خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن عُمَرَ بن الخطَّاب إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به: إبراهيمُ بن الْمُنْذِرِ. أولاً: - تخريج الحديث: • لم أقف عليه عن عُمر بن الخطَّاب ﵁، إلا في رواية الباب. والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع البحرين" (٧٦٩)، بإسناد الطَّبراني، ومتنه، وقوله. وعزاه العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (١/ ٤٣٤)، والسيوطي - كما في "جامع الأحاديث" (١٢١٢٤) -، إلى الطبراني في "الأوسط"، مِنْ حديث عُمر بن الخطاب ﵁. وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٦٦٩): وَرُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة: وذكر منهم عمر بن الْخطاب، ولم يَعْزه. ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن زيد بن هارون بن سعيد، أبو جعفر، القَزَّاز المَكْيُّ. روى عن: إبراهيم بن المنذر الحِزَاميّ، وهُدْبَة بن عَبْد الوهاب المَرُّوزي. روى عنه: أبو القاسم الطبراني، وابن عدي، وعبد الرحمن بن أحمد المُؤَذِّن، وآخرون. حاله: أخرج له الحاكم في "المستدرك" حديثاً برقم (٢٩٣٧) (¬١)، وقال: صحيحُ الإسناد. وقال الذهبي: صحيحٌ. وقال الشيخ/ مصطفى السليماني في "إرشاد القاصي والدَّاني" (¬٢): "مقبولٌ"، والحاكم متساهلٌ. (¬٣) فالحاصل: أنَّه "يُحسَّن حديثُه، خاصة إذا تُوبع، ولم يُخالف"؛ فلم أقف فيه على جرحٍ. ٢) إبراهيم بن المُنْذِر الحِزَامِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٦). ٣) يحيى بن يزيد بن عَبد المَلِك بن المغيرة بن نوفل، القرشي الهاشمي النَّوْفَليُّ. روى عن: أبيه يزيد بن عبد الملك. روى عنه: إبراهيم بن المُنْذر، وأحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم، وآخرون. حاله: قال أبو زرعة: لا بأس به، إنَّما الشأن في أبيه. وقال أحمد: لا بأس به، ولم يكن عنده إلا حديث أبيه، ولو كان عنده غير حديث أبيه لتبيَّن أمره. - قال أبو حاتم: منكر الحديث لا أدرى منه أو من أبيه، لا ترى في حديثه حديثًا مستقيمًا. وقال ابن عدي - بعد أنْ ذكر جملة مِنْ حديثه -: له غير ما ذكرت، وهو ضعيفٌ، ووالده يزيد ضعيفٌ، والضعف على أحاديثه التي أَمْلَيْتُ، والذي لم أمله بَيِّنٌ وعامَّتُها غير مَحْفوظة. (¬١) فحاصله: أنَّه "ضعيفٌ". ٤) يزيد بن عَبد المَلِك بن المغيرة بن نوفل، أَبُو المغيرة، الهاشمي النَّوْفَلي. والد يحيى. روى عن: عبد الله بن نوفل، وسَعِيد المَقْبُريِّ، وسَهْل بن أبي صالح، وآخرين. روى عنه: ابنه يحيى، ومَعْن بن عيسى القَزَّاز، وعبد العزيز بن عَبد اللَّهِ الأُوَيْسي، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والدَّارقطني، وابن حجر: ضعيفٌ. وقال ابن معين أيضاً: ليس بشيء. وقال أحمد: عنده مناكير. وقال البخاريّ: أحاديثه شبه لا شيء، وَضَعَّفه جدًا. وقال أبو حاتم: ضعيفُ الحديثِ مُنْكَرُ الحديثِ جدًا. وقال أبو زرعة: مُنْكَرُ الحديثِ. وقال ابن حبَّان: كَانَ مِمَّن سَاءَ حفظه حَتَّى كَانَ يروي المقلوبات عَن الثِّقَات وَيَأْتِي بِالْمَنَاكِيرِ. وقال النَّسائي: مَتْروك الحديث. وقال ابن عدي: مضطرب الحديث، لا ينضبط ما يَرْويه، وله غير ما ذكرت، وليس بكثيرٍ، وعامَّتها غير مَحْفوظٍ. (¬٢) فالحاصل: أنَّه "ضعيفُ الحديثِ جداً". ٥) عَبد اللَّهِ بن نافع القرشي، العدوي، المدني، مولى عَبد اللَّهِ بن عُمَر ﵁. روى عن: عَبد اللَّهِ بن دينار، وأبيه نافع مولى ابن عُمَر، ومُحَمَّد بن المُنْكَدِر. روى عنه: يزيد بن عبد الملك، وأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ، وجرير بن عبد الحميد، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، وابن معين، والدَّارقطني، والذهبي، وابن حجر: ضعيفٌ. وقال ابن معين أيضاً، وابن عدي: يُكتب حديثه. وقال البخاري، وأبو حاتم، وابن حبَّان، والدَّارقطني، وأبو أحمد الحاكم: مُنكَرُ الحديثِ. وزاد أبو حاتم: أضعف ولد نافع. وزاد ابن حبَّان: كان ممن يُخْطئ ولا يَعْلم. وقال النَّسائي، والدَّارقطني: متروك الحديث. (¬٣) فالحاصل: أنَّه "ضعيفٌ". ٦) نافع مولى ابن عُمر: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقيهٌ، مَشْهور"، تَقدَّم في الحديث رقم (٢٩). ٧) عبد الله بن عُمر بن الخَطَّاب: "صحابيٌّ، جَليلٌ، مُكْثرٌ"، تَقدَّم في الحديث (٦). ثالثاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطَّبراني "ضعيفٌ جداً" مِن حديث عُمر بن الخطَّاب ﵁؛ لأجل يَزيد بن عبد الملك النَّوْفَلي "ضعيف الحديث جداً"، وقد انفرد به. وفي الإسناد أيضاً: ابنه يحيى ولا يُدْرى النكارة في حديثه منه أم مِنْ أبيه كما قال أبو حاتم؛ ولأنَّه ليس عنده إلا حديث أبيه، ولو كان عنده غير حديث أبيه لتبيَّن أمره كما قال الإمام أحمد؛ وعلى كل حال، فعامة أحاديثه غير محفوظة، كما قال ابن عدي. وفيه أيضاً: عبد الله بن نافع "ضعيفٌ"، وانفرد به، ولم يُتَابعه عليه أحد مِن أصحاب نافعٍ. قال الهيثمي: رَوَاهُ الطَّبرانيُّ في "الأوسط"، وفيه يَزِيدُ بن عَبْد الملك النَّوْفلِيُّ، ضَعَّفَهُ الجُمْهُورُ، وَوَثَّقَهُ ابن مَعِين في رِوَايَةٍ، وَضَعَّفَهُ في أخرى. (¬١) شواهد للحديث: وقد صَحَّ المتن عن جماعة مِن الصحابة، غير عُمر بن الخَطَّاب ﵁، مِنْ ذلك: ما أخرجه الإمام مسلمٌ في "صحيحه" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا». (¬٢) وقال الترمذي: وفي البَابِ عن جابر، وابن عَبَّاس، وأبي سَعِيدٍ، وأُبَيّ بن كَعْب، وعائشة، والعِرْبَاض بن سارية، وأنس ﵃. وحديث أبي هُرَيْرة حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (¬٣) رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف: لا يُرْوَى عن عُمَرَ بن الخطَّاب إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به: إبراهيمُ بن الْمُنْذِرِ. قلتُ: ومِنْ خلال ما سبق في التخريج يتضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. خامساً: - التعليق على الحديث: قال الإمام النَّووي: أمَّا صُفُوفُ الرِّجال: فهي على عُمُومها فخيرها أوَّلُها أبدًا وشرُّها آخِرُها أبدًا. أمَّا صُفُوف النِّساء: فالمُراد بالحديث صُفُوفُ النِّساء اللواتي يُصَلِّين مع الرِّجال، وأمَّا إذا صليْن مُتميِّزاتٍ لا مع الرِّجال فهنَّ كالرِّجال خَير صُفُوفهنَّ أوَّلها وشرُّها آخرُها. والمُرادُ بِشرِّ الصُّفوف في الرِّجال والنِّساء: أقلّها ثوابا وفضلًا، وأبعدها مِنْ مطلوب الشَّرْعِ، وخيرها بعكسه. وإنَّما فُضَّل آخر صُفُوف النِّساء الحاضرات مع الرِّجال: لِبُعْدِهِنَّ مِنْ مُخالطة الرِّجال ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماعِ كلامهم ونحو ذلك، وذمَّ أوَّلَ صُفُوفِهِنَّ لعكس ذلك. واعْلم أنَّ الصَّفَّ الأوَّل