الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ قَدْرِ الدُّعَاءِ، وَالتَّنْبِيهِ لِعَظِيمِ الْمِنَّةِ، وَشَرَفِ الْمَنْزِلَةِ أَعْطَى الْعَبْدَ مَا سُئِلَ أَوْ مَنَعَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أُذِنَ لَهُ بِالدُّعَاءِ فَقَدْ جَذَبَهُ الْحَقُّ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ، وَصَرَفَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَأَلْجَأَهُ إِلَى كَنَفِهِ، وَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَاخْتَصَّهُ بِهِ، وَشَغَلَهُ بِهِ عَمَّنْ سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ صَرَّفَ قَلْبَهُ بِالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، وَشَغَلَ لِسَانَهُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَذَمَّ جَوَارِحَهُ بِالْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا تَدْرِي مَا صَنَعَ عِنْدَمَا أَعْطَى فُلَانًا، أُعْطِيَ الْمُلْكَ كُلَّهُ لِمَكَانٍ مَا، أُعْطِيَ فِي الدُّعَاءِ أَكْثَرَ، عَلَى أَنَّ الدَّاعِيَ لَا شَكَّ يُجَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: ٦٠] ، هَذِهِ سِينُ التَّوْكِيدِ، وَهُوَ يَقُومُ مَقَامَ الْقَسَمِ عِنْدَ - [٣٤] - أَصْحَابِ الْمَعَانِي، وَقَوْلُهُ {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل: ٦٢] فِيهِ إِضْمَارٌ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجِيبُهُ لَا غَيْرُهُ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: ١٨٠] ، فَإِذَا دُعِيَ بِأَسْمَائِهِ وَأُثْنِيَ عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ، لَا بُدَّ أَنْ يُجِيبَهُ، لِأَنَّ فِي تَرْكِ الْإِجَابَةِ رُجُوعَ الْعِلَّةِ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَلَا، لَا إِلَى الْعَبْدِ، وَيَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أُعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ الْإِجَابَةَ» ، وَكَيْفَ لَا يُجِيبُهُ؟ وَهُوَ يُحِبُّ صَوْتَهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا فَتَحَ عَلَيْهِ الدُّعَاءَ لَهُ. وَالْإِجَابَةُ نَوْعَانِ: قَدْ يَكُونُ بِالْمُرَادِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ، وَالِاسْتِجَابَةُ لَيْسَ إِلَّا إِجَابَةٌ عَنِ الْمُرَادِ