أن من فقد شيئاً من أولاده وصبر علي ذلك ابتغاء نيله أجر الصابرين واحتسب الأجر عند الله تعالي فإنهم سوف يكونوا حجاباً وستراً له من النار يوم القيامة. ولكن هل يكون هذا الأجر وهذا الثواب لمن مات له أولاد في الصغر أم في الصغر والكبر سواء؟ فذهب كثير من العلماء إلي أن ذلك خاص لمن مات له أولاد صغار وذلك لأن الشفقة عليهم والحب لهم والرحمة بهم أشد وأعظم من الشفقة بالكبير وذلك لأن الصغير لا يتصور منه عقوق لأبويه إذ أنه ليس بمخاطب وهذا بخلاف الكبير، ثم قالوا: وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة صغيراً كان أم كبيراً. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: بَلْ يَدْخُلُ الْكَبِيرُ فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْفَحْوَى لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الطِّفْلِ الَّذِي هُوَ كَلٌّ عَلَى أَبَوَيْهِ فَكَيْفَ لَا يَثْبُتُ فِي الْكَبِيرِ الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ وَوَصَلَ لَهُ مِنْهُ النَّفْعُ وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْخِطَابُ بِالْحُقُوقِ ..... قال ابن حجر: وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ لِلصِّغَارِ أَكْثَرُ لِعَدَمِ حُصُولِ الْإِثْمِ مِنْهُم. (¬٣) [٣٥/ ٦٨٥]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَ: نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى الْجُهَنِيُّ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ عَابِسٍ الْغِفَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، [يَقُولُ] (¬١): يَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِهِ سِتَّ خِصَالٍ: «إِمْرَةَ الصِّبْيَانِ، وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ، وَالرِّشْوَةَ فِي الْحُكْمِ، وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، واسْتِخْفَافٌ بِالدَّمِ، ونَشْءٌ يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ، يُقَدِّمُونَ الرَّجُلَ لَيْسَ بأَفْقَهَهُمْ، وَلَا أَعْلَمَهُمْ، وَلَا بأَفْضَلَهُمْ، يُغَنِّيهِمْ غَنَاءً». * لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُوسَى إِلَّا عِيسَى. أولاً: تخريج الحديث: هذا الحديث مداره علي زَاذَان الكِنْدِي، واختلف عنه من وجهين: الوجه الأول: زَاذَان، عَنْ عَابِس الْغِفَارِي. ورواه عن زاذان بهذا الوجه موسي الجهني، وعثمان بن عمير. أما طريق موسي الجهني: فأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٨/ ٣٧ رقم ٦٢) بسنده سواء. والطبراني في "الكبير" (١٨/ ٣٧ رقم ٦٣)، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" ب/ مَا جَاءَ فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ مِنَ الْكَرَاهَةِ وَالتَّغْلِيظِ (١/ ١٣٠ رقم ٢٧٧)، عن مِنْدَل، عَنْ مُوسَى الْجُهَنِي به بنحوه. وأما طريق عثمان بن عمير: فأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" معلقاً (٧/ ٨٠)، وابنِ أَبِي غَرَزَةَ في "مسند عابس الغفاري" (١/ ١٧ رقم ١)، والطبراني في "الكبير" (١٨/ ٣٤ رقم ٥٨)، والمستغفري في "فضائل القرآن" ب/ ما جاء في ذكر النبي ﷺ نشأ يتخذون القرآن مزامير والنهي عن قراءة القرآن بهذه الألحان المبتدعة (١/ ١٥٢ رقم ٤١)، وابن أبي عاصم في "الأحاد والمثاني" (٢/ ٢٦٩ رقم ١٠٢٤)، والطبراني في "الكبير" (١٨/ ٣٤ رقم ٥٨)، (١٨/ ٣٥ رقم ٥٩)، والداني في "السنن الواردة في الفتن" (٣/ ٦٨٧ رقم ٣٢٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" ب/ تَعْظِيمِ الْقُرْآنِ. فَصْلٌ فِي تَرْكِ التَّعَمُّقِ فِي الْقُرْآنِ (٢/ ٥٤١ رقم ٢٦٥٤)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٣١٠)، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْر، عن زاذن، وفيه قصة. الوجه الثاني: زَاذَان، عَنْ عُلَيْمٍ، عَنْ عَابِسٍ الْغِفَارِي. ورواه عن زاذان بهذا الوجه عثمان بن عمير. أخرجه أحمد في "مسنده" (٢٥/ ٤٢٧ رقم ١٦٠٤٠)، والبخاري في "التاريخ الكبير" مُعلقاً (٧/ ٨٠)، وابنِ أَبِي غَرَزَةَ في "مسند عابس الغفاري" (١/ ٢٠ رقم ٢)، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" ك/ الإمارة ب/ فِي إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ وَبَيْعِ الْحُكْمِ وَكَثْرَةِ الشُّرَطِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (٢/ ٦٤٠ رقم ٦١٣)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٤/ ٥ رقم ١٣٨٩)، (٤/ ٨ رقم ١٣٩٠)، وابن أبي خيثمة في "التاريخ الكبير" (١/ ٤٣١ رقم ١٥٥٣)، والطبراني في "الكبير" (١٨/ ٣٦ رقم ٦١)، والمستغفري في "فضائل القرآن" ب/ ما جاء في ذكر النبي ﷺ نشأ يتخذون القرآن مزامير والنهي عن قراءة القرآن بهذه الألحان المبتدعة (١/ ١٥١ رقم ٤٠)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ك/ الْفِتَنِ ب/ مَا ذُكِرَ فِي عُثْمَان (١٤/ ٢٢٥ رقم ٣٨٧٣٢)، وابن أبي الدنيا في "العقوبات" ب/ عُقُوبَاتٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ (١/ ١٨٨ رقم ٢٨٩)، والذهبي في "موضوعات المستدرك" (١/ ٣٥ رقم ٣٨)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٤/ ٢٢٣٢ رقم ٥٥٥٠)، وفي "أحاديث مسندة في أبواب القضاء" مخطوط (١/ ١١/ ق ١٥٣ ب)، والبزار كما في "كشف الأستار" للهيثمي (٢/ ٢٤١ رقم ١٦١٠)، والجوزقاني في "الأباطيل والمناكير" ك/ الزينة والأدب ب/ التَّرْجِيعِ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (٢/ ٣٧٧ رقم ٧٢٤)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٤٠٤ رقم ١٤٨٢)، وابن الأثير في "أسد الغابة" (٣/ ٥١٥)، كلمهم من طُرق عَنْ عُثْمَان بْن عُمَيْر، عَنْ زَاذَان، عَنْ عُلَيْم به بنحوه، وفيه قصة. ثانياً: دراسة الإسناد: أولاً: دراسة إسناد الوجه الأول: "إسناد الطبراني" ــــ رواية الباب ــــ. ١) أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْن مُسْلِم الأَبَّار: "ثقة حافظ" سبقت ترجمته في حديث رقم (١). ٢) عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ بن عبد الرحمن بْن عَبْد اللَّهِ المروزي، أَبُو الحسن قريب بشر الحافي. روي عن: عِيسَى بْن يُونُس، وسفيان بن عُيَيْنَة، ووكيع بْن الجراح، وآخرين. روي عنه: أَحْمَد بْن عَلِي الْأَبَّار، ومسلم، والتِّرْمِذِيّ، وآخرون. أقوال أهل العلم فيه: قال النَّسَائي، ومسلمة، وابن حجر: ثقة. وذكره ابنُ حِبَّان في الثقات. وحاصله أنه "ثقة". (¬١) ٣) عِيسَى بْنُ يُونُسَ السبيعي: "ثقة مأمون" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٣). ٤) مُوسَى الْجُهَنِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (٣٤). ٥) زَاذَانُ أبو عبد الله ويقال أَبُو عُمَرَ الكِنْدِيُّ الكُوْفِيُّ. روي عن: عَابِس الْغِفَارِي، والبراء بْن عازب، وجرير بْن عَبد الله، وآخرين. روي عنه: مُوسَى الْجُهَنِي، وأبو اليقظان عثمان بْن عُمَير، وزبيد اليامي، وآخرون. أقوال أهل العلم فيه: قال ابن سعد، والعجلي، وابْن مَعِين، وابن شاهين، والخطيب، والذهبي: ثقة. وزاد ابن معين: لا يُسأل عن مثله، وزاد الذهبي: صَادِق. وذكره ابن حبان، وابن شاهين، في الثقات، وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيراً. وَقَال ابْن عدي: أحاديثه لا بأس بها إذا روى عنه ثقة، وإنما رماه من رماه لكثرة كلامه. وقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الحَاكِمُ: لَيْسَ بِالمَتِيْنِ عِنْدَهُمْ. وقال ابن حجر: صدوق يرسل. وحاصله أنه "ثقة". (¬٢) ٦) عَابِسُ الْغِفَارِيُّ، ويقال عبس الغفاري، وعابس هو الأكثر.