إن آخر ما يبقى من النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت". قال أبو أسامة يقول: استكثر من الخير ما استطعت. قال الإمام أحمد: وقرأت في "كتاب (¬١) الغريبين" في معنى هذا الحديث، قال: هذا أمر معناه الخبر، كانه قال: من لم يستح صنع ما شاء ومثله قوله: "فليتبوأمقعده من النار". قال: وقال ثعلب (¬٢): هذا على الوعيد معناه: إذا لم تستح فاصنع ما شئت فإن الله مجازيك، ومثله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (¬٣). قال أبو سليمان الخطابي (¬٤): معنى قوله "النبوة الأولى" أن الحياء لم يزل ممدوحًا على ألسن الأنبياء الأولين ومأمورًا به، لم ينسخ فيما نسخ من الشرائع، فالأولون والآخرون فيه على منهاج واحد. وقوله: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" لفظه لفظ أمر، ومعناه الخبر، يقول: إذا لم يكن لك حياء يمنعك من القبيح صنعت ما شئت يريد ما تأمرك به النفس، وتحملك عليه مما لا تحمد عاقبته، وحقيقته من لم يستح صنع كما شاء. وفيه وجه آخر: وهو أن يكون أراد به افعل ما شئت من شيء لا يُستحيا منه أي: ما يستحيا منه، فلا تفعله، وفيه وجه ثالث: وهو أن يكون معناه الوعيد لقوله ﷿: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (¬١). قال الإمام أحمد: وهذه الأقاويل التي حكيناها متفقة في المعنى، وإن كانت مختلفة في اللفظ (¬٢). وقال الحليمي (¬٣) ﵀: وإذا حافظ على الجماعة حياء من الناس فهي على وجهين: أحدهما: أن يخاف ذم الجيران إياه فلا يفارق المسجد ليحمدوه وليثنوا عليه خيًرا، فهذارياء فليس بمحمود. والآخر أن يكون حياؤه من الله ﷿ بالحقيقة فيخشى أنه إن فارق الجماعة كان من عاجل عقوبة الله إياه أن يبسط المسلمون فيه ألسنتهم بالذم، وإذا كان معها كان من عاجل ما يثيبه الله به أن يطلق المسلمون ألسنتهم فيه بالمدح، فيكون خوفه ذم الناس، وحبه مدحهم متعلقًا بالله ﷿ لا بغيره، فهذا محمود. ويستحيي الولد من الوالد، والمرأة من زوجها، والجاهل من العالم، والصغير من الكبير، والواحد من الجماعة، فيريد الأدون أن يعمل على عين الأكمل عملا من حقوق الناس بحق مثله للأكمل، فيخاف أن يقع منه عنده على وجه يذمه فيدعه، فذاك استحياؤه، وهذا أيضًا محمود؛ لأن فيه مراعاة الناقص حق الكامل وإذعانه لهم لأجل الفضل الذي يعلمه له على نفسه.