مُعَاوِيَةُ: إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ حَدِيثَ حَاتَمِ طَيِّئٍ وَمَاوِيَّةَ بِنْتِ عَفْزَرَ، وَكَانَتْ تُلَقَّبُ بِالزَّبَّاءِ، وَكَانَ اسْمُهَا مَاوِيَّةَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَفَلا أُحَدِّثُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ مَاوِيَّةَ بِنْتَ عَفْزَرَ كَانَتْ مَلِكَةً، وَكَانَتْ تَتَزَوَّجُ مَنْ أَرَادَتْ، وَأَنَّهَا بَعَثَتْ غِلْمَانًا لَهَا، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يَأْتُوهَا بِأَوْسَمِ مَنْ يَجِدُونَهُ بِالْحِيرَةِ، فَجَاءُوهَا بِحَاتِمٍ، فَقَالَتْ لَهُ: اسْتَقْدِمْ إِلَى الْفِرَاشِ، فَقَالَ: حَتَّى أُنْبِئَكِ بِحَالِي. فَقَعَدَ عَلَى الْبَابِ، فَقَالَ: إِنِّي أَنْتَظِرُ صَاحِبَيْنِ لِي. فَقَالَتْ: دُوْنَكَ فَاسْتَدْخِلِ الْمِجْمَرَ. فَقَالَ حَاتِمُ: اسْتِي لَمْ تُعَوَّدِ الْمِجْمَرَ، فَأَرْسَلَهَا مَثَلا وَارْتَابَتْ بِهِ، وَسَقَتْهُ خَمْرًا، فَجَعَلَ يُهْرِيقُهُ تَحْتَ الْبَابِ وَلا تَرَاهُ، تَحْتَ اللَّيْلِ. ثُمَّ قَالَ: مَا أَنَا بِقَارٍ وَلا ذَائِقٍ خَمْرًا حَتَّى أَنْظُرَ مَا فَعَلَ صَاحِبَايَ. فَقَالَتْ: إِنَّا سَنُرْسِلُ إِلَيْهُمَا بِقِرًى. فَقَالَ: لَيْسَ بِنَافِعِي شَيْئًا حَتَّى آتِيَهُمَا، فَأَتَاهُمَا، فَقَالَ: أَفَتَكُونَانِ عَبْدَيْنِ لِابْنَةِ عَفْزَرَ يَرْعَيَانِ عَلَيْهَا أَحَبُّ إِلَيْكُمَا أَمْ تَقْتُلُكُمَا؟ فَقَالا: كُلُّ هَذَا نَقُصُّهُ، أَيْ نَتَّبِعُ أَثَرَهُ، وَلَبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضٍ. فَقَالَ حَاتِمٌ: فَشَأْنُكُمَا وَالرَّحِيلُ وَالنَّجَاءُ فِي الْبِلادِ عَنْهَا هَرَبًا، فَأَنْشَأَ حَاتِمٌ يَقُولُ فِي ذَلِكَ يَذْكُرُهَا فِي شِعْرِهِ وَمَا حَبَسَ نَفْسَهُ عَنِ الرِّيبَةِ، وَأَنَّهُ عَفِيفٌ لَيْسَ مِمَّنْ يَأْتِي الرِّيَبَ. وَابْنَةُ عَفْزَرَ كَانَتْ بِالْحِيرَةِ، وَكَانَ النُّعْمَانُ مَنْ يِأْتِيهِ يُرِيدُ كَرَامَتَهُ أَنْزَلَهُ عَلَيْهَا فَقَالَ: حنَّتْ إِلَى الأَجْبَالِ أَجْبَالُ طَيٍّ ... وَجُنَّتْ جُنُونًا أَنْ رَأَتْ سَوْطَ أَحْمَرَا أَحْمَرُ: قَالَ عَمِّي: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ كَانَ يَسُوقُ لِحَاتِمٍ إِذَا وَفَدَ إِلَى الْمُلُوكِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى: أَحْمَرُ: اسْمُ رَجُلٍ كَانَ يَعْمَلُ السِّيَاطِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقُلْتُ لَهَا إِنَّ الطَّرِيقَ أَمَامَنَا ... وَإِنَّا لَمُحْيُو أَرْضِنَا إِنْ تَيَسَّرَا فَيَا أَخَوَيْنَا مِنْ جَدِيلَةَ إِنَّمَا ... تُسَامَانِ ضَيْمًا مُسْتَبِينًا فَتَنْظُرَا فَمَا نَكَرَاهُ غَيْرَ أَنَّ ابْنَ مِلْقَطٍ ... أَرَاهُ وَقَدْ أُعْطَى الْمَقَادَةُ أَوْجَرَا وَإِنِّي لَمِزْجَاءُ الْمَطِيِّ عَلَى الْوَجَا ... وَمَا أَنَا مِنْ خِلانِكِ ابْنَةَ عَفْزَرَا وَمَا زِلْتُ أَسْعَى بَيْنَ نَابٍ وَدَارَةٍ ... بِلَحْيَانَ حَتَّى خِفْتُ أَنْ أَتَنَصَّرَا وَحَتَّى حَسِبْتُ اللَّيْلَ وَالصُّبْحَ إِذْ بَدَا ... حِصَانَيْنِ مُشْتَالَيْنِ جَوْنًا وَأَشْقَرَا وَإِنِّي لَوَهَّابٌ قَطُوعِي وَنَاقَتِي ... إِذَا مَا انْتَشَيْتُ وَالْكُمَيْتَ الْمُصَدَّرَا لَشِعْبٌ مِنَ الرَّيَّانِ أَمْلِكُ بَابَهُ ... أُنَادِي بِهِ أَهْلَ الْكَبِيرِ وَجَعْفَرَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ خَطِيبٍ لَقِيتُهُ ... إِذَا قُلْتُ مَعْرُوفًا لَهُ قَالَ مُنْكَرَا تُنَادِي إِلَى جَارَاتِهَا: إِنَّ حَاتِمًا ... أَرَاهُ لِعَمْرِي بَعْدَنَا قَدْ تَغَيَّرَا تَغَيَّرْتُ إِنِّي غَيْرُ آتٍ دَنِيَّةً ... وَلا قَائَلٍ يَوْمًا لِذِي الْعُرْفِ مُنْكَرَا رَأَتْنِي كَأَشْلاءِ اللِّجَامِ وَلَنْ تَرَى ... أَخَا الْحَرْبِ إِلا سَاهِمَ الْوَجْهِ أَغْبَرَا أَخَا الْحَرْبِ إِنْ عَضَّتْ بِهِ الْحَرْبُ عَضَّهَا ... وَإِنْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا الْحَرْبُ شَمَّرَا مَتَى تَبْغِ وُدًّا مِنْ جَدِيلَةَ تَلْقَهُ ... مَعَ الشَّنِّ مِنْهُ بَاقِيًا مُتَأَثِّرَا فَإِلا يُعَاودْنَا جَهَارًا نُلاقِهِمْ ... لأَعْدَائِنَا رِدْءًا دَلِيلا وَمُنْذِرَا فَلا تَسْأَلِينِي وَاسْأَلِي أَيَّ فَارِسٍ ... إِذَا الْخَيْلُ جَالَتْ فِي قَنًا قَدْ تَكَسَّرَا وَلا تَسْأَلِينِي وَاسْأَلِي بِيَ صُحْبَتِي ... إِذَا مَا الْمَطِيُّ بِالْفَلاةِ تَضَوَّرَا وَلا تَسْأَلِينِي وَاسْأَلِي أَيَّ يَاسِرٍ ... إِذَا وَرَقُ الطَّلْحِ الطِّوَالِ تَحَسَّرَا فَلا هِيَ مَا تَرْعَى جَمِيعًا عِشَارَهَا ... وَيُصْبِحُ ضَيْفِي سَاهِمَ الْوَجْهِ أَغْبَرَا مَتَى تَرَنِي أَمْشِي بِسَيْفِيَ وَسْطَهَا ... تَخَفْنِي وتُضْمِرْ بَيْنَهَا أَنْ تُجَزَّرَا أَيْ لا تَخْتَرِطُ مِنَ الْفَرَقِ. إِذَا حَالَ دُونِي مِنْ سُلامَانَ رَمْلَةٌ ... وَجَدْتُ تَوَالِي الْوَصْلِ عِنْدِيَ أْبَتَرا " إِنَّ حَاتِمًا دَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَيْهَا بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ عِنْدِهَا، فَأَتَاهَا فَخَطَبَهَا، فَوَجَدَ عِنْدِهَا النَّابِغَةَ الذُّبْيَانِيَّ، وَرَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ النَبِيتِ، وَهُمْ مِنَ الأَوْسِ، فَقَالَتْ: انْقَلِبُوا إِلَى رِحَالِكُمْ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ غَيْرُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِيمَا حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحِ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءَ طَيِّئٍ، قَالُوا: كَانَتِ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا: مَاوِيَّةُ نَذَرَتْ نَذْرًا، لا يَخْطِبُهَا كَرِيمٌ إِلا تَزَوَّجَتْهُ، وَلا يَخْطِبُهَا لَئِيمٌ إِلا جَدَعَتْهُ، فَتَنَاذَرَهَا النَّاسُ، فَقَدِمَ عَلَيْهَا مِنَ الْجَبَلَيْنِ، جَبْلَيْ طَيِّئٍ، أَوْسُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ لأْمٍ الْجَدِيلِيُّ، وَزَيْدُ الْخَيْلِ النَّبْهَانِيُّ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ طَيِّئٍ، وَحَاتِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْحَشْرَجِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أَخْزَمَ بْنِ أَبِي أَخْزَمَ، وَاسْمُهُ هزُومَةُ، وَهُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ بْنِ جَرْوَلِ بْنِ ثُعَلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْغَوْثِ بْنِ طَيِّئٍ، فَقَالَتْ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: أَتَيْنَاكَ خُطَّابًا. قَالَتْ: وَمَا الَّذِي قَدْ بَلَغَ مِنْ فِعَالِكُمْ أَنِ اجْتَرَأْتُمْ عَلَى خِطْبَتِي؟ فَقَالَ أَوْسُ بْنُ حَارِثَةَ: إِنِّي أَخَذْتُ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ شَارِبِي، فَقَالَتْ لِي سُعْدَى أَمِّي: إِنَّ لِأَخْذِكَ مِنْ شَعْرِ شَارِبِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَتَلَقَّطْتُ مَا كَانَ سَقَطَ مِنْ شَعْرِ شَارِبِي فَأَعْتَقْتُ بِكُلِ شَعْرَةٍ سَبِيَّةٍ مِنَ الْعَرَبِ. وَلِي أَرْبَعَةُ آبَاءٍ قَدْ رَبَعُوا الْغَوْثَ وَجَدِيلَةَ، وَلِي أَرْبَعَةُ بَنِينَ كُلُّهُمْ مِنِّي خَلَفٌ. قَالَتْ: أَمْسِكْ.