أُمُّ سَلَمَةَ: مَاتَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «أَفَلا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا مَيْتَةٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يُحِلُّهَا دِبَاغُهَا، كَمَا يَحِلُّ خَلُّ الخَمْرِ». * لم يَرْو هذا الحديث عن يَحْيَى بن سَعِيد إلا فَرَجُ بن فَضَالَةَ. أولًا:- تخريج الحديث: • أخرجه الطبري في "تهذيب الآثار من مسند عبد الله بن عباس" (١٢٠٢)، والطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣٦٠/٨٤٧)، و"الأوسط" (٩٣٩٠)، والدارقطني في "السنن" (٤٧٠٧،١٢٥) - ومن طريقه ابن الجوزي في "التحقيق في مسائل الخلاف" (١٠٦) -، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٦/ ٩٤). كلهم من طرقٍ، عن محمد بن عيسى الطباع، عن فرج بن فَضَالة، بسنده، وبنحوه. وقال الطبراني: لم يَرْوه عن يَحْيَى بن سَعِيد إلا فَرَجُ بن فَضَالَةَ، ولا يُروى عن أمّ سلمة إلا بهذا الإسناد. وقال الدارقطني: تفَرَّد به فرج بن فضَالة، وهو ضعيفٌ. • وأبو يَعْلى في "مسنده" - كما في "الإتحاف" للبوصيري (٤٩١)، و"المطالب العالية" (٢٥) -، وابن عدي في "الكامل" (٧/ ١٤٢) - ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (١١٢٠٢) -، من طريق محمد بن بَكّار. _ والطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣٦٠/٨٤٧)، من طريق زكريا بن يحيى زَحْمَوَيه. كلاهما عن فرج بن فضالة، بنحوه. وزاد محمد بن بكار: قال فرج بن فضالة: يعني أَنَّ الخَمْر إذا تغيَّرَت فصارت خلًّا حَلّت. وقال ابن عدي: وهذا الحديث لا يَرْويه عن يحيى غير فرج، وله عن يحيى غيره مناكير. وقال البوصيري: وهذا إسنادٌ رجاله ثقات!! قلتُ: وسيأتي بيان ما فيه. • وأخرجه الطبري في "تهذيب الآثار" (١٢٠٣)، والطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣١٦/٧١٦)، مِنْ طريق عمرو بن الحارث، عن إسحاق بن أبي فروة، أنَّ مسلم بن سُلَيْم حَدّثه، عن أمِّ سلمة، أنَّ شاةً لهم ماتت فلم يُدْركوا ذكاتها حتى ماتت، فبَلَغَ ذلك رسول الله ﷺ، فقال: " لو اِنْتَفَعْتُم بإِهابِهَا؟ "، واللفظ للطبراني، وعند الطبري بنحوه، وكلاهما بدون قوْله: «يُحِلُّهَا دِبَاغُهَا، كَمَا يَحِلُّ خَلُّ الخَمْرِ». • وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣٢٩/٧٥٧)، من طريق شَرِيك بن عبد الله، عن أبي إسحاق السَّبِيعِي، عن سعيد بن وَهْب، أو عن أخيه، عن أمِّ سَلَمة، مُخْتصراً. ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) محمد بن عيسى بن نَجِيْح الطَّبَّاع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيْهٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨). ٣) فَرَجُ بن فَضَالة بن النُّعْمان بن نُعَيم، أبو فَضَالة الحِمْصي. روى عن: يحيى بن سعيد الأنصاري، ولقمان بن عامر، وهشام بن عُرْوة، وآخرين. روى عنه: محمد بن عيسى الطَبَّاع، ومحمد بن بكَّار، وشُعْبة بن الحَجَّاج، وغيرهم. حاله: قال الدارمي، عن ابن معين: ليس به بأسٌ. وقال المُفَضَّل بن غسَّان، عن ابن مَعين: صالحٌ. بينما قال أبو بكر بن أبي خَيْثَمة، عن ابن مَعِين: ضعيف الحديث. وقال ابن الجُنَيْد: قال رجلٌ ليحيى بن مَعين، وأنا أسمع: أيُّهما أعجب إليك؛ إسماعيل بن عيَّاش، أم فرج بن فَضَالة؟ قال: لا، بل إسماعيل، ثُم قال: فرج ضعيف الحديث، وإيش عند فرج! وقال الفلَّاس: كُنا عند يحيى بن مَعين يوْمًا، ومعنا مُعاذ، فقال مُعاذ: حدثنا فرج بن فَضَالة، قال عمرو: فرأيتُ يحيى كَلَّح وجهه. _ وقال أحمد: ثقةٌ، لا بأس به إذا حدَّث عن الشاميين، ويُحَدِّث عن الثقات أحاديث مناكير. _ وقال أبو حاتم: صدوقٌ، يُكتب حديثه، ولا يُحْتجّ به، حديثه عن يحيى فيه إنكار، وهو في غيره أحسن حالًا، وروايته عن ثابتٍ لا تَصحُّ. وقال ابن عدي: وهذه الأحاديث التي أمليْتُها له، عن لُقمان بن عامر، عن أبي أُمامة، غيرُ محفوظةٍ؛ وحديث يحيى بن سعيد، عن عَمْرة، لا يرْويها عن يحيى غيرُ فَرَج؛ وله عن يحيى غيرها مناكير، وله غير ما أمليْتُ أحاديث صالحةٍ، وهو مع ضعفه يُكْتب حديثه. _ وقال ابن المَديني: وسطٌ، وليس بالقوي. وقال: ضعيفٌ لا أُحدِّث عنه. وقال البخاري، ومسلمٌ: مُنْكر الحديث. وقال النَّسائي، وأبو أحمد الحاكم، والذهبي، وابن حجر: ضَعيفٌ. وقال العُقَيْليُّ: مُضْطَرِبُ الحديث. _ وقال ابن مهدي، والبخاري: حَدَّث عن يحيى أحاديث مقلوبة مُنكرة. وقال أحمد: حديثه عن يحيى مُضْطرب. وقال الدَّارقطني: يَرْوي عن يحيى أحاديث لا يُتابعُ عليها. والحاصل: أنَّه "ضَعيفٌ يُعتبر به، وحديثه عن يحيى بن سعيد مُنْكرٌ". (¬١) ٤) يحيى بن سعيد بن قيْس بن عمرو، أبو سعيد المَدَني، الأنصاري. روى عن: عَمْرة بنت عبد الرحمن، وأنس بن مالك، وهشام بن عُروة، وغيرهم. روى عنه: فرج بن فَضَالة، وشُعبة، ومالك، والناس. حاله: قال ابن عُيينة: كان يحيى بن سعيد، يجيئ بالحديث على وجهه. وقال أيّوب: ما خَلَّفْتُ بالمدينة أحدًا أفقه من يحيى بن سعيد. وقال الثوْري: كان مِن حُفَّاظ الناس، وكان أجَلُّ عند أهل الحديث من الزُّهري. وقال ابن المديني، والعِجلي، وهشام بن عُروة، وأحمد، وابن مَعين، وأبو حاتم، وأبو زُرْعة: ثِقَةٌ. وقال النسائي: ثِقَةٌ ثَبْتٌ مَأمُونٌ. وقال الذهبي: ثِقَةٌ حافظٌ فقيهٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ. وروى له الجماعة. (¬١) ٥) عَمْرةُ بنت عبد الرحمن بن سعد، الأنصارية، كانت في حِجْرِ عائشة، وأعلم الناس بحديثها. روت عن: عائشة، وأم سلمة، وأم هشام بنت حارثة - أختها لأمها -، ﵃ وغيرهن. روى عنها: يحيى بن سعيد، والزُّهري، وابنها أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن، وغيرهم. حالها: قال ابن معين: ثِقَةٌ حُجَّةٌ. وقال ابن المديني، والعجلي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكرها ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي: ثِقَةٌ حُجَّةٌ خَيِّرَةٌ، كثيرة العلم. وروى لها الجماعة. والحاصل: أنها "ثقةٌ، حجةٌ". (¬٢) ٦) أم سلمة هندٌ بنت أبي أُمية بن المغيرة المخزومية، زَوْج النبي ﷺ، بنت عم خالد بن الوليد. روت عن: النبي ﷺ، وأبي سلمة بن عبد الأسد ﵁، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ. روى عنها: عَمْرة بنت عبد الرحمن، ونافعٌ موْلاها، ونافعٌ موْلى ابن عُمر، وخلقٌ كثير. تزوجها النبي ﷺ حين حَلَّت في شوال سنة أربع، بعد أبي سلمة - أخو النبي ﷺ من الرضاعة -، وكانت من أجمل النساء، وأشرفهن نسبًا، ومن المهاجرات الأُول، وتُعَدُّ من فقهاء الصحابيات. (¬٣) ثالثًا:- الحكم على الحديث: _ من خلال ما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "مُنْكَرٌ"؛ لأجل فرج بن فَضَالة، روايته عن يحيى بن سعيد الأنصاري منكرة، وقد انفرد به، عنه. وانفراده عن مِثْل يحيى بن سعيد الأنصاري في جلالته، وكثرة أصحابه الحفاظ المُتْقنين لحديثه، كالسفيانين، والحمَّادين، وشعبة، ومالك، والليث، وخلقٌ سواهم، دون أنْ يُتابعه أحدٌ مِنْ هؤلاء، لا شك أنَّه يَدُل على شدة ضَعف ونكارة روايته التي انفرد بها. قال الطبراني: لم يَرْوه عن يَحْيَى بن سَعِيد إلا فَرَجُ بن فَضَالَةَ. وقال الدارقطني: تفَرَّد به فرج بن فضَالة، وهو ضعيفٌ. وقال ابن عدي: وهذا الحديث لا يَرْويه عن يحيى غير فرج، وله عن يحيى غيره مناكير. وقال البيهقي: وهذا الحديث مما تفَرَّد به الفرج بن فضالة، وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يُحَدِّث عنه، ويقول: حَدَّث عن يحيى بن سعيد أحاديث مُنْكرة، مقلوبة، وضَعَّفه سائر أهل العلم بالحديث. (¬٤) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط"، تَفَرَّد به فَرَجُ بن فَضَالة، وضَعَّفَه الجمهور. (¬١) وقال ابن حجر: في إسناده فَرَجُ بن فَضَالَةَ، وهو ضَعِيفٌ. (¬٢) _ وقوله في الحديث: «كَمَا يَحِلُّ خَلُّ الخَمْرِ»: فلم أقف - على حد بحثي - على ما يشهد لحل الخمر بتخليله من الأحاديث المقبولة، المرفوعة إلى النبي ﷺ (¬٣)، وغاية ما وَقَفْتُ عليه إنما هي آثار موْقوفة على بعض الصحابة الكرام (¬٤). إلا أنه قد ثبت في الصحيح ما يناقض ذلك ويخالفُهُ؛ فقد أخرج الإمام مسلم في "صحيحه" من حديث أنس بن مالك ﵁ أنّ النبي ﷺ سُئل عن الخمر تُتَخَذُ خلا، فقال: "لا". (¬٥) وأخرج الإمام أحمد في "مسنده"، من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، فَقَالَ: " أَهْرِقْهَا " قَالَ: أَفَلا نَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: " لا ". (¬٦) قلتُ: وقد حاول جماعةٌ من أهل العلم الجمع بين هذا الحديث الصحيح الوارد في النهي عن تخليل الخمر، وبين ما ورد في تخليل الخمر كحديث الباب، وما ورد عن بعض الصحابة في ذلك، إن ثبت صحتها؛ بأن المُراد بخل الخمر، التي تخللت بنفسها، لا باتخاذها. مُتابعاتٌ للحديث: وللحديث مُتابعاتٌ قاصرةٌ، عن أُمِّ سلمة ﵂، وبيانها كالآتي: • أخرج الطبري، والطبراني - كما سبق -، مِنْ طريق عمرو بن الحارث، عن إسحاق بن أبي فروة، عن مُسلم بن سُلَيم، عن أُمِّ سلمة. قلتُ: وهذه مُتابعةٌ لا يُفْرح بها، فلا يُعتبر بها؛ ففي سندها: إسحاق بن أبي فَرْوة، قال أبو حاتم، وأبو زُرْعة، والنسائي، وابن الجُنَيد، والدارقطني، وابن حجر: "متروك الحديث". (¬١) • وأخرج الطبراني في "الكبير" - كما سبق - من طريق شَرِيك بن عبد الله، عن أبي إسحاق السَّبِيعِي، عن سعيد بن وهبٍ، أو أخيه عن أُمّ سلمة. قلتُ: وهذه كسابقتها لا يُفرح بها؛ ففي سندها: شَرِيك بن عبد الله النخعي "ضَعيفٌ، يُعتبر به إذا تُوبع، فكيف إذا انفرد؟! (¬٢)، وقد انفرد بروايته عن أبي إسحاق السَّبيعيّ، فلم يُتابعه - على حد بحثي - أحدٌ مِنْ أصحابه كالثوْري، وشُعبة، وقتادة، وإسرائيل بن يونُس؛ ولا شك ّ أنّ تفَرُّده عن مثل أبي إسحاق، بروايةٍ، لم يأتِ بها أمثال هؤلاء، يدل دلالة واضحة على نكارة تلك الرواية، وكونها غير محفوظة عن أبي إسحاق. بالإضافة إلى أنّ شَريكًا قد شكّ في روايته فقال: عن سعيد بن وهبٍ، أو أخيه. قلتُ: ولا أدري مَنْ أخوه هذا، لم أعرفه، ولم أقف عليه - بعد طول بحثٍ -. وعليه؛ فالحديث غير محفوظٍ مِنْ حديث أُمِّ سلمة ﵂، لضعف جميع الطرقِ عنها، والله أعلم. شواهد الحديث: • أخرج البخاري، ومسلم في "صحيحيهما"، عن ابن عباسٍ ﵁ قال: تُصُدِّقَ على مَوْلاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «هَلا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟» فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا». واللفظ لمسلم. (¬٣) • وأخرج الإمام مسلمٌ في "صحيحه" من طريق عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباسٍ، أَنَّ مَيْمُونَةَ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ دَاجِنَةً كَانَتْ لِبَعْضِ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَمَاتَتْ. فَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ألا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ؟». (¬٤) • وأخرج البخاري في "صحيحه"، من طريق عِكْرمة، عن ابن عباسٍ، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: «مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ، فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا». (¬٥) • قال الإمام الترمذي في "سننه": وفي الباب عن سلمة بن المُحَبَّقِ، ومَيْمُونَة، وعائشة. وحديث ابن عبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقد رُوِيَ مِنْ غير وَجْهٍ عن ابن عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ نحو هذا، وَرُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ، عن مَيْمُونَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ، وَرُوِيَ عنه، عن سَوْدَةَ؛ وسمعتُ مُحَمَّدًا - يعني البخاري -: يُصَحِّحُ حديث ابن عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ، وحديث ابن عَبَّاسٍ عن مَيْمُونَةَ، وقال: أحتمل أن يكون رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عن مَيْمُونَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ، وَرَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ، ولم يَذْكُرْ فيه عن مَيْمُونَةَ. والعمل على هذا - أي على جواز تطهير جلود الميْتة بالدباغ - عند أكثر أهل العلم، وهو قول سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وابن المُبَارَكِ، والشَّافِعِيِّ، وأحمد، وإسحاق. (¬١) _ والحديثُ - في تطهير جلود الميْتة - عَدَّهُ الكِتَّانيُّ من المتواتر (¬٢)، وذكر أنه وَرَد من رواية أربعة عشر صحابيًا. وكذلك قال المناوي في "التيسير": متواتر (¬٣). وقال الطحاوي: وقد جاءت عن رسول اللهِ ﷺ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ صحيحة المجيء، مُفَسَّرَة المعنى، تُخْبِرُ عن طهارة ذلك يعني جلد الميتة بالدِّبَاغِ، ثم ساق بعضها بأسانيده، ثم قال: فقد جاءت هذه الآثَارُ مُتَوَاتِرَة في طُهُورِ جِلْدِ المَيْتَةِ بالدِّبَاغِ، وهي ظاهرةُ المعنى؛ فهي أولى مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بن عُكَيْمٍ الذي لم يَدُلَّنَا على خلاف ما جاءت به هذه الآثَارُ. (¬٤) والحكم عليه بالتواتر يحتاج إلى دراسةٍ وبحثٍ، فأغلب هذه الطرق ضعيفة، ولا يَسَعُ المجال لدراستها. (¬٥) رابعًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن يحيى بن سعيد، إلا فرج بن فضالة. • وبالنظر في طرق هذا الحديث بعد تخريجها يتضح صحة ما ذهب إليه المصنف ﵁، وأَنَّ هذا الحديث لم يَرْوه عن يحيى بن سعيد، إلا فرج بن فضالة؛ وقد وافقه على ذلك غير واحدٍ من أهل العلم، منهم: ابن عَدِي، والدارقطني، والبيهقي، ونَقَل كلامهم غير واحدٍ من الأئمة: كابن الجوزي في "التنقيح"، والزَّيْلعي في "نصب الراية"، وابن حجر في "التلخيص الحبير"، وغيرهم، مع عدم تعقبهم له في ذلك. • وأما قول المصنف ﵁ في "الأوْسط" عقب الحديث رقم (٩٣٩٠): ولا يُرْوَى عن أُمِّ سَلَمة إلا بهذا الإسناد؛ فغير مُسَلَّم له في ذلك، فقد رُوي عن أُم سَلَمة بغير هذا الإسناد - كما سبق في التخريج -. قلتُ: وهذه الطرق وإن كانت "مُنْكرة" - كما سبق بيانها -، فلا أستطيع هنا أن أعتذر عن المصنف ﵁، بكوْنه لم يعتبر بها لشدة ضعفها؛ لأن طريق الباب برواية فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد "مُنْكرة" أيضًا، فتساوت المُتابعات، فلا يُعْتدُّ بها جميعًا، ولعل هذا من السهو والنسيان، الذي كتبه الله ﷿ على عباده، بدليل أنّ المصنف ﵁ أخرج طرق أُم سَلَمة كلها في معجميْه "الأوسط، والكبير"، فَرَحِم الله ﷿ هذا الإمام رحمةً واسعة، وعَفَا عنّا وعنه، وأرضانا وأرضاه، وجعل الجنة مثوانا ومثواه، آمين. خامسًا:- التعليق على الحديث: اختلف العلماء في حكم طهارة جلود الميْتة، سَلَفًا وخلفًا؛ لتعارض الأدلة الواردة في ذلك، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى الترجيح بين هذه الأقوال، فرجحوا قوْل الجمهور، القائل: بجواز طهارة جلود الميْتة بالدباغ، وغيره، مستدلِّين على ذلك بالأحاديث الدَّالة على ذلك، وقد سبق ذكرها أثناء تخريج هذا الحديث، وهي بفضل الله مُخَرَّجة في "الصحيحين"، وذكرتُ كلام الترمذي، وأجابوا عن أدلة المانعين بضعفها، واضطرابها، مع معارضتها للأحاديث الصحيحة الواردة في جواز ذلك. وأحسنُ ما استدل به المانعون ما أخرجه الترمذي في "سننه" عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: "أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ". (¬١) وقال الترمذي: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَيُرْوَى عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ، عن أَشْيَاخٍ له هَذا الحَدِيثُ، وَلَيْسَ العَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ أَنَّهُ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرَيْنِ، وَسَمِعْتُ أحمد بن الحسن، يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلَى هذا الحَدِيث لِما ذُكِر فِيه: قَبْل وَفَاته بِشَهْرَيْن، وكان يَقول: كان هذا آخِرَ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ تَرَكَ أحمد بن حَنبل هذا الحَدِيث لَمَّا اضْطَرَبُوا في إِسْنَاده، حَيْثُ رَوَى بَعْضُهُمْ، فَقَال: عن عَبْدِ اللهِ بن عُكَيْمٍ، عن أَشْيَاخٍ مِنْ جُهَيْنَةَ. ا. هـ بينما حاول البعض الجمع بين هذه الأقوال، فقال الحازمي: فإذا تَعَذّر ذلك - أي الترجيح -، فالمصير إِلَى حديث ابن عَبَّاس أَوْلَى، لوجوه من الترجيحات، ويُحمل حَدِيث ابن عُكيم عَلى منع الِانْتِفَاع بِهِ قبل الدّباغ، وحينئذٍ يُسمَّى: إهابًا. وَبعد الدّباغ يُسمَّى جِلدا، وَلَا يُسمى إهابًا، وَهَذَا مَعْرُوف عِنْد أهل اللُّغَة ليَكُون جمعا بَين الْحُكمَيْنِ. وَهَذَا هُوَ الطَّرِيق فِي نفي التضاد عَن الْأَخْبَار. (¬٢) قال ابن المُلَقّن في "البدر المنير": مَا أَشد تَحْقِيقه. (¬٣) وقد ذهب إلى الجمْع غير واحدٍ من أهل العلم، منهم: البيهقي، وابن القيّم، وابن قُدامة، وابن قُتيبة، والصنعاني، والشوْكاني، والنووي، والحافظ ابن حجر، وغيْرهم. (¬٤)