عَلَى قَبْرٍ وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ نَسْخُهُ وَلَا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ فَمَنْ فَعَلَ فَغَيْرُ حَرِجٍ وَلَا مُعَنَّفٍ بَلْ هُوَ فِي حِلٍّ وَسَعَةٍ وَأَجْرٍ جَزِيلٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَّا أَنَّهُ مَا قَدُمَ عَهْدُهُ فَمَكْرُوهٌ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ صَلَّوْا عَلَى الْقَبْرِ إِلَّا بِحِدْثَانِ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ مَا رُوِيَ فِيهِ شَهْرٌ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى مَا قَدُمَ مِنَ الْقُبُورِ وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَحُجَّةٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِيمَنْ نُسِيَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى دُفِنَ أَوْ فِيمَنْ دَفَنَهُ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ دُونَ أَنْ يُغَسَّلَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ خُشِيَ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ نُبِشَ وَغُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ بِحِدْثَانِ ذَلِكَ. وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَنْ دُفِنَ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ مِنْ قَتِيلٍ أَوْ مَيِّتٍ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ. (¬٣) [١٥٣/ ٨٠٣]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: نا مَعْنُ بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ قَالَ: نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَ بِحَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ». *لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ إِلَّا مَعْنُ بْنُ عِيسَى. أولاً: تخريج الحديث: - أخرجه ابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" ب/ أَخْذِ الْمَالِ مِنْ حَقِّهِ (١/ ١٤ رقم ٣)، والنسائي في "السنن الكبرى" ك/ الرقائق (١٠/ ٣٩٤ رقم ١١٨٢١)، وأبو يعلي الموصلي في "معجمه" (١/ ١٠٤ رقم ٦٠)، وأبو الفضل الزهري في "حديثه" (١/ ٢١٥ رقم ١٧٣)، وابن المقرئ في "المنتخب من غرائب مالك" (١/ ٨٦ رقم ٣٠)، وأبو طاهر المخلص في "الجزء الثامن من المخلصيات" (٢/ ٢٩٣ رقم ١٨٣٠)، وأبو نعيم في "مستخرجه" ك/ الزكاة ب/ كراهية الحرص علي الدنيا (٣/ ١١٦ رقم ٢٣٤٥)، وابن حجر في "الأمالي المطلقة" (١/ ١٧٦)، كلهم من طُرق عَنْ مَعْن بْن عِيسَى، عَنْ مَالِك بْن أَنَس، عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم به بنحوه. - والبخاري في "صحيحه" ك/ الرقاق ب/ مَا يُحْذَرُ مِنْ زَهَرَةِ الدُّنْيَا وَالتَّنَافُسِ فِيهَا (٨/ ٩١ رقم ٦٤٢٧)، وأبو نعيم في "مستخرجه" ك/ الزكاة ب/ كراهية الحرص علي الدنيا (٣/ ١١٦ رقم ٢٣٤٥)، والبيهقي في "الآداب" ب/ لَا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ ﷿ فَأَخَذَهُ مِنْ حَقٍّ وَوَضَعَهُ فِي حَقٍّ (١/ ٣٢٠ رقم ٩٦٧)، وفي "الأربعون الصغرى" ب/ فِيمَنْ تَوَسَّعَ فِي اكْتِسَابِ الْمَالِ الْحَلَالِ فَوْقَ الْكِفَايَةِ إِنِ اسْتَفَادَهُ مِنْ وَجْهٍ حَلَالٍ، وَأَخْرَجَ مِنْهُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، وَاسْتَغْنَى هُوَ وَعِيَالُهُ بِبَاقِيهِ (١/ ١٨٥ رقم ٦٠)، وفي "شعب الإيمان" ب/ التَّوَكُّلِ بِاللهِ ﷿ وَالتَّسْلِيمِ لَأَمْرِهِ تَعَالَى فِي كُلِّ شَيْءٍ (٢/ ٩١ رقم ١٢٤٩)، وفي ب/ الزهد وقصر الأمل (٧/ ٢٧٤ رقم ١٠٢٨٩)، والبغوي في "شرح السنة" ك/ الرقاق ب/ مَا يُتَّقَى مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ لِقَوْلِ اللَّهِ ﷾: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (¬١) (١٤/ ٢٥٣ رقم ٤٠٥١)، عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس. - ومسلم في "صحيحه" ك/ الزكاة ب/ تَخَوُّفِ مَا يَخْرُجُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا (٢/ ٧٢٨ رقم ١٠٥٢)، وأبو نعيم في "مستخرجه" ك/ الزكاة ب/ كراهية الحرص علي الدنيا (٣/ ١١٦ رقم ٢٣٤٥) عَنْ عَبْد اللهِ بْنُ وَهْب. - والطبراني في "المعجم الأوسط" (٩/ ١٥ رقم ٨٩٩٠)، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُف. - وأبو نعيم في "مستخرجه علي صحيح مسلم" ك/ الزكاة ب/ كراهية الحرص علي الدنيا (٣/ ١١٦ رقم ٢٣٤٥)، عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم. كلهم: إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس، وعَبْد اللهِ بْن وَهْب، وعَبْد اللَّه بْن يُوسُف، والْوَلِيد بْن مُسْلِم، عَنْ مَالِك بْن أَنَس، عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم، عَنْ عَطَاء بْن يَسَار به مطولاً. - والبخاري في "صحيحه" ك/ الزكاة ب/ الصَّدَقَةِ عَلَى اليَتَامَى (٢/ ١٢١ رقم ١٤٦٥)، وفي ك/ الجهاد ب/ فَضْلِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٤/ ٢٦ رقم ٢٨٤٢)، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (٣/ ٦٣٤ رقم ٢٢٩٤) وأحمد في "مسنده" (١٧/ ٢٤٨ رقم ١١١٥٧)، (١٨/ ٣٧١ رقم ١١٨٦٥) والنسائي في "السنن الكبرى" ك/ الزكاة ب/ الصَّدَقَةُ عَلَى الْيَتِيمِ (٣/ ٧٢ رقم ٢٣٧٣)، وفي "السنن الصغرى" ك/ الزكاة ب/ الصَّدَقَةُ عَلَى الْيَتِيمِ (٥/ ٩٠ رقم ٢٥٨١)، وأبو يعلي الموصلي في "مسنده" (٢/ ٤٣٦ رقم ١٢٤٢)، وابن حبان في "صحيحه" (الإحسان ك/ الزكاة ب/ ذِكْرُ تَخَوُّفِ الْمُصْطَفَى ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ زِينَةَ الدُّنْيَا وَزَهْرَتَهَا (٨/ ١٩ رقم ٣٢٢٥)، وأبو نعيم في "مستخرجه" في " ك/ الزكاة ب/ كراهية الحرص علي الدنيا (٣/ ١١٦ رقم ٢٣٤٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ك/ الجمعة ب/ يُحَوِّلُ النَّاسُ وُجُوهَهُمْ إِلَى الْإِمَامِ وَيَسْمَعُونَ الذِّكْرَ (٣/ ٢٨١ رقم ٥٧١٠)، وفي "شعب الإيمان" ب/ الزهد وقصر الأمل (٧/ ٢٧٤ رقم ١٠٢٨٩)، كلهم من طُرق عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَة، عَنْ عَطَاء بْن يَسَار به مطولاً. ثانياً: دراسة الإسناد: ١) أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١١٦). ٢) سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٦). ٣) مَعْنُ بنُ عِيْسَى القَزَّازُ (¬١) بنِ يَحْيَى بنِ دِيْنَارٍ الأشجعي (¬٢) أَبُو يَحْيَى المَدَنِيُّ. روي عَنْ: مَالِك بن أَنَس، وإِبْرَاهِيم بْن سعد، وإبراهيم بْن طهمان، وغيرهم. روي عَنْه: سَعِيد بْن سُلَيْمَانَ الضَّبِّي، وعلي بْن المديني، ويحيى بْن مَعِين، وغيرهم. أقوال أهل العلم فيه: قَال ابْن سعد، وابن معين، وابن حجر: ثقة، وزاد ابن سعد: ثبت مأمون، وزاد ابن حجر: ثبت، أحد أئمة الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الخليلي: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مُخَرَّجٌ، رَضِيَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَتَه. وقَال أَبُو حاتم: أثبت أصحاب مالك وأوثقهم معن. وقال الذهبي: لزِم مالكًا زمانًا، وكان مِن خيار أصحابه ومتقنيهم. وقال معن عن نفسه: كل شيء من الحديث فِي الموطأ سمعته من مالك إلا ما استثنيت أني عرضته عليه، وكل شيء من غير الحديث عرضته على مالك إلا ما استثنيت أني سألته عنه. روى له الجماعة. قال ابْن مَعِين: لَمْ يَسْمَعْ مَعْن بْن عِيسَى من عبيد الله بْنِ عُمَرَ وَلَا رَآهُ وَلَا أَدْرَكَه. وحاصله أنه "ثقة ثبت من أثبت أصحاب مالك" ويرسل عَنْ عبيد الله بْنِ عُمَرَ. (¬٣) ٤) مَالِكُ بنُ أَنَسِ: "رأس المُتْقِنِينَ، وكَبِيرُ المُتَثَبِتِيْن" سبقت ترجمته في حديث رقم (١١٣). ٥) … زَيْدُ بْنُ أَسْلَم القرشي: "ثقة يُرسل" سبقت ترجمته في حديث رقم (٦٤). ٦) … عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ الهلالي: "ثقة يرسل" سبقت ترجمته في حديث رقم (٦٤). ٧) … أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِي: "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٦٩). ثالثاً: الحكم علي إسناد الحديث: الحديث بإسناد الطبراني "إسناده صحيح". قال ابن حجر: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبَ عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى فَوَقَعَ لَنَا بَدَلًا عَالِيًا بِالنِّسْبَةِ لاتصال السماع. (¬١) قلت: والحديث في الصحيحين مُطولاً كما سبق بيان ذلك في التخريج. رابعاً: النظر في كلام المُصَنِف: قال الطبراني ﵀: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ إِلَّا مَعْن بْن عِيسَى. قلت: والأمر كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان فلم يروه عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ إِلَّا مَعْن بْن عِيسَى لكن من حيث الرواية المختصرة كرواية حديث الباب. وأما بالراوية المطولة فقد رواه عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَس: إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، وعَبْد اللهِ بْن وَهْب، وعَبْد اللَّه بْن يُوسُفَ، والْوَلِيد بْن مُسْلِمٍ. كما سبق بيان ذلك في التخريج. قال ابن حجر: أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْغَرَائِبِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْمَوْطِأ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ: هَكَذَا رَوَاهُ مَعْنٌ مُخْتَصَراً وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ مُطَوْلًا أَبُو قُرَّةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أبي أويس، وإِسْحَاق بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرَوِيُّ. وَرَوَى بَعْضَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا. قُلْتُ: رِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ فِي الْبُخَارِيِّ وَرِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ فِي مُسلم وَالله أعلم. (¬٢) خامساً: التعليق علي الحديث: قال ابن حجر ﵀: قَوْلِهِ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ كَضَرْبِ الْمَثَلِ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ صُورَةَ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ مُونِقَةٌ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كل شَيْء مشرق ناضر أخضر. وَقَالَ ابن الْأَنْبَارِيِّ قَوْلُهُ الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ لَيْسَ هُوَ صِفَةَ الْمَالِ وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّشْبِيهِ كَأَنَّهُ قَالَ الْمَالُ كَالْبَقْلَةِ الْخَضْرَاءِ الْحُلْوَةِ أَوِ التَّاءِ فِي قَوْلِهِ خَضِرَةٌ وَحُلْوَةٌ بِاعْتِبَارِ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْمَالُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا أَوْ عَلَى مَعْنَى فَائِدَةِ الْمَالِ أَيْ أَنَّ الْحَيَاةَ بِهِ أَوِ الْعِيشَةَ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَالِ هُنَا الدُّنْيَا لِأَنَّهُ مِنْ زِينَتِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (¬٣) وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: مَثَلُ الْمَالِ مَثَلُ الْحَيَّةِ الَّتِي فِيهَا تِرْيَاقٌ نَافِعٌ وَسُمٌّ نَاقِعٌ فَإِنْ أَصَابَهَا الْعَارِفُ الَّذِي يَحْتَرِزُ عَنْ شَرِّهَا وَيَعْرِفُ اسْتِخْرَاجَ تِرْيَاقِهَا كَانَ نِعْمَةً وَإِنْ أَصَابَهَا الْغَبِيُّ فَقَدْ لَقِيَ الْبَلَاءَ الْمُهْلِكَ. وَفِي الحديث: الحض على إِعْطَاء الْمِسْكِين واليتيم وابن السَّبِيلِ وَفِيهِ أَنَّ اكْتِسَابَ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ وَكَذَا إِمْسَاكُهُ عَنْ إِخْرَاجِ الْحَقِّ مِنْهُ سَبَبٌ لِمَحْقِهِ فَيَصِيرُ غَيْرَ مُبَارَكٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. (¬٤) (¬٥) [١٥٤/ ٨٠٤]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ، حَاضَتْ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ، «فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَنْفِرَ». *لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ قَتَادَةَ إِلَّا سَعِيدٌ، تَفَرَّدَ بِهِ: عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ. أولاً: تخريج الحديث: هذا الحديث مداره علي سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَة، واختلف عنه من وجهين: الوجه الأول: سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَس. أخرجه أبو يعلي في "مسنده" (٥/ ٤٠٧ رقم ٣٠٨٣)، (٥/ ٤٠٩ رقم ٣٠٨٤)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ك/ مناسك الحج ب/ الْمَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَمَا طَافَتْ لِلزِّيَارَةِ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ لِلصَّدْرِ (٢/ ٢٣٣ رقم ٤٠٥٤) وأبو طاهر المخَلِّص في "المخلصيات" (٢/ ٣٤٣ رقم ١٧٠٣) من طُرق عَنْ عَبَّاد بْن الْعَوَّام، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ به بنحوه. الوجه الثاني: سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَة، عن ابن عباس، وزيد بن ثابت. أ - تخريج الوجه الثاني: ورواه عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَة بهذا الوجه: عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وعَبْدَة بْن سُلَيْمَانَ، ورَوْح بْن عُبَادَة، ومُحَمَّد بْن جَعْفَرٍ غندر. أما طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي: أخرجه سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة في "كتاب المناسك" رواية عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي كما في "تغليق التعليق" لابن حجر (٣/ ١١١). وأما طريق عَبْدَة بْن سُلَيْمَان: أخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده" (٥/ ٧٩ رقم ٢١٨٧)، عَنْ عَبْدَة بْن سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ قَالَا: فِي الَّتِي تَحِيضُ بَعْدَ أَنْ قَضَتِ الْمَنَاسِكَ، قَالَ زَيْدٌ: لَا تَنْفِرُ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا قَضَتِ الْمَنَاسِكَ وَحَلَّتْ لِزَوْجِهَا نَفَرَتْ إِنْ شَاءَتْ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: إِنَّكَ إِذَا خَالَفْتَ زَيْدًا لَمْ نَرْضَ بِذَلِكَ، قَالَ: فَأَرْسِلُوا صَاحِبَتَكُمْ أُمَّ سُلَيْمٍ فَسَلُوهَا، فَسَأَلُوهَا، فَحَدَّثَتْهُمْ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ بَعْدَمَا طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَقَضَتِ الْمَنَاسِكَ حَاضَتْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ لَهَا: الْخَيْبَةُ لَكِ، حَبَسْتِينَا، فَذَكَرَتْ أَمَرَهَا لِرَسُولِ اللَّه ﷺ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْفِرَ، قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِ أُمِّ سُلَيْمٍ أَيْضاً. وأما طريق رَوْح بْن عُبَادَة: أخرجه أحمد في "مسنده" (٤٥/ ٤١٥ رقم ٢٧٤٢٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ك/ الحج ب/ تَرْكِ الْحَائِضِ الْوَدَاع (٥/ ٢٦٨ رقم ٩٧٦٤). وأما طريق مُحَمَّد بْن جَعْفَر: أخرجه أحمد في "مسنده" (٤٥/ ٤١٥ رقم ٢٧٤٢٧). ب - متابعات للوجه الثاني: أخرجه مُجَّاعَة بن الزُّبَيْرِ البَصْرِيُّ في "حديثه" (١/ ٥٢ رقم ٢٥). وأبو داود الطيالسي في "مسنده"، (٣/ ٢٢٤ رقم ١٧٥٦) وأحمد في "مسنده" (٤٥/ ٤١٨ رقم ٢٧٤٣٢)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ك/ مناسك الحج ب/ الْمَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَمَا طَافَتْ لِلزِّيَارَةِ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ لِلصَّدْرِ (٢/ ٢٣٣ رقم ٤٠٥٣)، وأبو بكر الإسماعيلي في "مستخرجه" كما في "تغليق التعليق" لابن حجر (٣/ ١١١)، عَنْ هِشَام الدستوائي. كلاهما: مُجَّاعَة بن الزُّبَيْرِ البَصْرِيُّ، وهِشَام الدستوائي، عَنْ قَتَادَة، عَنْ عِكْرِمَةَ به بنحوه. والبخاري في "صحيحه" ك/ الحج ب/ إِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ (٢/ ١٨٠ رقم ١٧٥٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١١/ ٣١٩ رقم ١١٨٦٧)، (٢٥/ ١٢٩ رقم ٣١٤)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ك/ الحج ب/ تَرْكِ الْحَائِضِ الْوَدَاعَ (٥/ ٢٦٧ رقم ٩٧٦١)، عَنْ أَيُّوبَ السختياني. والبيهقي في "السنن الكبرى" ك/ الحج ب/ تَرْكِ الْحَائِضِ الْوَدَاعَ (٥/ ٢٦٧ رقم ٩٧٦٣، ٩٧٦٢)، عَنْ خَالِد الْحَذَّاء. كلاهما: أَيُّوبَ، وخَالِد، عَنْ عِكْرِمَةَ به بنحوه. ومسلم في "صحيحه" ك/ الحج ب/ وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَسُقُوطِهِ عَنِ الْحَائِضِ (٢/ ٩٦٣ رقم ١٣٢٨)، والشافعي في "مسنده" ك/ الحج الباب السادس/ فيما يلزم الحاج بعد دخول مكة إلى فراغه من مناسكه (١/ ٣٦٥ رقم ٩٤٦)، وفي "الأم" ك/ الحج ب/ تَرْكِ الْحَائِضِ الْوَدَاعَ (٣/ ٤٦١ رقم ١١٩٤)، وأحمد في "مسنده" (٣/ ٤٤٨ رقم ١٩٩٠)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ك/ الحج ب/ تَرْكِ الْحَائِضِ الْوَدَاعَ (٥/ ٢٦٧ رقم ٩٧٥٩، ٩٧٦٠)، عَنْ الْحَسَن بْن مُسْلِم، عَنْ طَاوُس قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: تُفْتِي أَنْ تَصْدُرَ الْحَائِضُ، قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِمَّا لَا، فَسَلْ فُلَانَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ، هَلْ أَمَرَهَا بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: فَرَجَعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ: مَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ صَدَقْتَ. واللفظ لمسلم. ثانياً: دراسة الإسناد: أولاً: دراسة إسناد الوجه الأول: ــــ راوية الباب ــــ. ١) أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١١٦). ٢) سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٦). ٣) عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ الكِلابي: "ثقة إلا في روايته عن سَعِيد بْن أَبي عَرُوبَة ففيها ضعف" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٩). ٤) سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِهْرَانُ، أَبُو النَّضْرِ الْعَدَوِيُّ البَصْرِيُّ. روي عَنْ: قَتَادة بْن دِعَامة السَّدُوْسِي، ومحمد بْن سيرين، ويحيى بْن سَعِيد الأَنْصارِي، وغيرهم. روي عَنْه: عَبَّاد بْن الْعَوَّام، وسفيان الثوري، وشعبة بْن الحجاج، وغيرهم. أقوال أهل العلم فيه: قَال ابن سعد، والعجلي، وابْن مَعِين، وأبو زُرْعَة، ويحيى بن سعيد القطان، وابن المديني، والنَّسَائي، وابن عدي، والذهبي، وابن حجر: ثقة، وزاد أبو زُرْعَة: مأمون، وزاد الذهبي: إِمَام تغير حفظه بأخره فتساهل، وزاد ابن حجر: حافظ له تصانيف لكنه اختلط وكان من أثبت الناس في قتادة. وَقَال أَبو حاتم: ثقة قبل أن يختلط، وكان أعلم الناس بحديث قتادة. وذكره ابن حبان، وابن خلفون في الثقات. وقال في المشاهير: من فقهاء أهل البصرة ومتقنيهم في سماع المتأخرين عنه مناكير وأوهام كثيرة. وقال ابن المبارك: ما رأيت رجلاً أحفظ من سعيد. وقال عفان: أرواهم بالحديث على وجهه ابن أبي عروبة. وقال أحمد: لم يكن لسَعِيد بْن أَبي عَرُوبَة كتاب، إنما كان يحفظ ذلك كله. وَقَال أبو عوانة: ما كان عندنا فِي ذلك الزمان أحد أحفظ من سَعِيد بْن أَبي عَرُوبَة. وَقَال ابن مَعِين: أثبت الناس فِي قتادة: سَعِيد بْن أَبي عَرُوبَة، وهشام الدستوائي، وشعبة، فمن حدثك من هؤلاء الثلاثة بحديث عَنْ قتادة فلا تبالي أن لا تسمعه من غيره. وَقَال أبو داود الطيالسي: كان سَعِيد بْن أَبي عَرُوبَة أحفظ أصحاب قتادة. روى له الجماعة. وقد وُصف بالإرسال: في روايته عَنْ عُمَرو بن دينار، وهشام بْن عروة، وزيد بْن أسلم، وعُبَيد الله بْن عُمَر، والأَعْمَشِ، وغيرهم. قال البزار: يحدث عن جماعة لم يسمع منهم فإذا قال سمعت وحدثنا كان مأموناً. وقد وُصف بالاختلاط: قال ابن حبان: اخْتَلَط سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة وبقى خمس سِنِين فِي اخْتِلَاطه، وَأحب إِلَى أَن لَا يحْتَج بِهِ إِلَّا بِمَا روى عَنهُ القدماء قبل اخْتِلَاطه مثل ابن الْمُبَارك، وَيزِيد بن زُرَيْع وذويهما وَيعْتَبر بِرِوَايَة الْمُتَأَخِّرين عَنهُ دون الِاحْتِجَاج بهما. قلت: وممن سمع منه بعد الاختلاط: وكيع بن الجراح، والمعافى بن عمران، وغندر، ومحمد بن أبي عدي. قال ابن مهدي: سمع منه غندر في الاختلاط، وَقال مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمَّارٍ المَوْصِلِيِّ: لَيْسَتْ رِوَايَةُ وَكِيْع، وَالمُعَافَى بنِ عِمْرَانَ، عَنْ سَعِيْدٍ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا سَمِعَ مِنْهُ وَكِيْعٌ فِي الاخْتِلَاط. وقال العقيلي: سمع منه محمد بن أبي عدي بعدما اختلط. قلت: وَقَال أَبُو نعيم: كتبت عنه بعدما اختلط حديثين فَقُمْتُ، وَتَرَكْتُه. وقال ابن الكيال: قَالَ عَبْدَة بن سُلَيْمَان: إنه سَمِع مِنه فِي الاخْتِلَاطِ إلا أنه يريد بذلك بيان اختلاطه وأنه لم يحدث بما سمع منه في الاختلاط. وحاصله أنه "ثقة لكنه يرسل واختلط بآخرة فمن سمع منه قبل الاختلاط يقبل حديثه ومن سمع منه بعد الاختلاط فيرد حديثه". (¬١) ٥) قَتَادة بْن دِعَامة السَّدُوْسِيُّ: "ثقة ثبت لكنه يرسل ويدلس فلا يُقبل شيء من حديثه إلا إذا صرح فيه بالسماع" سبقت ترجمته في حديث رقم (٩٢). ٦) أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ بن النَّضر ﵁: "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٣). ثانياً: دراسة إسناد الوجه الثاني: "إسناد إسحاق بن راهويه في مسنده". ١) عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَان الكلابي، أبو محمد الكوفي: قال ابن حجر: ثقة ثبت. (¬٢) ٢) سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ: "ثقة لكنه يرسل واختلط بآخرة فما سمع منه قبل الاختلاط يقبل حديثه وما سمع منه بعد الاختلاط يرد حديثه" سبقت ترجمته في إسناد الوجه الأول. ٣) قَتَادة بْن دِعَامة السَّدُوْسِيُّ: "ثقة ثبت لكنه يرسل ويدلس فلا يُقبل شيء من حديثه إلا إذا صرح فيه بالسماع" سبقت ترجمته في حديث رقم (٩٢). ٤) … عِكْرِمَة مولي ابن عباس: قال ابن حجر: ثقة ثبت. (¬٣) ٥) عَبْد اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بن عم النَبِي: ﷺ "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٦٤). ٦) زَيْدُ بْنُ ثَابِت بن الضحاك الأنصاري النجاري: قال ابن حجر: "صحابي مشهور من كُتَّاب الوحي". (¬١) ثالثاً: النظر في الخلاف والترجيح: يتبين لنا مما سبق أنَّ هذا الحديث مداره علي سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَة، واختلف عنه من وجهين: الوجه الأول: سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَس. ولم يروه عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ بهذا الوجه إلا: عَبَّاد بْن الْعَوَّامِ. قلت: وعَبَّاد بْن الْعَوَّامِ ثقة إلا في روايته عن سَعِيد بْن أَبي عَرُوبَة ففيها ضعف. قال أحمد: عَبَّاد مضطرب الحديث في سعيد. الوجه الثاني: سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَة، عَنْ عِكْرِمَة. ورواه عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ بهذا الوجه: عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وعَبْدَة بْن سُلَيْمَان، ورَوْح بْن عُبَادَة، ومُحَمَّد بْن جَعْفَرٍ غندر. قلت: وقد تابع سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ علي هذا الوجه: مُجَّاعَة بن الزُّبَيْرِ البَصْرِيُّ، وهِشَام الدستوائي. كلاهما عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ به. وقد تابع قَتَادَةَ أيضاً علي هذا الوجه عَنْ عِكْرِمَة: أَيُّوب السّخْتِيَانِي، وخَالِد الحذاء. وأخرجه البخاري عَنْ أيوب كما سبق بيان ذلك في التخريج. وعلي هذا فالذي يظهر مما سبق أن الوجه الثاني هو الوجه الراجح وذلك للقرائن الآتية: