آدَمُ: عَظُمَتْ مُصِيبَتِي يَا إِلَهِي، وَأَحَاطَتْ بِي خَطِيئَتِي، وَخَرَجْتُ مِنْ مَلَكُوتِ رَبِّي، فَأَصْبَحْتُ فِي دَارِ الْهَوَانِ بَعْدَ الْكَرَامَةِ، وَفِي دَارِ الشَّقَاءِ بَعْدَ السَّعَادَةِ، وَفِي دَارِ الْبَلاءِ بَعْدَ الْعَافِيَةِ، وَفِي دَارِ الظَّعْنِ وَالزَّوَالِ بَعْدَ الْقَرَارِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَفِي دَارِ الْفَنَاءِ بَعْدَ الْخُلْدِ وَالْبَقَاءِ، وَفِي دَارِ الْغُرُورِ بَعْدَ الأَمْنِ، يَا إِلَهِي! فَكَيْفَ لا أَبْكِي عَلَى خَطِيئَتِي؟ أَمْ كَيْفَ لا تَحْزُبُنِي نَفْسِي؟ أَمْ كَيْفَ لِي أَنْ أَجْتَبِرُ هَذِهِ الْبَلِيَّةَ وَالْمُصِيبَةَ يَا إِلَهِي؟ . قَالَ اللَّهُ لَهُ: أَلَمْ أَصْطَفِكَ لِنَفْسِي، وَأَحْلَلْتُكَ دَارِي، وَاصْطَفَيْتُكَ عَلَى خَلْقِي، وَتَخَصَّصْتُكَ بِكَرَامَتِي، وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّتِي، وَحَذَّرْتُكَ سَخَطِي؟ أَلَمْ أُبَاشِرْكَ بِيَدِي، وَأَنْفُخْ فِيكَ مِنْ رَوْحِي، وَأُسْجِدْ لَكَ مَلَائِكَتِي؟ أَلَمْ تَكُنْ جَارِي فِي بُحْبُوحَةِ كَرَامَتِي، تَتَبَوَّأُ فِي بُحْبُوحَةِ جَنَّتِي حَيْثُ تَشَاءُ مِنْ كَرَامَتِي، فَعَصَيْتَ أَمْرِي، وَنَسِيتَ عَهْدِي، وَضَيَّعْتَ وَصِيَّتِي؟ فَكَيْفَ تَسْتَنْكِرُ نِقْمَتِي؟ فَوَعِزَّتِي وَجَلالِي، لَوْ مَلَأْتُ الأَرْضَ رِجَالًا، كُلَّهُمْ مِثْلَكَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ، ثُمَّ عَصَوْنِي، لأَنْزَلْتُهُمْ مَنَازِلَ الْعَاصِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَحِمْتُ ضَعْفَكَ، وَأقَلْتُكَ عَثْرَتَكَ، وَقَبِلْتُ تَوْبَتَكَ، وَسمعت تَضَرُّعَكَ، وَغَفَرْتُ ذَنْبَكَ، فَقُلْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَعَلِمْتُ السُّوءَ، فتُبْ عَلِيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، فَقَالَهَا آدَمُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: قُلْ: لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَعَمِلْتُ السُّوءَ فَاغْفِرْ لِي، إِنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَقَالَ آدَمُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: قُلْ: لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمِّدَك، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَعَمِلْتُ السُّوءَ فَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. قَالَ: وَكَانَ آدَمُ قَدِ اشْتَدَّ بُكَاؤُهُ وَحُزْنُهُ لَمَّا كَانَ مِنْ عِظَمِ مُصِيبَتِهِ، حَتَّى أَنْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ لَتَحْزُنُ لِحُزْنِهِ، وَتَبْكِي لِبُكَائِهِ، فَبَكَى عَلَى الْجَنَّةِ، مِائَتَيْ سَنَةٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ بِخَيْمَةٍ مِنْ خِيَامِ الْجَنَّةِ، فَوَضَعَهَا لَهُ فِي مَوْضِعِ الْكَعْبَةِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ الْكَعْبَةُ "، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، قَالَ: " فَبَكَى آدَمُ ثَلَاثَ مِائَةِ عَامٍ عَلَى جَبَلِ الْهِنْدِ، تَجْرِي دُمُوعُهُ فِي أَوْدِيَةِ جِبَالِهَا. قَالَ: فَنَبَتَتْ بِتِلْكَ الْمَدَامِعِ أَشْجَارُ طِيبِكُمْ هَذَا، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ يَؤُمُّ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، فَجَعَلَ يَخْطُو الْخُطْوَةَ، فَيَكُونُ مَوَاضِعُ قَدَمَيْهِ دَسَاكِرُ وَعمْرَانٌ، وَبَيْنَهُمَا مَفَاوِزُ وَبَرَارِي، حَتَّى أَتَى الْبَيْتَ، وَطَافَ أُسْبُوعًا، فَبَكَى حَتَّى خَاضَ فِي دُمُوعِهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى، فَبَكَى سَاجِدًا حَتَّى فَاضَتْ دُمُوعُهُ وَجَرَتْ عَلَى الأَرْضِ، فَنُودِيَ عِنْدَ ذَلِكَ: يَا آدَمُ، قَدْ رَحِمْتُ ضَعْفَكَ، وَقَبِلْتُ تَوْبَتَكَ، وَغَفَرْتُ ذُنُوبَكَ، فَقُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، عَمِلْتُ سُوءًا، وَظَلَمْتُ نَفْسِي، فَتُبْ عَلِيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرِّحِيمُ، فَاغْفِرْ لِي وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ، وَارْحَمْنِي وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ. قَالَ: فَمَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ لا يُبْدِي عَنْ وَاضِحِهِ، حَتَّى أَتَاهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: حَيَّاكَ اللَّهُ يَا آدَمُ وَبَيَّاكَ. قَالَ: فَضَحِكَ " ! ١٦٢ وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ السَّمَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " أَنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ تَسَاقَطَ عَنْهُ جَمِيعُ زِينَةٍ الْجَنَّةِ، وَلْم يَبْقَ