مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها: مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذي في أسفلها يمر بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأسًا فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: ما لك؟ فقال: تأذيتم بي، ولا بد لي من الماء، فإن أخذوا على يديه, أنجوه ونَجّوا أنفسهم، وإن تركوه، أهلكوه وأهلكوا أنفسهم". قلت: رواه البخاري في الشركة وفي الشهادات والترمذي في الفتن كلاهما من حديث الشعبي عن النعمان بن بشير. (٢) قال في شرح السنة (٣): والمداهنة والادهان: المقاربة في الكلام والتليين، قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي: تلين لهم فيلينون لك. قوله: يمر بالماء، قال بعضهم: كنى به عن البول والغائط أدبًا، ويجوز: أن يحمل على ظاهره في الماء، وإنما حمله هذا على البول والغائط لأن البحر لا ينتفع بمائه لغير الطهارات من الحدث والنجس. قوله: فإن أخذوا على يديه، قال في النهاية (٤): يقال: أخذت على يد فلان إذا منعته عما يريد فعله كأنك أمسكت يده. قوله: أنجوه، يقال: نجى من الأمر إذا خلص، وأنجاه غيره، والنجية: التخليص، وشبّه ﷺ المداهن في الحدود بالذي في أعلى السفينة، والواقع فيها بالذي في أسفلها، وشبه الإِسلام بالسفينة وهو محيط بالفريقين كما أن السفينة محيطة بهما، وشبه انهماك المسرف على نفسه المتعدي لحدود الله بالذي ينقر أسفل السفينة، وعبر عن نهي الناهي الواقع في تلك الحدود بالأخذ على يديه, وبمنعه، وعبر عن فائدة المنع بنجاة الناهي والمنهي، وعبر عن عدم النهي بالترك، وعبر عن ثمرة ترك النهي بالهلاك والله أعلم.