إلى قومِه، فقال: تَعلمونَ بعقله بأساً؟ تُنكِرون منه شيئاً؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وَفيَّ العقل من ⦗٥١٨⦘ صالِحينا فيما نُرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضاً، فسألَ عنه؟ فأخبروه أنه لا بأسَ به، ولا بعقله، فلما كان الرابعةَ حَفَرَ لهُ حفرَة، ثم أَمَرَ به فَرُجِمَ، قال: فجاءت الغامِديَّةُ فقالت: يارسولَ الله، إني قد زَنيتُ فَطَهِّرني، وإنه رَدَّها، فلما كان من الغد قالت: يا رسول الله، لِمَ تَرُدُّني؟ لَعَلَّكَ أنْ تَرُدَّني كما ردَدْتَ ماعزاً، فوالله إني لَحُبلى، قال: إمَّا لا، فَاذهبي حَتى تلدي، فلما ولَدتْ أَتتهُ بالصبي في خِرَقَةٍ، قالت: هذا قد وَلَدْتُهُ، قال: فاذهبي فأرِضعيهِ حتى تفطميهِ، فلما فَطَمْتُهُ، أتتهُ بالصبيِّ في يده كِسرَةُ خُبْزٍ، فقالت: هذا يا نبيَّ الله قد فَطَمْتُهُ، وقد أكَلَ الطَّعامَ، فَدفَعَ الصبيَّ إلى رجل من المسلمين، ثم أمَرَ بها فَحُفِرَ لها إلى صدرها، وأمَرَ النَّاسَ فَرَجُموها، فَيُقْبلُ خالدُ بن الوليد بحَجرٍ فَرمى رأسها، فَتنَضَّح (١) الدَّمُ على وجه خالدٍ، فَسبَّها، فَسَمع نبي الله ﷺ سَبَّهُ إياها، فقال: مَهْلاً يا خالدُ، فَوالذي نَفْسي بيَدِهِ لقد تابتْ توبةً لو تَابها صاحِبُ مكْسٍ لَغُفِرَ لَه (٢) ، ثم أمَرَ ⦗٥١٩⦘ بها فَصُلَّى عليها (٣) ودُفِنَتْ» . وفي رواية قال: «جاء مَاعِزٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولَ الله طَهِّرْني، قال: وَيْحَكَ، ارجِع، فاسْتَغْفِر الله وتُبْ إليه، فَرَجَعَ غيرَ بعيدٍ، ثم جاء، فقال: يا رسولَ الله، طَهِّرني، قال: ويحك، [ارجع فـ] استغفر الله، وتُب إليه، فرجع غير بعيدٍ، ثم جاء، فقال: يا رسولَ الله طَهِّرني، فأعَادَ القولَ، وأعادَ هو، حتى إذا كانت الرابعةُ قال له رسولُ الله ⦗٥٢٠⦘ ﷺ: مِمَّ أُطَهِّرُكَ؟ قال: مِنَ الزِّنا، فقال رسولُ الله ﷺ: أَبهِ جُنونٌ؟ فَأُخْبِرَ أنه ليس بمجنون، فقال: أَشَرِبَ خَمْراً؟ فقام رجلٌ فاستَنكهَهُ (٤) ، فلم يَجِد مِنه ريحَ خمرٍ، فقال رسولُ الله ﷺ: أزَنَيتَ؟ قال: نعم، فَأمَرَ به فَرُجِمَ، فكان النَّاسُ [فيه] فِرْقَتَينِ، فَقَائِلٌ يقول: قد هَلَكَ، لقد أحَاطَت به خَطيئَتُهُ. وقائِلٌ يقولُ: ما توبةٌ أفْضَلَ من توبةِ مَاعِزٍ، إنه جاء إلى رسولِ الله ﷺ، فَوَضَع يَدَهُ في يَدِهِ، ثم قال: اقْتُلْني بالحجارةِ، قال: فَلَبثُوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسولُ الله ﷺ وهم جُلُوسٌ، فَسَلَّمَ، ثم جَلَسَ فقال: اسْتَغفِروا لمَاعِزِ بن مالكٍ، فقالوا: غَفَرَ الله لَمِاعِزِ ابنِ مالكٍ [قال] : فقال رسولُ الله ﷺ: لقدْ تَابَ توبَة لوْ قُسِمَتْ بينَ أُمَّةٍ لَوَسِعتْهُمْ، قال: ثم جَاءتْهُ امرأَةٌ مِنْ غَامِدٍ (٥) من الأزدِ، فقالت: يا رسولَ الله طَهِّرْني، فقال: ويحَكِ، ارْجعي فاستَغفري الله وتُوبي إليه، قالت: أراك تُريدُ أنْ تُردَّني كما رَدْدتَ ماعزَ بنَ مالكٍ، قال: وما ذاك؟ قالت: إنها حُبلى مِن الزنا، قال: أنتِ؟ قالت: نعم، فقال لها: حتى تَضعي ما في ⦗٥٢١⦘ بطْنِكِ، قال: فَكفَلَها (٦) رجلٌ من الأنصارِ حتى وَضَعَتْ، قال فَأتى النبيَّ ﷺ، فقال: قد وَضعَتْ الغامِديَّةُ، فقال: إذاً لا نَرْجُمها ونَدَعُ وَلَدَها صَغِير السِّنِّ ليسَ له من يُرِضعُهُ، فقام رجلٌ من الأنصار فقال: إلَيَّ رضَاعُه يا نَبيَّ الله، فَرجَمَها» . هذه رواية مسلم. وأخرج أبو داود منه قصةَ الغامديَّة بنحو الرواية. وله في أخرى: «أنَّ النبي ﷺ استنكَهَ مَاعِزاً» . وله في أخرى قال: «كُنا أصحابَ رسولِ الله ﷺ نَتَحدَّثُ: أنَّ الغامِديَّةَ وماعِزَ ابنَ مالكٍ لو رجَعَا بعد اعترافهما - أو قال: لو لم يرجعا بعد اعترافهما - لم يطْلُبْهُما، وإنما رجمهما عندَ الرابعة» (٧) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (إمَّا لا) : يقال: افعل ذاك إمَّا لا، يعني: إن لم تفعل هذا فافعل هذا، وقد تقدم شرح ذلك مستقصى في كتاب الحج. ١٨٣٥ - (خ م ت د) أبو هريرة ﵁ قال: «أتى ⦗٥٢٢⦘ رجلٌ من أسلَمَ رسولَ الله ﷺ وهو في المسجد، فنادَاهُ: يا رسولَ الله: إنَّ الأخِرَ (١) قد زَنى - يعني: نفسَه - فأعرض عنه فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجههِ الذي أعرَضَ قِبَلَهُ، فقال له ذلك، فأعرضَ، فَتنَحَّى الرَّابعةَ، فَلمَّا شَهدَ على نفسهِ أربعَ مَرَّاتٍ دعاهُ، فقال: هل به جنُونٌ؟ قال: لا، قال النبيُّ ﷺ: اذهبوا به فارجموهُ، وكان قد أحصنَ - قال ابنُ شِهابٍ: فأَخبَرَني مَنْ سَمعَ جابرَ بنَ عبد الله يقول: فَرَجمنَاهُ بالمدينةِ، فلما أَذَلَقَتْهُ الحجارةُ جَمز (٢) حتى أدركناه بالحَرَّةِ، فَرجَمنَاهُ حتى ماتَ» هذه رواية البخاري ومسلم. [ورواية مسلم عن أبي هريرة هكذا: «أتى رجلٌ من المسلمين رسولَ الله ﷺ، وهو في المسجد، فنَادَاهُ، فقال: يا رسولَ الله، إني زنيتُ، فأعرضَ عنه فتَنحَّى تلْقاءَ وجهه، فقال له: يا رسولَ الله، إني زنيتُ، فأعرض عنه حتى ثَنَى ذلك (٣) عليه أربعَ مَرَّاتٍ، فلما شَهِدَ على نَفسهِ أربعَ ⦗٥٢٣⦘ مَرَّاتٍ، فلمَّا شَهِدَ على نفسهِ أربعَ شَهاداتٍ، دعاهُ رسولُ الله ﷺ، فقال: أبِكَ جنونٌ؟ قال: لا، قال: فهل أَحصنتَ؟ قال: نعم، فقال: رسولُ الله ﷺ: اذْهَبوا بهِ فَارجُمُوه» .] (٤) . وفي رواية أبي داود قال: «جَاءَ رسولَ الله ﷺ الأسلميُّ، فَشهدَ على نَفسهِ: أنَّه أصابَ امرأة حَرَاماً أرْبعَ شهاداتٍ، كلُّ ذلك يُعرِضُ عنه، فأقبلَ في الخامسة عليه فقال: أَنِكْتَها؟ قال: نعم، قال رسولُ الله ﷺ: حتى غابَ ذلك مِنكَ في ذلك مِنها؟ قال: نعم، قال: كما يَغيبُ الميلُ في المُكْحُلَةِ، والرِّشاءُ في البئْر؟ قال: نعم، قال: هل تَدري مَا الزِّنا؟ قال: نعم، أتيتُ منها حَراماً ما يأتي الرَّجُلُ من أهُلِهِ حَلالاً، قال: فما تُريدُ بهذا القولِ؟ قال: إني أُريدُ أنْ تُطَهرَني، فأمرَ به فَرُجِمَ، فَسمِعَ رسولُ الله ﷺ[رجلين] من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انْظرُوا إلى هذا الذي سترَ الله عليه فلم تَدَعْهُ نفسهُ حتى رُجِمَ رجمَ الكلب، فسكت عنهما، وسارَ ساعَةً حتى مَرَّ بِجيفةِ حمارٍ شَائِلاً رِجْلَهُ، فقال: أينَ فُلَانٌ وفلانٌ؟ فقالا: نحنُ ذَانِ يارسولَ الله، قال: كلا من جيفة هذا الحمار، فقالا: يا نبي الله، من يأكل من هذا؟ قال: فما نِلتُما مِنْ عِرْضِ أخيكُما آنفاً أشدُّ من أكْلٍ منه والذي نفسي بيده، إنَّه الآنَ لفي أنْهارِ الجنَّةِ ⦗٥٢٤⦘ يَنغمِس فيها (٥) » . وفي رواية الترمذي قال: «جاء مَاعِزٌ الأسلميُّ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: إنَّه قد زَنى، فأعرضَ عنه، ثم جَاءه من شِقِّهِ الآخر فقال: يا رسولَ الله، إنه قد زَنى، فأعرض عنه ثم جَاءهُ مِنْ شِقِّه الآخر فقال: يا رسول الله، إنه قد زنى، فَأمرَ به في الرابعةِ فَأخرَجَ إلى الحرَّةِ، فَرُجمَ بالحجارةِ، فَلمَّا وَجدَ مَسَّ الحجارة فَرَّ يشتَدُّ حتَّى مَرَّ برجلٍ معهُ لَحْيُ جَملٍ، فَضرَبه وضَرَبهُ النَّاس حتى ماتَ، فَذكروا ذلك لرسولِ الله ﷺ: أنَّه فَرَّ حين وجدَ مَسَّ الحجارة ومَسَّ الموتِ، فقال رسولُ الله ﷺ: هَلَاّ تَرَكتُموهُ؟» (٦) . ⦗٥٢٥⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (أذلقته) : أذلقه الأمر: إذا بلغ منه الجهد والمشقة حتى قلق.