْنَة: مِمَّا سبق يتبيَّن أنَّ الحديث مَداره الأول على سُفيان بن عُيَيْنَة، واختُلف عنه مِنْ وجهين: الوجه الأول: سُفْيَان، عن الزُّهْري، عن عُبَيْد اللَّهِ، عن ابن عَبَّاس، عن النَّبِي ﷺ (موصولاً). ورواه عنه بهذا الوجه الزُّبير بن بَكَّار، وهو وإنْ كان "ثقةً" إلا أنَّ الإسناد إليه "ضعيفٌ"؛ لأجل أحمد بن زكريا العَابِديُّ: "مجهول الحال" - كما سبق -. ولم يَنْفَرِد به الزُّبير بن بكَّار، بل تابعه عبد الوهاب بن فُليح، ومحمد بن ميمون الخيَّاط، إلا أنَّ الإسناد إليهما "ضعيفٌ" أيضاً؛ لأجل يُوسُف بن يَحْيى بن عَبْد اللَّه بن يَزيد الشَّيْبانيُّ، لم أقف له على ترجمة إلا في "تاريخ أصبهان" (¬٥)، ولم يَذْكر فيه جرحاً، ولا تَعْديلاً، فهو "مجهول الحال". الوجه الثاني: سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عن الزُّهْري، عن عُبَيْد اللَّهِ، عن النَّبِي ﷺ (مُرْسلاً). بينما رواه بهذا الوجه ثلاثة مِن الثقات، وهم: أبو بكر بن أبي شيبة، وسَعْدان بن نصر، وعلي بن حرب، والأسانيد إليهم صحيحة. وعليه؛ فالذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني أقرب إلى الصواب؛ للقرائن الآتية: ١) الأحفظية: فرواة الوجه الثاني أحفظ مِن رواة الوجه الأول، كما هو مُفصَّل في تراجمهم. ٢) سلامة أسانيد الوجه الثاني وصحتها، بخلاف الوجه الأول فلم يَسْلم طريق منها مِن الضعف. ٣) وجود متابعات صحيحة الإسناد لسفيان بن عُيَيْنَة على الوجه الثاني - كما سيأتي بيانه عند بيان الخلاف على الزهري -، بخلاف الوجه الأول فمتابعاته لسُفيان لم تَسْلم مِن الضعف - كما سبق بيانه -. ٤) ترجيح الأئمة للوجه المُرْسل: كما سيأتي عند تحرير اخلاف في هذا الحديث على الزُّهريِّ. - وأما مَدَاره الثاني فعلى الزهري، واختلف عنه مِن أوجه: وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ (مُرْسلاً). أ تخريج الوجه الأول: • رواه سُفْيان بن عُيَيْنَة - مِن أصح الأوجه عنه -، كما سبق بيانه عند تحرير الخلاف على سُفْيان. • وأخرجه عبد الرَّزَّاق في "جامعه" (١٩٨٤٠ و ٢٠٩٣٩)، عن مَعْمَر - مِن أصح الأوجه عنه (¬١) -، عن الزهري، بسنده، وبنحو رواية الباب. • وأخرجه الدَّارقطني في "العلل" (١١/ ٦٦/مسألة ٢١٢٧) - مُعلقًا -، فقال: وَكَذَلِكَ قَالَ الزُّبَيْدِيُّ (محمد بن الوليد): عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا. قلتُ: ولم أقف على طريقه. قلتُ: والإسناد إلى ابن عُيَيْنة صحيحٌ، وقد سبق بيانه عند تحرير الخلاف عليه. وهؤلاء الثلاثة الثقات (سُفيان، ومَعْمر، والزُّبيدي)، قد نَصَّ العلماء على أنَّهم مِنْ أثبت أصحاب الزهري (¬٢). وقال ابن حجر في ترجمة محمد بن الوليد: ثقةٌ ثبتٌ، مِن كبار أصحاب الزهري. (¬٣) ثانيًا: - الوجه الثاني: الزُّهْرِيّ، عن عُرْوَة، عن عائشة رضى الله عنها. أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه النَّسائي في "الكبرى" (٦٨٨٠) ك/الْأَشْرِبَةِ المَحْظُورَةِ، ب/التَّشْدِيد فِيمَنْ بات وفي يده ريح الغَمَر، والطبراني في "الأوسط" (٥٤٤١)، وفي "الصغير" (٨١٦)، وابن عدي في "الكامل" - في ترجمة سُفْيَان بن حُسَيْن - (٤/ ٤٧٧)، ثلاثتهم مِن طرقٍ عن يُوسف بن واضح، عن عُمَرُ بن عليٍّ المُقَدَّمِيُّ، عن سُفْيَان بن حُسَيْن، عن الزهريّ، بنحوه. وقال الطبراني: لم يَرْوه عن الزُّهْريِّ إلَّا سُفْيَان بن حُسَيْن. (¬٤) وقال ابن عدي: وحديث الزُّهْريّ عن عروة عن عائشة يرويه سفيان بْن حسين، على أن عُمَر بن علي قد روى بعض الناس عنه عن سُفيان بن حُسين، عن الزُّهْريّ، عن سالم، عن أبيه، فلعَلَّ التخليط فيه من عُمَر بن علي لا من سُفيان بن حُسين، وقد قيل عن عُمَر بن علي عن هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه عن عائشة (¬١)، وهذا يدل على أن التخليط من عُمَر بن علي لا من سُفيان بن حُسين. ثُمَّ قال (ابن عدي): وهو - أي سُفْيان بن حُسين - في غير الزُّهْريّ صالح الحديث، كما قال ابن مَعِين، وفي الزُّهْريّ يروي عنه أشياء خالف فيها الناس من باب المتون ومن الأسانيد. (¬٢) والحديث بهذا الوجه ذكره البزَّار (¬٣)، والبيهقي (¬٤) تعليقاً، وقال البيهقي: ورواه سُفْيَان بن حُسَيْن، واختُلف عليه فقيل عنه: عن الزُّهْرِيِّ، عن عُروة، عن عَائِشة، وقيل عنه: عن الزُّهْريِّ، عن سَالِ م، عن أبيه، وليس بِشَيء. وقال الشيخ الألباني (¬٥) - بعدما ذكر الحديث مِن طريق سُفْيان بن حُسين -: وهذه مخالفة واهية لأمرين: أحدهما: أن سفيان بن حسين ضعفوه في روايته عن الزهري خاصة. والثانية: أن عمر بن علي المُقَدَّميّ كان يُدَلِّس تدليسًا غريبًا بحيث أنه لو صَرَّح بالتحديث شك في سماعه كما هو مبين في ترجمته من "التهذيب" (¬٦). قلتُ (الباحث): وذكر ابنُ رجب الحنبلي سُفيانَ بن حُسين في الطبقة الثالثة مِن أصحاب الزهري. (¬٧) وقال أيضاً: سُفْيان بن حُسين، وصالح بن أبي الأخضر، وسُليمان بن كثير مُتَقاربون في الزهري - يعني في الضعف -. (¬٨) وقال ابن حجر: "ثِقَةٌ في غير الزُّهْري باتفاقهم". (¬٩) • وأخرجه ابن عدي في "الكامل" - في ترجمة رِشْدين بن سعد - (٤/ ٧١)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/ ٥٥٩)، كلاهما مِن طريق رِشْدين بن سَعْد، عن عُقَيل بن خالد بن عَقيل الأيلي (¬١٠) - بإحدى الروايات عنه -، عن الزُّهْري، بنحو رواية الباب. وقال ابن عدي: وهذه الأحاديث التي رواها رِشْدين عن قُرْة وعُقَيل ويونس، عنِ الزُّهْريّ بأسانيدها وغير ما ذكرته أَيضًا مِمَّا يرويه عنه، عنِ الزُّهْريّ فكلها غير محفوظة. قلتُ: وعُقَيل وإن كان مِن الطبقة الأولى مِن أصحاب الزهري (¬١١)، لكنَّه أُوتى في هذه الرواية مِن الراوي عنه وهو رِشْدين بن سَعْد، قال ابن حجر: "ضعيفٌ"، رجَّح أبو حاتم عليه ابن لهيعة، وقال ابن يُونس: كان صالحاً في دينه فأدركته غَفْلَةُ الصالحين فَخَلَطَ في الحديث. (¬١) رابعاً: - الوجه الرابع: الزُّهْرِيّ، عَن عبيد الله بن عبد الله، عَن أَبِي سعيد الخدري ﵁. أ تخريج الوجه الرابع: • أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٥٤٣٥)، وأبو نُعيم في "الطب النبوي" (١٢٩ و ١٥٤)، والبيهقي في "الشعب" (٥٨١٢)، ثلاثتهم مِن طُرقٍ عن عَبْدِ اللهِ بن صَالِحٍ، عن نَافِع بن يَزِيد، عن عُقَيل بن خالدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ رِيحُ غَمَرٍ، فَأَصَابَهُ وَضَحٌ، فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ»، واللفظ للطبراني، والباقون بنحو رواية الباب بدون لفظ الوَضَح. وقال المنذري: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن. (¬٢) وتبعه الهيثميُّ (¬٣)، والمناويُّ (¬٤). وقال الألباني: عبد الله بن صالح فيه ضعفٌ معروفٌ، فلا تُحْتمل مخالفته في الإسناد وفي المتن أيضا، فإنه ذكر فيه "الريح" و "الوَضَح"، وهو "البرص"، ومع ذلك قال المنذريُّ، وتبعه الهيثميُّ: رواه الطبراني بإسناد حسن! (¬٥) قلتُ: عبد الله بن صالح - كاتب الليث -: صدوقٌ كثير الغلط، ثَبْتٌ في كتابه، وكانت فيه غَفْلَةٌ. (¬٦) خامساً: - النظر في الخلاف في هذا الحديث على الزُّهريّ: مِمَّا سبق يَتَبيَّن أنَّ هذا الحديث مَداره على الزهري، وقد اختُلف عنه، مِن أوجه: الوجه الأول: الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ (مُرْسلاً). الوجه الثاني: الزُّهْرِيّ، عن عُرْوَة، عن عائشة ﵂. الوجه الثالث: الزُّهْرِيّ، عَن عبيد الله بن عبد الله، عَن أَبِي سعيد الخدري ﵁. والذي يَظْهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الأول هو الأقرب والأشبه للصواب؛ للقرائن الآتية: ١) الأكثرية، والأحفظية: فرواة الوجه الأول أكثر عددًا، وأعلى حفظًا وضبطًا مِن رواة الأوجه الأخرى، بل نص أهل العلم على أنَّهم مِنْ أَثْبت أصحاب الزهري المُقدَّمين فيه؛ وأمَّا عُقَيل بن خالد الراوي عن الزهري بالوجه الثاني والثالث، فهو وإن كان مِن الطبقة الأولى في الزهري لكنَّه أُوتي مِنْ الرواة عنه كما سبق بيانه. ٢) ترجيح الأئمة للوجه الثاني المُرْسل: فقال النَّسائي - عقب إخراجه للحديث مِن عِدَّة أوجه عن الزُّهْري -: الثَّلاثة الأحاديث كُلُّها خطأ، والصَّواب الزُّهْرِيُّ، عن عُبَيْد الله بن عَبْد الله، مُرْسَلٌ. (¬١) وقال الدَّارقطني: والمحفوظ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بن عَبْدِ اللَّهِ المُرْسَلُ. (¬٢) وذهب الشيخ الألباني إلى ترجيح الموصول عن ابن عبَّاس، فقال: الصحيح عنه - أي عن عُبَيد الله - عن ابن عباس لرواية الثقات الثلاثة - الزبير بن بكَّار، وعَبْد الوَهَّاب بن فُلَيْح، ومُحمَّد بن مَيْمُون - عنه. (¬٣) قلتُ: والظاهر مِن كلامه ﵀ يشير إلى أنَّ الضمير في قوله: "عنه" يعود على الزهري؛ والصواب أنَّ هؤلاء الثلاثة إنَّما رووا هذا الحديث عن سُفيان بن عُيَيْنة، عن الزهري، وليس عن الزهري مباشرة -. قلتُ: وما سبق بيانه وتفصيله كافٍ للجواب عن ذلك. الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني - بالوجه الموصول - "مُنْكرٌ"؛ لأجل أحمد بن زكريا العَابدي "مجهول الحال"، وقد خالف ما رواه عامة الثقات عن ابن عُيَيْنَة. وللحديث طريق آخر عن ابن عبَّاس، أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (١٢١٩)، والطبراني في "الأوسط" (٣٢٦٣)، عن محمَّد بن فُضَيْل، عن لَيْثٍ بن أبي سُليم، عن محمَّد بن عَمْرِو بن عطاء، عن ابن عبَّاس، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: «مَنْ نَامَ وَبِيَدِهِ غَمَرٌ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهُ، فَأَصَابَهُ شَيْءٌ، فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ». وقال الطبراني: لم يَرْو هذا الحديث عن محمَّد بن عَمْرو إلَّا لَيْث، تَفَرَّدَ به محمَّد بن فُضَيل. وقال ابن حجر: الليث بن أبي سُليم "صدوقٌ اختلط جداً، ولو يَتَميَّز حديثه فتُرِك. (¬٤) فلا يُحْتمل تَفَرُّده. ب الحكم على الحديث مِن وجهه الراجح (المُرْسل): ومِن خلال ما سبق يَتَبيَّن أنَّ الحديث مِن وجهه الراجح (بإسناد أبي بكر بن أبي شيبة، وغيره) "مُرْسلٌ، إسناده صحيحٌ". قال الذهبي - بعد تخريجه للحديث بإسناده مِن الوجه المُرْسَل -: هَذَا مُرْسَلٌ، قَوِيُّ الإِسْنَادِ، فِيْهِ الحَضُّ عَلَى غَسْلِ اليَدِ مِنَ الزَّفَرِ. (¬٥) وقال أيضاً: هذا حديث مُرْسلٌ نَظيفُ الإسناد. (¬٦) شواهد للحديث: وللحديث عِدَّة شواهد؛ مِن أمثلها (¬١): ما أخرجه أبو داود، وغيره بإسناد صحيحٍ، مِن طريق سُهَيْل بن أبي صَالِح (¬٢)، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَة ﵁، قال: قال رَسُول اللَّه ﷺ: «مَنْ نَامَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ، فلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ». (¬٣) وقال البغوي: هذا حديث حَسَنٌ. (¬٤) وقال ابن حجر: صحيحٌ على شرط مُسْلم. (¬٥) وقال المُناوي: إسناده صحيح. (¬٦) النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِه عن سُفْيَان، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ إلا الزُّبير بن بكَّار. قلتُ: ووافقه على ذلك المنذري، فقال: رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بأسانيد رجال أَحدهَا رجال الصَّحِيح إِلَّا الزبير بن بكار وَقد تَفَرَّد بِهِ كما قال الطَّبَرَانِيّ ولا يضر تَفَرُّدَه فَإِنَّهُ ثِقَةٌ إِمَامٌ. (¬٧) وتبعه على ذلك الهيثمي (¬٨). • وتعقبهم الشيخ الألباني، فقال بعدما ذكر كلام الطبراني: كذا قال! وطريقا أبي نعيم يبطلانه. ثُمَّ ذكر كلام المنذري والهيثمي، وقال: فقد عرفت أنه قد تُوبع من ابن فُليح، وابن ميمون، وهما ثقتان أيضا، فالإسناد صحيح غاية. (¬٩) قلتُ: بل الإسناد إليهما "ضعيفٌ" كما سبق - والله أعلم -. وتعقبهم كذلك الشيخ الحويني، فقال: لم يتفرَّد به الزبير، بل تابعه عبد الوهاب بن فُليح، ومحمد بن ميمون الخيَّاط، قالا: نا ابن عيينة مثله. (¬١٠) • قلتُ: والأمر كما قالا، وهو ظاهرٌ في التخريج، كما سبق، والله أعلم.