٣٩٩٥ - قال رسول الله ﷺ: "أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال، وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْر له، الذين هم فيكم تَبَع، لا يبغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دقّ إلا خانَه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل، والكذب، والشِّنظير الفحّاش". قلت: هذا الحديث رواه مسلم مطولًا في أواخر الصحيح والنسائيُّ في فضائل القرآن كلاهما (٤) من حديث عياض بن حمار، ولم يخرجه البخاري ولا أخرج في صحيحه عن عياض بن حمار شيئًا وليس في مسلم له إلا هذا الحديث. وهو حديث طويل عظيم الفائدة وذكره المصنف مقطعًا، ونحن نذكره كما رواه مسلم: رواه عن مطرّف بن عبد الله بن الشخير، عن عِيَاض بن حمار ابن عرفجة بن ناجية بن عقال المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال، ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني، يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا، حلال، وإني خلقت عبادي حُنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان، وإن الله أمرني أن أحرّق قريشًا، فقلت: ربّ! إذًا يثغلوا رأسي فيدعوه خبزةً، قال: استخرجهم كما أخرجوك، واغزهم نُغزك وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، قال: وأهل الجنة ثلاثة: ... " وساق الحديث إلى آخره (١). زاد في بعض طرقه: عن مطر عن قتادة عن مطرف بن عبد الله عن عياض: "وإن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد"، وزاد: "وهم فيكم تَبَعًا لا يبغون أهلًا ولا مالًا" فقلت: وكيف يكون ذلك يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، والله لقد أدركتهم في الجاهلية وإن الرجل ليرعى على الحيّ، ما به إلا وليدتهم يطؤها (٢). قوله: ذو سلطان مقسط: قال ابن الأثير (٣): المقسط من أسماء الله تعالى وهو العادل، يقال: أقسط يُقْسِط فهو مُقْسِط إذا عدل، وقسط يقسِط فهو قاسط إذا جار، فكأن الهمزة في "أقسط" للسَّلْب، كما يقال: شكا إليه فأشكاه. قوله: موفّق أي هيء له أسباب الخير وفتح أبواب البر. قوله: عفيف متعفف أي عفيف عما لا يحل له، متعفف كاف عن الحرام، مجتنب عن السؤال من الناس، متحاش عنه، متوكل على الله في أمره، ويجوز أن يشير بالأول إلى ما في نفسه من القوة المانعة من الفواحش، وبالثاني إلى إبراز ذلك بالفعل. قوله: لا زبر له أي لا عقل يزبره وينهاه عن الإقدام على ما لا ينبغي. فإن قلت: فإذا كان لا عقل له فلا تكليف عليه، فكيف يكون من أهل النار؟ قلت: ليس المراد نفي العقل التكليفي بل نفي الملكة التي بسببها يتماسك عن الشهوات فلا ير تدع عن فاحشة ولا يتوقف في حرام. قوله: الذي لا زبر له، قال بعضهم: إن الذي، بمعنى: الذين، بالجمع كقول الشاعر: إن الذي حانت بفلج دماهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد أي إن الذين، ولذلك قال: دماهم هم القوم، وهو الذي يجوز جعل قوله: الذين هم فيكم تبع، بدلًا من قوله: الذي لا زبر له، كأنهم أهل البطالات الذين لا هم لهم إلا تقضي الأيام بالباطل، فلا هم في عمل الآخرة ولا في عمل الدنيا. قوله: والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، أي لا يخفي في نفسه طمعًا في شيء ما، وإن دق، بحيث لا يكاد يدرك إلا وهو يسعى فمن التطلع عليه حتى يجده فيخونه، ويحتمل أن يكون خفي من الأضداد، والطمع بمعنى المفعول، والمعنى: لا يظهر له شيء مطموع فيه إلا خانه وإن كان يسيرًا. قوله: الشنظير الفحاش، الشنظير: هو سيء الخلق، كذا قاله الجوهري (١)، قال بعض الشارحين: الفحاش: نعت الشنظير وليس بتفسير له، أي يكون مع سوء خلقه مبالغًا في الفحش انتهى. ويروى: الشنظير الفحاش بالنصب، عطفًا على مفعول، ذكر: أي ذكر النبي ﷺ البخل والكذب والشنظير، وبالرفع عطفًا على قوله خمسة.