لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] قَالَ لَنَا أَبُو مُوسَى فِي خَبَرِ عَبْدِ الْأَعْلَى بَعْدَ قِرَاءَتِهِ عَلَيْنَا خَبَرَ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَحْوُهُ، وَكَذَا قَالَ لَنَا فِي خَبَرِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂. فَذَكَرَ نَحْوَهُ، فَأَمَّا بُنْدَارٌ: فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَيْنَا حَدِيثَ يَزِيدَ بِتَمَامِهِ، لَيْسَ فِي خَبَرِ يَزِيدَ ذِكْرُ هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا قَوْلُهَا: لَوْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ كَاتِمًا، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، فَأَحْسِبُ أَنَّ أَبَا مُوسَى إِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ فِي خَبَرِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ نَحْوَهُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٤] ، دُونَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ الَّتِي أَدْرَجَهَا عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْخَبَرِ مُتَّصِلًا، وَمَيَّزَ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ بَيْنَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَبَيْنَ الْخَبَرِ الْمُتَّصِلِ، فَرَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، لَيْسَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ ذِكْرُ مَسْرُوقٍ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ دَاوُدَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ حَدَّثَهُ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ، ﵂ تَقُولُ: " أَعْظَمُ الْفِرْيَةِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَالَ: ثَلَاثَةً، مَنْ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا رَآهُ؟ قَالَتْ: لَا، إِنَّمَا ذَلِكَ جِبْرِيلُ، رَآهُ مَرَّتَيْنِ فِي صُورَتِهِ مَرَّةً بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، وَمَرَّةً سَادًّا أُفُقَ السَّمَاءِ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: ثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ثَلَاثٌ مَنْ قَالَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] , وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكِ﴾ [المائدة: ٦٧] الْآيَةَ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ⦗٥٥٦⦘ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] فَقَالَ مَسْرُوقٌ لِعَائِشَةَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَوْ لَمْ يَقُلْ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَنَا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ، نَزَلَ فِي الْأُفُقِ، عَلَى خَلْقِهِ وَهَيْئَتِهِ، أَوْ خَلْقِهِ وَصُورَتِهِ سَادًّا مَا بَيْنَ الْأُفُقِ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذِهِ لَفْظَةٌ، أَحْسِبُ عَائِشَةَ تَكَلَّمَتْ بِهَا فِي وَقْتِ غَضَبٍ، كَانَتْ لَفْظَةٌ أَحْسَنَ مِنْهَا يَكُونُ فِيهَا دَرَكًا لِبُغْيَتِهَا، كَانَ أَجْمَلَ بِهَا، لَيْسَ يَحْسُنُ فِي اللَّفْظِ: أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: أَوْ قَائِلَةٌ، فَقَدْ أَعْظَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْفِرْيَةَ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَأَنَسُ ب ْنُ مَالِكٍ، وَجَمَاعَاتٌ مِنَ النَّاسِ الْفِرْيَةَ عَلَى رَبِّهِمْ، وَلَكِنْ قَدْ يَتَكَلَّمُ الْمَرْءُ عِنْدَ الْغَضَبِ بِاللَّفْظَةِ الَّتِي يَكُونُ غَيْرُهَا أَحْسَنَ وَأَجْمَلَ مِنْهَا، أَكْثَرُ مَا فِي هَذَا أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ وَأَبَا ذَرٍّ، وَابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَدِ اخْتَلَفُوا: هَلْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لَمْ يَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَدْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ، وَقَدْ أَعْلَمْتُ فِي مَوَاضِعَ فِي كُتُبِنَا أَنَّ النَّفْيَ لَا يُوجِبُ عِلْمًا، وَالْإِثْبَاتُ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْعِلْمَ، لَمْ تَحْكِ ⦗٥٥٧⦘ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ خَبَّرَهَا أَنَّهُ لَمْ يَرَ رَبَّهُ ﷿ وَإِنَّمَا تَلَتْ قَوْلَهُ ﷿: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] وَمَنْ تَدَبَّرَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَوُفِّقَ لِإِدْرَاكِ الصَّوَابِ، عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي وَاحِدَةٍ مِنَ الْآيَتَيْنِ مَا يَسْتَحِقُّ مَنْ قَالَ إِنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ الرَّمْيَ بِالْفِرْيَةِ عَلَى اللَّهِ، كَيْفَ بِأَنْ يَقُولَ: قَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ؟ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قَدْ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُثْبِتُ رُؤْيَةَ النَّبِيِّ ﷺ خَالِقَهُ ﷿، قَدْ يَحْتَمِلُ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] عَلَى مَا قَالَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ لِمَوْلَاهُ عِكْرِمَةَ «ذَاكَ نُورُهُ الَّذِي هُوَ نَوَّرَهُ، إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ لَا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ» ، وَالْمَعْنَى الثَّانِي، أَيْ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أَبْصَارُ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْأَعَمَّ وَالْأَظْهَرَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّ الْإِبْصَارَ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى أَبْصَارِ جَمَاعَةٍ، لَا أَحْسِبُ غَرِيبًا يَجِيءُ مِنْ طَرِيقِ ⦗٥٥٨⦘ اللُّغَةِ أَنْ يَقُولَ لِبَصَرِ امْرِئٍ وَاحِدٍ أَبْصَارٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لِبَصَرِ امْرِئٍ وَاحِدٍ بَصَرٌ، وَلَا سَمِعْنَا غَرِيبًا يَقُولُ: لِعَيْنِ امْرِئٍ وَاحِدٍ بَصَرَيْنِ، فَكَيْفَ أَبْصَارٌ وَلَوْ قُلْنَا: إِنَّ الْأَبْصَارَ تَرَى رَبَّنَا فِي الدُّنْيَا لَكِنَّا قَدْ قُلْنَا الْبَاطِلَ وَالْبُهْتَانَ فَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَأَى رَبَّهُ دُونَ سَائِرِ الْخَلْقِ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ الْأَبْصَارَ قَدْ رَأَتْ رَبَّهَا فِي الدُّنْيَا، فَكَيْفَ يَكُونُ يَا ذَوِي الْحِجَا مَنْ يُثْبِتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَأَى رَبَّهُ، دُونَ سَائِرِ الْخَلْقِ مُثْبِتًا أَنَّ الْأَبْصَارَ قَدْ رَأَتْ رَبَّهَا، فَتَفَهَّمُوا يَا ذَوِي الْحِجَا هَذِهِ النُّكْتَةَ تَعْلَمُوا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ وَأَبَا ذَرٍّ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُمْ لَمْ يُعْظِمُوا الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ، وَلَا خَالَفُوا حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَمَّا ذِكْرُهَا: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] ، فَلَمْ يَقُلْ أَبُو ذَرٍّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ يُثْبِتُ رُؤْيَةَ النَّبِيِّ ﷺ خَالِقَهُ ﷿ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَرَى رَبَّهُ فِيهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ: قَدْ خَالَفَتْهُمْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَأَى رَبَّهُ، لَمْ يُخَالِفْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ ⦗٥٥٩⦘ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] وَإِنَّمَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ يَقُولُ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ فَكَلَّمَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَابْنُ عُمَرَ مَعَ جَلَالَتِهِ وَعِلْمِهِ وَوَرَعِهِ وَفِقْهِهِ وَمَوْضِعِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ وَالْعِلْمِ يَلْتَمِسُ عِلْمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ تُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ ابْنِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ يُرْسِلُ إِلَيْهِ لَيَسْأَلَهُ، هَلْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ؟ عِلْمًا مِنْهُ بِمَعْرِفَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُقْتَبَسُ هَذَا مِنْهُ فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِثْبَاتُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَأَى رَبَّهُ، وَبِيَقِينٍ يَعْلَمُ كُلُّ عَالِمٍ أَنَّ هَذَا مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ بِالْعُقُولِ، وَالْآرَاءِ وَالْجِنَانِ وَالظُّنُونِ، وَلَا يُدْرَكُ مِثْلُ هَذَا الْعِلْمِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ النُّبُوَّةِ، إِمَّا بِكِتَابٍ أَوْ بِقَوْلِ نَبِيٍّ مُصْطَفًى، وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَتَوَهَّمُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ» بِرَأْيٍ وَظَنٍّ، لَا وَلَا أَبُو ذَرٍّ، لَا وَلَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، نَقُولُ كَمَا قَالَ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ لَمَّا ذُكِرَ اخْتِلَافُ عَائِشَةَ ﵂ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَا عَائِشَةُ عِنْدَنَا أَعْلَمُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ، نَقُولُ: عَائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، حَبِيبَةُ حَبِيبِ اللَّهِ عَالِمَةٌ فَقِيهَةٌ، كَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ، قَدْ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ لَهُ أَنْ يُرْزَقَ الْحِكْمَةَ، وَالْعِلْمَ، وَهَذَا الْمَعْنِيُّ مِنَ الدُّعَاءِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِتُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ، وَمَنْ كَانَ الْفَارُوقُ ﵁ يَسْأَلُهُ عَنْ بَعْضِ مَعَانِي ⦗٥٦٠⦘ الْقُرْآنِ، فَيَقْبَلُ مِنْهُ، وَإِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ، مِمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ، وَأَقْدَمُ صُحْبَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فَمُحَالٌ أَنْ يُقَالَ قَدْ أَعْظَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَثْبَتَ شَيْئًا نَفَتْهُ عَائِشَةُ ﵂، وَالْعُلَمَاءُ لَا يُطْلِقُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَإِنْ غَلَطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ خَالَفَ سُنَّةً أَوْ سُنَنًا مِنْ سُنَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ تَبْلُغِ الْمَرْءَ تِلْكَ السُّنَنُ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ مَنْ يُثْبِتُ شَيْئًا لَمْ يَنْفِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ فَتَفَهَّمُوا هَذَا لَا تُغَالِطُوا ذِكْرُ حِكَايَةِ مَعْمَرٍ: سَمِعْتُ عَمِّي يَحْكِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ فِي خَبَرٍ لَيْسَ إِسْنَادُهُ مِنْ شَرْطِنَا حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: اجْتَمَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَعْبٌ ⦗٥٦١⦘، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ، نَزْعُمُ أَوْ نَقُولُ: «إِنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ» ، قَالَ: فَكَبَّرَ كَعْبٌ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَمُوسَى، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ فَرَآهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِقَلْبِهِ، وَكَلَّمَهُ مُوسَى قَالَ مُجَالِدٌ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَأَخْبَرَنِي مَسْرُوقٌ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: أَيْ أُمَّتَاهُ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ قَطُّ؟ قَالَتْ: إِنَّكَ تَقُولُ قَوْلًا، إِنَّهُ لَيَقِفُ مِنْهُ شَعْرِي، قَالَ: قُلْتُ: رُوَيْدًا، قَالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهَا: ﴿وَالنَّجْمُ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ ⦗٥٦٢⦘ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] فَقَالَتْ: أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ؟ إِنَّمَا رَأَى جِبْرِيلَ ﷺ فِي صُورَتِهِ، مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْخَمْسَ مِنَ الْغَيْبِ فَقَدْ كَذَبَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِمَعْمَرٍ، فَقَالَ: «مَا عَائِشَةُ عِنْدَنَا بِأَعْلَمَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَوْ كُنْتُ مِمَّنْ أَسْتَحِلُّ الِاحْتِجَاجَ بِخِلَافٍ أَصْلِيٍّ، وَاحْتَجَجْتُ بِمِثْلِ مُجَالِدٍ، لَاحْتَجَجْتُ أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ قَاطِبَةً، قَدْ خَالَفُوا عَائِشَةَ ﵂، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّهُمْ جَمِيعًا كَانُوا يُثْبِتُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَأَى رَبَّهُ، مَرَّتَيْنِ فَاتِّفَاقُ بَنِي هَاشِمٍ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ الِاحْتِجَاجَ بِمِثْلِ مُجَالِدٍ أَوْلَى مِنَ انْفِرَادِ عَائِشَةَ بِقَوْلٍ لَمْ يُتَابِعْهَا صَحَابِيُّ يَعْلَمُ، وَلَا امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا مِنَ التَّابِعَاتِ، وَقَدْ كُنْتُ قَدِيمًا أَقُولُ: لَوْ أَنَّ عَائِشَةَ حَكَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا ⦗٥٦٣⦘ كَانَتْ تَعْتَقِدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرَ رَبَّهُ جَلَّ وَعَلَا وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْلَمَهَا ذَلِكَ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ، لَعَلِمَ كُلُّ عَالِمٍ يَفْهَمُ هَذِهِ الصِّنَاعَةَ أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ طَرِيقِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ قَبُولُ قَوْلِ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ، إِذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَمْ أَرَ رَبِّي قَبْلَ أَنْ يَرَى رَبَّهُ، ﷿، ثُمَّ تَسْمَعُ غَيْرَهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُخْبِرُ أَنَّهُ قَدْ رَأَى رَبَّهُ، بَعْدَ رُؤْيَتِهِ رَبَّهُ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ مِنْ طَرِيقِ الْعِلْمِ قَبُولُ خَبَرِ مَنْ أَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَبَّهُ، وَقَدْ بَيَّنْتُ هَذَا الْجِنْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَمْلَيْتُهَا فِي ذِكْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابُ ذِكْرِ إِثْبَاتِ ضَحِكِ رَبِّنَا ﷿ بِلَا صِفَةٍ تَصِفُ ضَحِكَهُ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ، لَا وَلَا يُشَبِّهُ ضَحِكَهُ بِضَحِكِ الْمَخْلُوقِينَ، وَضَحِكُهُمْ كَذَلِكَ، بَلْ نُؤْمِنُ بِأَنَّهُ يَضْحَكُ، كَمَا أَعْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَنَسْكُتُ عَنْ صِفَةِ ضَحِكِهِ جَلَّ وَعَلَا، إِذِ اللَّهُ ﷿ اسْتَأْثَرَ بِصِفَةِ ضَحِكِهِ، لَمْ يُطْلِعْنَا عَلَى ذَلِكَ، فَنَحْنُ قَائِلُونَ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ، بِقُلُوبِنَا مُنْصِتُونَ عَمَّا لَمْ يُبَيَّنْ لَنَا، مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْبِسْطَامِيُّ، قَالَا: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: إِنَّ آخِرَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لِرَجُلٍ يَمْشِي عَلَى الصِّرَاطِ، فَيَنْكَبُّ مَرَّةً، وَيَمْشِي مَرَّةً " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَقَالَا فِي آخِرِ الْخَبَرِ: " فَيَقُولُ رَبُّنَا ﵎: «مَا ⦗٥٦٥⦘ يَصُرُّنِي مِنْكَ، أَيْ عَبْدِي، أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ مِنَ الْجَنَّةِ مِثْلَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟» قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَهْزَأُ بِي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعِزَّةِ قَالَ: ضَحِكَ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي لِمَ ضَحِكْتُ؟ قَالُوا: لِمَ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: لِضَحِكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَا تَسْأَلُونِي لِمَ ضَحِكْتُ؟ قَالُوا: لِمَ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِضَحِكِ الرَّبِّ ﵎، حِينَ قَالَ: أَتَهْزَأُ بِي وَأَنْتَ رَبُّ الْعِزَّةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: ثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: ثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، ﵁ أَخْبَرَهُمَا أَنَّ النَّاسَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، قَالَ: " وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ: اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ فَإِنَّهُ ⦗٥٦٦⦘ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: فَهَلْ عَسَيْتُ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُصِرُّ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ «فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ» : فَيَقُولُ: أَوَ لَسْتَ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَيَضْحَكُ اللَّهُ ﷿ مِنْهُ " ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ ⦗٥٦٧⦘ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ وَثنا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ، قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ، وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ، عنِ ابْنِ شَهَابٍ، عنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: وَسَاقَ جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ بِهَذَا الْخَبَرِ غَيْرَ أَنَّهُمَا رُبَّمَا اخْتَلَفَا فِي اللَّفْظِ وَالشَّيْءِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ⦗٥٦٨⦘. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا الْخَبَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَأَبِي سَعِيدٍ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ فِي الْخَبَرِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَشْهَدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قَالَ، قَالَ اللَّهُ: «ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ» فَهَذِهِ الْمَقَالَةُ تُثْبِتُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَدْ حَفِظَ هَذَا الْخَبَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، إِلَّا أَنَّهُ حَفِظَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ قَوْلُهُ: «ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ» ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ إِنَّمَا حَفِظَ: «ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ» ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ «وَمِثْلُهُ مَعَهُ» لَا تُضَادُّ اللَّفْظَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو سَعِيدٍ، وَهَذَا مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي كِتَابِي عَوْدًا وَبَدْءًا أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَذْكُرُ الْعَدَدَ لِلشَّيْءِ ذِي الْأَجْزَاءِ وَالشُّعَبِ، لَا تُرِيدُ نَفْيًا لِمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ الْعَدَدِ، وَهَذَا مَفْهُومٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَوْ أَنَّ مُقِرًّا قَالَ لِآخَرَ: " لَكَ عِنْدِي دِرْهَمٌ مَعَهُ دِرْهَمٌ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ لَكَ عِنْدِي دِرْهَمٌ مَعَهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، لَمْ تَكُنِ الْكَلِمَةُ الثَّانِيَةُ تَكْذِيبًا لِنَفْسِهِ، لِلْكَلِمَةِ الْأُولَى، لِأَنَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، فَمَعَهُ دِرْهَمٌ مِنَ الْعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَزِيَادَةُ تِسْعَةِ دَرَاهِمَ عَلَى الدِّرْهَمِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّكْذِيبُ: لَوْ قَالَ فِي الِابْتِدَاءِ: لَكَ عِنْدِي دِرْهَمٌ لَا أَكْثَرَ مِنْهُ، أَوْ قَالَ فِي الِابْتِدَاءِ لَيْسَ لَكَ عِنْدِي أَكْثَرُ مِنْ ⦗٥٦٩⦘ دِرْهَمَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: لَكَ عِنْدِي عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، كَانَ بِقَوْلِهِ الثَّانِي مُكَذِّبًا لِنَفْسِهِ فِي الْكَلِمَةِ الْأُولَى، لَا شَكَّ وَلَا امْتِرَاءَ وَمَنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَقَالَ مُخَاطِبٌ لِمُخَاطِبِهِ لِي امْرَأَةٌ مَعَهَا أُخْرَى، ثُمَّ قَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ لِي أَرْبَعُ نِسْوَةٍ لَمْ تَكُنْ كَلَّمْتُهُ الْآخِرَةُ تَكْذِيبًا مِنْهُ نَفْسِهِ لِلْكَلِمَةِ الْأُولَى هَذَا بَابٌ يَفْهَمُهُ مَنْ يَفْهَمُ الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْبَيَانَ لِأَنَّ أَهْلَ الزَّيْغِ وَالْبِدَعِ لَا يَزَالُونَ يَطْعَنُونَ فِي الْأَخْبَارِ لِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى هَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الِابْتِدَاءِ: إِنَّ اللَّهِ ﷿ يَقُولُ لَهُ: «أَتَرْضَى أَنْ أُعْطِيَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا» ، ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى بَلَغَ أَنْ قَالَ: «لَكَ مِثْلُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ الْأَحْمَسِيُّ، قَالَ: ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَضْحَكُ إِلَى رَجُلَيْنِ قَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، كِلَاهُمَا دَاخِلٌ ⦗٥٧٠⦘ الْجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُسْتَشْهَدُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى قَاتِلِهِ، فَيُسْلِمُ، فَيُقَاتِلُ فِي اللَّهِ فَيُسْتَشْهَدُ» وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ، أَخْبَرَهُ، قَالَ: أخبرني مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، قَالَ: ثَنَا مُؤَمَّلٌ، وَثَنَا أَبُو مُوسَى، عَنْ مُؤَمَّلٍ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: ثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ، قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَكِلَاهُمَا فِي الْجَنَّةِ» وَقَالَ بُنْدَارٌ: عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «يَضْحَكُ اللَّهُ ﷿ مِنْ رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: ثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ضَحِكَ اللَّهُ مِنْ رَجُلَيْنِ: قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ دَخَلُوا الْجَنَّةَ جَمِيعًا "، قَالَ: سُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْ تَفْسِيرِ هَذَا، قَالَ: مُشْرِكٌ قَتَلَ مُسْلِمًا ثُمَّ أَسْلَمَ، فَمَاتَ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: ثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " يَضْحَكُ اللَّهُ لِرَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا يَقْتُلُ الْآخَرَ، كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ⦗٥٧٣⦘، قَالُوا: وَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يُقْتَلُ هَذَا فَيَلِجُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْآخَرِ، فَيَهْدِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُسْتَشْهَدُ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، ﵁ وَقَالَ: قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ " حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَبِي حَرْبٍ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ بُكَيْرٍ، قَالَ: ثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحُسَيْنِ وَهُو أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِي قَالَ: ثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ ⦗٥٧٤⦘ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسِبُهُ قَالَ: «يَعْجَبُ أَوْ يَضْحَكُ ﵎ مِنْ رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، يُقْتَلُ هَذَا، هَذَا فَيَلِجُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْآخَرِ، فَيَهْدِيهِ لِلْإِسْلَامِ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: خَرَّجْتُ هَذَا الْبَابَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ خَاقَانَ بَغْدَادِيُّ، قَالَ: ثَنَا سَلْمُ بْنُ سَالِمٍ الْبَلْخِيُّ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَيَضْحَكُ مِنْ إِيَاسَةِ ⦗٥٧٥⦘ الْعِبَادِ وَقُنُوطِهِمْ، وَقُرْبِهِ مِنْهُمْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَوَ يَضْحَكُ رَبُّنَا؟ قَالَ: أَيْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُ لَيَضْحَكُ، قَالَ: فَقُلْتُ إِذًا لَا يَعْدِمُنَا مِنْهُ خَيْرًا إِذَا ضَحِكَ " وَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، قَالَ: ثَنَا فَرْقَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ سَمِعْتُ عُقْبَةَ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي الْحَسْنَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأُولَى وَالْأُخْرَى، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَاءَ الرَّبُّ ﵎ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ وَالْمُؤْمِنُونَ عَلَى كَوْمٍ» ، فَقَالُوا: لِعُقْبَةَ مَا الْكَوْمُ؟ قَالَ: الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ، فَيَقُولُ: " هَلْ تَعْرِفُونَ رَبَّكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: إِنْ عَرَّفَنَا نَفْسَهُ عَرَفْنَاهُ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُمُ الثَّانِيَةَ، فَيَضْحَكُ فِي وُجُوهِهِمْ فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا " ⦗٥٧٦⦘ حَدَّثَنَاهُ عَمْرَو بْنَ عَلِيٍّ، قَالَ: ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُمَارَةَ الْقُرَشِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَتَجَلَّى لَنَا رَبُّنَا ﷿، يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَاحِكًا» ⦗٥٧٧⦘ حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُمَارَةَ الْقُرَشِيِّ، قَالَ: وَفَدْنَا إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَفِينَا أَبُو بُرْدَةَ، فَذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا بَعْضُ الطُّوَلِ ⦗٥٧٨⦘ وَذَكَرَ أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ قَالَ: قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَجْمَعُ اللَّهُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ» فَذَكَرَ حَدِيثًا فِي ذِكْرِ بَعْضِ أَسْبَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَيَتَجَلَّى لَهُمْ رَبُّنَا ضَاحِكًا، فَيَقُولُ: أَبْشِرُوا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، إِلَّا جَعَلْتُ مَكَانَهُ فِي النَّارِ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا " حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَلَبِيُّ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: أَرْدَفَنِي عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهُ عَلَيْهِ خَلْفَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى ظَهْرِ الْكُوفَةِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاغْفِرْ لِي، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَضَحِكَ، فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُنِي مِمَّ ضَحِكْتُ؟ قَالَ: قُلْتُ مِمَّ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَهُ، ثُمَّ خَرَجَ بِي إِلَى حَرَّةِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى ⦗٥٧٩⦘ السَّمَاءِ فَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاغْفِرْ لِي» ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَضَحِكَ، فَقَالَ: «أَلَا تَسْأَلُنِي مِمَّ ضَحِكْتُ؟» قَالَ: قُلْتُ مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «ضَحِكْتُ مِنْ ضَحِكِ رَبِّي، وَتَعَجُّبِهِ مِنْ عَبْدِهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرُهُ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ أَمْلَيْتُ بَعْضَ طُرُقِ هَذَا الْخَبَرِ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الرُّكُوبِ فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ، أَوْ كِتَابِ الْجِهَادِ وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ امْرَأَةٍ، مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا، أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ، قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، صَاحَتْ أُمُّهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَلَا يَرْقَأُ دَمْعُكُ، وَيَذْهَبُ حُزْنُكِ، فَإِنَّ ابْنَكِ أَوَّلُ مَنْ ضَحِكَ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَاهْتَزَّ مِنْهُ الْعَرْشُ» حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ قَالَ بُنْدَارٌ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَالَ يَحْيَى: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَسْتُ أَعْرِفُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاشِدٍ هَذَا، وَلَا أَظُنُّهُ الْجَزَرِيَّ، أَخُو النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ السَّبَائِيِّ، عَنْ أَبِي فِرَاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى صَاحِبِ الْبَحْرِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حِينَ يَرْكَبُهُ وَيَتَخَلَّى مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَحِينَ يَمِيدُ وَحِينَ يَرَى إِلَى إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا» ⦗٥٨٢⦘ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ كُنْتُ أُعْلِمْتُ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ خَالِقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَلَّ رَبُّنَا وَعَزَّ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْضَلُ الْمُؤْمِنِينَ، يَرَى خَالِقَهُ، جَلَّ وَعَزَّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ، ﷿، قَبْلَ نُزُولِ الْمَنِيَّةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَأَعْطَانِي بَعْضُ أَصْحَابِي كِتَابًا مُنْذُ أَيَّامٍ مَنْسُوبًا إِلَى بَعْضِ الْجَهْمِيَّةِ رَأَيْتُ فِيَ ذَلِكَ الْكِتَابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ يُرَى جَهْرَةً فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ مُوسَى سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَرَاهُ جَهْرَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» ⦗٥٨٣⦘، وَاحْتَجَّ الْجَهْمِيُّ بِهَذَا الْخَبَرِ، ادَّعَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُرَى، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَرَى رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا الْمُؤْمِنُونَ وَهَذَا الْخَبَرُ كَذُبٌ مَوْضُوعٌ، بَاطِلٌ وَضَعَهُ بَعْضُ الْجَهْمِيَّةِ، وَعِنْدَنَا بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ خَبَرَانِ بِإِسْنَادَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، خِلَافَ هَذَا الْخَبَرِ الْمَوْضُوعِ فِي خَبَرِ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَمْ تَرْضَوْا مِنْ رَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَصَوَّرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ أَنْ يُوَلِّيَ كُلَّ إِنْسَانٍ مَا كَانَ يَعْبُدُ فِي الدُّنْيَا، وَيَتَوَلَّى؟ أَلَيْسَ ذَلِكَ عَدْلٌ مِنْ رَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: فَلْيَنْطَلِقْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِلَى مَا كَانَ يَتَوَلَّى فِي الدُّنْيَا، قَالَ: يُمَثَّلُ لَهُمْ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا، قَالَ: يُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عِيسَى شَيْطَانُ عِيسَى، وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عُزَيْرًا شَيْطَانُ عُزَيْرٍ، حَتَّى يُمَثَّلَ لَهُمُ الشَّجَرَةُ وَالْعَوْدُ، وَالْحَجَرُ وَيَبْقَى أَهْلُ الْإِسْلَامِ جُثُومًا، فَيَقُولُ لَهُمْ: مَا لَكُمْ لَا تَنْطَلِقُونَ كَمَا انْطَلَقَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّ لَنَا رَبًّا مَا رَأَيْنَاهُ بَعْدُ، قَالَ فَيَقُولُ: بِمَ تَعْرِفُونَ رَبَّكُمْ، إِنْ ⦗٥٨٤⦘ رَأَيْتُمُوهُ؟ قَالُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَلَامَةٌ، إِنْ رَأَيْنَاهُ عَرَفْنَاهُ، قَالَ وَمَا هِيَ؟ قَالَ: فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، قَالَ: فَيَخِرُّ كُلُّ مَنْ كَانَ لِظَهْرِهِ طَبَّقَ سَاجِدًا، وَيَبْقَى قَوْمٌ ظُهُورُهُمْ كَصَيَاصِي الْبَقَرِ " الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِي الْخَبَرِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ مِرَارًا، فَلَمَّا بَلَغَ هَذَا الْمَكَانَ مِنَ الْحَدِيثِ مَا ذَكَرَ مَوْضِعًا مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا ضَحِكَ. حَدَّثَنَاهُ يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَصْرَيُّ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ، قَالَ: ثَنَا الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِي خَبَرِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ، قَالَ: " ثُمَّ يَتَمَثَّلُ اللَّهُ ﷿ لِلْخَلْقِ فَيَقُولُ مَنْ تَعْبُدُونَ؟ وَذَكَرَ بَعْضَ الْحَدِيثِ، وَقَالَ: حَتَّى يَبْقَى الْمُسْلِمُونَ، فَيَقُولُ: «مَنْ تَعْبُدُونَ؟» فَيَقُولُونَ: نَعْبُدُ اللَّهَ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، فَيَقُولُ: «هَلْ تَعْرِفُونَ رَبَّكُمْ؟» فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَهُ إِذَا اعْتَرَفَ لَنَا عَرَفْنَاهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلَا يَبْقَى مُؤْمِنٌ وَلَا مُؤْمِنَةٌ إِلَّا خَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا " حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى، وَقَرَأَهُ عَلَيَّ مِنْ كِتَابِي، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ ثَنَا سَلَمَةُ وَهُوَ ابْنُ كُهَيْلٍ ⦗٥٨٦⦘ وَحَدَّثَنَا الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، الْحَدِيثَ، بِطُولِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا الْخَبَرُ، وَخَبَرُ مَسْرُوقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، يُصَرِّحَانِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، كَانَ يُقِرُّ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ، يَرَوْنَ خَالِقَهُمْ ﷿، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذَا كَشَفَ عَنْ سَاقٍ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَخِرُّونَ لِلَّهِ سُجَّدًا، إِذَا رَأَوْهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَكَيْفَ يَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ بِمَا هُوَ عِنْدَهُ حَقٌّ وَصُدْقٌ وَعَدْلٌ وَلَوْ ثَبَتَ هَذَا الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَكَانَ لِلْخَبَرِ عِنْدَنَا مَعْنًى صَحِيحًا لَا كَمَا تَوَهَّمَهُ الْجَهْمِيُّ، عَلَيْهِ لَعَائِنُ اللَّهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ يُرَى جَهْرَةً فِي الدُّنْيَا، فَقَدْ كَذَبَ، وَافْتَرَى؛ لِأَنَّ مَا يُرَى جَهْرَةً يَرَاهُ كُلُّ بَصِيرٍ، لَا حِجَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَإِنَّمَا سَأَلَ قَوْمُ مُوسَى مُوسَى، أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً، فَأَمَّا مُوسَى فَإِنَّمَا سَأَلَ عَلَى لَفْظِ الْكِتَابِ ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرُ إِلَيْكَ، قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] وَلَمْ يَقُلْ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ جَهْرَةً؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ جَهْرَةً هِيَ الرُّؤْيَةُ الَّتِي يَرَاهُ كُلُّ مَنْ كَانَ بَصَرُهُ مِثْلَ بَصَرِ النَّاظِرِ إِلَى الشَّيْءِ، وَاللَّهُ ﷿ يَحْتَجِبُ عَنْ أَبْصَارِ أَهْلِ ⦗٥٨٧⦘ الدُّنْيَا، فِي الدُّنْيَا، لَا يَرَى أَحَدٌ رَبَّهُ فِي الدُّنْيَا جَهْرَةً، وَقَدْ أَعْلَمْنَا قَبْلُ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وَأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ مَخْصُوصًا بِرُؤْيَةِ خَالِقِهِ، وَهُوَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، لَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَبَّهُ وَهُوَ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ أَعْلَمْتُ قَبْلُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ خَالِقَهُمْ فِي الْآخِرَةِ لَا فِي الدُّنْيَا، وَمَنْ أَنْكَرَ رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ خَالِقَهُمْ يَوْمَ الْمَعَادِ، فَلَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ هُمْ أَسْوَأُ حَالًا فِي الدُّنْيَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَالْمَجُوسِ، كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: «نَحْنُ نَحْكِي كَلَامَ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَلَا نَقْدِرُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْجَهْمِيَّةِ» حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْبَصْرِيُّ قَالَ: ثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ، قَالَ: ثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ⦗٥٨٨⦘، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّكُمْ تُعَايِنُونَ اللَّهَ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِيَانًا»