كَانَ لا يُماري ولا يُداري، فمَنْ هَذَا الشَّريكُ؟ قَالَ أَبِي: رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِم، عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مَيْسَرَةَ، عَنْ مُجاهِد، عَن قيس بْن السَّائب؛ قَالَ: كنتُ شَرِيكًا للنبي ﷺ، وَرَوَاهُ سَيْفُ بْن أَبِي سُلَيمان، عَنْ مُجاهِد؛ قَالَ: كَانَ السَّائب بْن أَبِي السَّائب شَريكًا للنبي ﷺ، وَرَوَاهُ منصور بْن أَبِي الأسود، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ مُجاهِد، عَنْ عبد الله بْن السَّائب؛ قَالَ: كنتُ شَريكًا، قلتُ لأَبِي: فحديثُ الشَّرِكَة ما الصَّحيحُ منها؟ قال أبي: عبد الله بْن السَّائب لَيْسَ بالقديم، وَكَانَ على عهدِ النبيِّ ﷺ حَدَث، والشَّرِكَةُ بأبيه أشبَهُ، واللهُ أَعْلَمُ. (¬١) - وقال ابن حجر: أخرج البغويّ في ترجمته من طريق أبي عبيدة بن مَعْن، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن السائب، قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ بمكة لأبايعه، فقلت: أتعرفني؟ قال: «نعم، ألم تكن شريكاً لي مرّة … » الحديث. والمحفوظ أن هذا لأبيه السائب. (¬٢) - قلت: وقد ذكر جماعة من العلماء أنَّ السائب بْن أَبِي السائب ـــــ رَوِايَة الوجه الراجح ــــــ هو الذي كان شريكاً للنبي ﷺ. فقال البغوي، وابن منده، وابن الأثير، والمزي، والذهبي: كان شريك النبي ﷺ قبل المبعث فِي الجاهلية. وقال ابن شهاب: السائب بْن أَبِي السائب، هو الذي جاء فيه الحديث، عن رَسُول اللَّه ﷺ: " نعم الشريك، كان لا يشارى ولا يماري. قلت: وقد ذهب ابن عبد البر إلي أنَّ الحديث مضطرب وتبعه علي ذلك السهيلي، فقال ابن عبد البر: وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنّ الْحَدِيث فِيمَنْ كَانَ شَرِيكَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ هَؤُلَاءِ مُضْطَرِبٌ جِدّا، مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الشّرِكَةَ: لِلسّائِبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهَا لِأَبِي السّائِبِ أَبِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهَا لِقَيْسِ بن السّائب، ومنهم من يجعلها لعبد الله بن أبى السّائب، وهذ اضْطِرَابٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ وَلَا تَقُومُ بِهِ حُجّةٌ وَالسّائِب بْن أَبِي السّائِبِ مِنْ الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَمِمّنْ حَسُنَ إسْلَامُهُ. (¬٣) قلت: لكن إذا ثبت الترجيح انتفي الاضطراب. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت أبي يَقُول: قَالَ ابن مهْدي حَدِيث مُسلم عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة، عَن مُجَاهِد أثبت هَذِه الْأَحَادِيث. (¬٤) قلت: يقصد الوجه الثالث. قلت: لكن ما أثبتناه من ترجيح الوجه الثاني هو ما ذهب إليه أبو حاتم، وابن حجر، وما اقتضاه أيضاً سير البحث، والعلم عند الله تعالي. رابعاً: الحكم علي إسناد الحديث: الحديث بإسناد الطبراني ــــ الوجه الأول المرجوح ــــ "إسناده شاذ" وذلك لمخالفة الثقة لما رواه الأكثرية. وأما الحديث بالوجه ــــ الثاني ــــ الراجح "إسناده صحيح " وأخرجه الحاكم في المستدرك من الوجه الراجح وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. (¬١) خامساً: النظر في كلام المُصَنِف: قال الطبراني ﵀: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ إِلَّا سَعِيدٌ. قلت: والأمر في ذلك كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان. سادساً: شرح الغريب: قال القاسم بن سلام: قَوْله: لَا يدارئ وَلَا يُمَارِي فَإِن المدارأة هَهُنَا مَهْمُوز من دارأت وَهِي المشاغبة والمخالفة على صَاحبك. وَمِنْهَا قَول اللَّه ﷿ ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ (¬٢) يَعْنِي اخْتلَافهمْ فِي الْقَتِيل. (¬٣) وقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: تُدَارِي مَهْمُوزٌ مِنْ الْمُدَارَاةِ، وَهِيَ الْمُدَافَعَةُ. وَتُمَارِي غَيْرُ مَهْمُوزٍ مِنْ الْمُمَارَاةِ، وَهِيَ الْمُجَادَلَة. (¬٤) وقال الطبري: كُنْتَ لَا تُمَارِي وَلَا تُدَارِي. يَعْنِي بِقَوْلِهِ: لَا تُدَارِي: لَا تُخَالِفُ رَفِيقَكَ وَشَرِيكَكَ وَلَا تُنَازِعُهُ وَلَا تُشَارِهِ. (¬٥) وقال ابن الملقن: يدارئ مَهْمُوز وَمَعْنَاهُ: يشاغب وَيُخَالف صَاحبه، قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ. وَقَالَ الْمُحب فِي «أَحْكَامه»: الرِّوَايَة يُدَارِي بِغَيْر همزَة ليزواج يُمَارِي. وَعبارَة ابْن الْأَثِير: المماراة المجادلة والملاحاة. قَالَ: وَوَقع فِي رِوَايَة «كنت لَا تشاري». وَقَالَ: وَهِي الملاحاة. قَالَ: والمداراة المدافعة. (¬٦) سادساً: التعليق علي الحديث: قال ابن مفلح ﵀: الْمِرَاءُ فِي اللُّغَةِ الْجِدَالُ يُقَال: مَارَى يُمَارِي مُمَارَاةً وَمِرَاءً، أَيْ: جَادَلَ. وَتَفْسِيرُ الْمِرَاءِ فِي اللُّغَةِ اسْتِخْرَاجُ غَضَبِ الْمُجَادِلِ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَرَيْتُ الشَّاةَ إذَا اسْتَخْرَجْتُ لَبَنَهَا. وَتُدَارِينِي مِنْ الْمُدَارَاةِ بِلَا هَمْزٍ وَرُوِيَ بِالْهَمْزِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ. وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ: لَا تُمَارِيَنَّ حَكِيمًا، وَلَا تُجَادِلَنَّ لَجُوجًا، وَلَا تُعَاشِرَنَّ ظَلُومًا، وَلَا تُصَاحِبَنَّ مُتَّهَمًا. وَقَالَ أَيْضًا: يَا بُنَيَّ مَنْ قَصَّرَ فِي الْخُصُومَةِ خَصِمَ، وَمَنْ بَالَغَ فِيهَا أَثِمَ، فَقُلْ الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ فَلَا تُبَالِ مَنْ غَضِبَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كَفَى بِكَ ظَالِمًا أَنْ لَا تَزَالَ مُخَاصِمًا، وَكَفَى بِكَ آثِمًا أَنْ لَا تَزَالَ مُمَارِيًا. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: مَا مَارَيْتُ أَخِي أَبَدًا؛ لِأَنِّي إنْ مَارَيْتُهُ إمَّا أَنْ أَكْذِبَهُ، وَإِمَّا أَنْ أُغْضِبَهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: الْخُصُومَةُ تَمْحَقُ الدِّينَ وَتُثَبِّتُ الشَّحْنَاءَ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ. يُقَالُ: لَا تُمَارِ حَكِيمًا وَلَا سَفِيهًا، فَإِنَّ الْحَكِيمَ يَغْلِبُكَ، وَالسَّفِيهَ يُؤْذِيكَ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ: مَنْ لَاحَى الرِّجَالَ وَمَارَاهُمْ قَلَّتْ كَرَامَتُهُ، وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ عُرِفَ بِهِ. (¬١) [٢٢٢/ ٨٧٢]- وَعَنِ الْأَعْمَشِ، (¬١) عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ «يَنَامُ فِي سُجُودِهِ، فَلَا يُعْرَفُ نَوْمُهُ إِلَّا بِنَفْخِهِ، ثُمَّ يَقُومُ فِي صَلَاتِهِ». *لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْأَعْمَشِ إِلَّا مَنْصُورٌ. أولاً: تخريج الحديث: هذا الحديث مداره علي الْأَعْمَش، واختلف عنه من وجهين: الوجه الأول: الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيم، عَنْ عَلْقَمَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود. ورواه عَن الأعمش بهذا الوجه: مَنْصُور بْن أَبِي الْأَسْوَدِ، ومحمد بن ميمون المَرْوَزي أبو حمزة السكري. أما طريق مَنْصُور بْن أَبِي الْأَسْوَدِ: أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٨/ ٢٤٥ رقم ٨٥٣١)، وفي "الكبير" (١٠/ ٩٠ رقم ٩٩٩٥)، والضياء في "المنتقي من مسموعات مرو" (١/ ٣٨٥ رقم ٨٢٩)، وأبو زرعة الدمشقي في "الفوائد المعللة" (١/ ١٠٩ رقم ٥٦)، وأبو يعلي في "مسنده" (٩/ ٢٥٠ رقم ٥٣٧٠)، والشاشي في "مسنده" (١/ ٣٥٦ رقم ٣٤٢)، كلهم من طُرق عَن سَعِيد بْن سُلَيْمَان، عَن مَنْصُور بْن أَبِي الْأَسْوَد، عَن الْأَعْمَش به. وابن أبي شيبة في "مسنده" (١/ ٢٤٧ رقم ٣٦٩)، وفي "مصنفه" ك/ الطهارة ب/ مَنْ قَالَ لَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ سَاجِدًا أَوْ قَاعِدًا وُضُوءٌ (١/ ٢٤٤ رقم ١٤٢٤)، والبزار في "مسنده" (٤/ ٣٢٨ رقم ١٥٢٠)، وابن الأعرابي في "معجمه" (٣/ ٩٤٧ رقم ٢٠١٢)، والبغوي في "شرح السنة" ك/ الطهارة ب/ الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ (١/ ٣٣٨ رقم ١٦٤)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٤/ ١٧٧٤ رقم ٤٥٠٠)، من طُرق عَنْ مَنْصُور بْن أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنِ الْأَعْمَشِ به. وأما طريق أبو حمزة السكري: أخرجه الترمذي في "العلل الكبير" ك/ الطهارة ب/ في الوضوء من النوم (١/ ٤٥ رقم ٤٤). الوجه الثاني: الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيم، عَنِ الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَة. ورواه عَن الْأَعْمَش بهذا الوجه: وكيع بن الجراح، وشريك النخعي. أما طريق وكيع: أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" ك/ الطهارة ب/ مَنْ قَالَ لَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ سَاجِدًا أَوْ قَاعِدًا وُضُوءٌ (١/ ٢٤٣ رقم ١٤١٩)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (٣/ ٨٣٧ رقم ١٤٩٠)، وأحمد في "مسنده" (٤١/ ٤٨٦ رقم ٢٥٠٣٦)، وابن شاهين في "ناسخ الحديث ومنسوخه" (١/ ١٨٩ رقم ١٩٦)، وابن ماجة في "سننه" ك/ الطهارة ب/ الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ (١/ ١٦٠ رقم ٤٧٤). وأما طريق شريك: أخرجه ابن شاهين في "ناسخ الحديث ومنسوخه" (١/ ١٨٩ رقم ١٩٧). ثانياً: دراسة الإسناد: أولاً: دراسة إسناد الوجه الأول: إسناد الطبراني ــــ رواية الباب ــــ. ١) أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١١٦). ٢) سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٦). ٣) مَنْصُورُ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ الليثي الْكُوفِيُّ: "صدوق" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٣٣). ٤) الأعْمَشُ: "ثقة ثبت يدلس لكن احتمل الأئمة تدليسه" سبقت ترجمته في حديث رقم (٣٧). ٥) إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيد النَّخَعِيُّ: "ثقة وُصف بالتدليس والإرسال وقبل الأئمة منه ذلك" تقدم في حديث (٤٤). ٦) عَلْقَمَةُ بنُ قَيْسِ النَّخَعِيُّ: "ثقة ثبت" سبقت ترجمته في حديث رقم (٤٤). ٧) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٣٣). ثانياً: دراسة إسناد الوجه الأول: "إسناد ابن أبي شيبة في مصنفه". ١) وَكِيعٌ بن الجراح: قال ابن حجر: ثقة حافظ. (¬١) ٢) الأعْمَشُ: "ثقة ثبت يدلس لكن احتمل الأئمة تدليسه" سبقت ترجمته في حديث رقم (٣٧). ٣) إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيد النَّخَعِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (٤٤). ٤) الْأَسْوَد بن يزيد بن قيس النخعي: قال ابن حجر: مخضرم ثقة مكثر فقيه. (¬٢) ٥) عَائِشَة بِنْت أبِي بَكْر الصِدِيْق: "زوج النبي ﷺ " سبقت ترجمتها في حديث رقم (١٥). ثالثاً: النظر في الخلاف والترجيح: يتبين لنا مما سبق أن هذا الحديث مداره علي الْأَعْمَش، واختلف عنه من وجهين: الوجه الأول: الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيم، عَنْ عَلْقَمَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود. ورواه عَن الأعمش بهذا الوجه: مَنْصُور بْن أَبِي الْأَسْوَدِ، وهو: صدوق. وأبو حمزة السكري: قال ابن حجر: ثقة فاضل. (¬٣) وزاد الدارقطني: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ التميمي: قال ابن حجر: صدوق يخطئ. (¬٤) الوجه الثاني: الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَة. ورواه عَن الأعمش بهذا الوجه: وَكِيع بن الجراح، وهو: ثقة حافظ، وشَرِيك النخعي: صدوق يخطئ كثيراً. قلت: والإسناد إلي شريك ضعيف. (¬٥) وعلي فالذي يظهر مما سبق أن الوجه الأول هو الوجه الراجح وذلك للقرائن الآتية: