بني أُمَيَّة على مِنْبَرِهِ، فَسَاءَهُ ذلك فأوحى اللَّهُ إليه: إنما هو مُلْكٌ يُصيبونَهُ، ونزلت: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [سورة القَدْر: الآية ١ - ٣] . (٨/ ٢٨٠) في ترجمة (حَدِيد بن حَكِيم المَدَائني) . مرتبة الحديث: منكر جدًّا. جُلُّ رواته من المجاهيل والشِّيْعَة الذين وُصِفَ بعضهم بالغُلُوِّ، مع نَكَارَةِ مَتْنِهِ كما سيأتي بيانه. ففي إسناده (داود بن عليّ بن عبد اللَّه بن عبَّاس الهاشمي أبو سليمان) ، قال الذَّهَبِيُّ عنه في "المغني" (٢/ ٢١٩) : "ليس حديثه حجَّة. قال ابن مَعِين: أرجو أنَّه لا يكذب" . وقال في "الكاشف" (١/ ٢٢٣) : "وثِّق" . وقال ابن حَجَر عنه في "التقريب" (٢/ ٢٣٣) : "أمير مكة وغيرها، مقبول، من السادسة، مات سنة ثلاث وثلاثين -يعني ومائة-، وهو ابن اثنين وخمسين" / بخ ت. وقال ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٣٥٩) : "عندي أنَّه لا بأس برواياته عن أبيه عن جدّه، فإنَّ عامَّة ما يرويه: عن أبيه عن جدِّه" . وانظر: "تهذيب الكمال" (٨/ ٤٢١ - ٤٢٥) ، و "تهذيب التهذيب" (٣/ ١٩٤) لمزيد تفصيل. كما أنَّ فيه (أبو الجَحَّاف) وهو (داود بن أبي عَوْف سُوَيْد التَّمِيمي البُرْجُمِي) ، قال ابن حَجَر عنه في "التقريب" (١/ ٢٣٣) : "صدوق شيعي، ربما أخطأ، من السادسة" / ت س ق. وقال الذَّهَبِيُّ في "الكاشف" (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤) : "وثَّقه أحمد ويحيى. وقال أبو حاتم: صالح الحديث قليله" . وانظر: "تهذيب الكمال" (٨/ ٤٣٤ - ٤٣٧) ، و "تهذيب التهذيب" (٣/ ١٩٦ - ١٩٧) لمزيد تفصيل. و(عليّ بن حَدِيد بن حَكِيم المَدَائِني) لم أقف على من ترجم له في كلِّ ما رجعتُ إليه. أمَّا أبوه (حَدِيد بن حَكِيم الأَزْدي المَدَائِني) -صاحب الترجمة- فقد ذكره الدَّارَقُطْنِيّ في "المُؤْتَلِف والمُخْتَلِف" (٢/ ٧٧٥) وقال: "حَدِيد بن حَكِيم الأَزْدِيّ، وأخوه مُرَازِم، من شيوخ الشِّيْعَة، وممَّن يروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللَّه، ذكره ابن فضال" . ومثله في "الإكمال" لابن مَاكُولا (٢/ ٥٤) . أمَّا الخطيب فإنَّه لم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا. وقد ذكر الحافظ ابن حَجَر في "اللسان" في ترجمته (٢/ ١٨١ - ١٨٢) توثيقه عن ابن النجاشي الشِّيْعي. و(الحسين بن أيوب الخَثْعَمِي)، لم أقف على من ترجم له في كُلِّ ما رجعت إليه. أمَّا (أحمد بن محمد بن سعيد) فهو (أبو العبَّاس ابن عُقْدَة الكوفي) المتوفى سنة (٣٣٢ هـ) عن (٨٤) عامًا. وقد ترجم له في: ١ - "الكامل" (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩) وقال: "كان صاحب معرفة وحفظ، ومقدَّم في هذه الصنعة، إلَّا أنِّي رأيت مشايخ بغداد مُسيئةً الثناء عليه ". وقال:" لم أجد بُدًّا من ذكره لأنِّي شرطت في أول كتابي هذا أن أذكر كل من تكلَّم فيه متكلِّم ولا أبالي، ولولا ذاك لم أذكره، للذي كان فيه من الفضل والمعرفة ". ٢ - " المغني "(١/ ٥٥) وقال:" شيعي، وضعَّفه غير واحد ". ٣ - " الميزان "(١/ ١٣٦ - ١٣٨) وقال:" محدِّث الكوفة، شيعي، متوسط، ضعَّفه غير واحد. وقوَّاه آخرون ". ٤ - " تذكرة الحفَّاظ "(٣/ ٨٣٩ - ٨٤٢) وقال:" حافظ العصر والمحدِّث البحر ". وقال بعد أن امتدح اتساع حفظه وقوَّة حافظته:" ولو صان نفسه وجوَّد، لضُربت إليه أكباد الإِبل، ولَضُرِبَ بإمامته المثل، لكنَّه جمع فأوعى، وخَلَطَ الغَثَّ بالسَّمين، والخَرَزَ بالدُّرِّ الثَّمين، ومُقِتَ لتشيُّعه ". وانظر لمزيد تفصيل في بيان حاله:" تاريخ بغداد "(٥/ ١٤ - ٢٣)، و" سِيَر أعلام النبلاء "(١٥/ ٣٤٠ - ٣٥٥)، و" اللسان "(١/ ٢٦٣ - ٢٦٦). و(محمد بن أحمد بن الحسن القَطَواني) لم أقف على من ترجم له في كُلِّ ما رجعت إليه. وباقي رجال الإسناد حديثهم حسن. التخريج: رواه ابن الجَوْزي في" العلل المتناهية "(١/ ٢٩٣ - ٢٩٤) عن الخطيب من طريقه المتقدِّم، وقال:" هذا حديث لا يصحُّ. وأحمد بن محمد بن سعيد هو ابن عُقْدَة، قال الدَّارَقُطْنِيّ: كان رجل سوء. وقال ابن عدي: رأيت مشايخ بغداد يسيئون الثناء عليه، ويقولون كان لا يتدين بالحديث، ويحمل شيوخنا بالكوفة على الكذب، ويُسَوِّي لهم نُسَخًا ويأمرهم برواياتها. وأكثر رجال هذا الإسناد مجاهيل". أقول: ما نقله ابن الجَوْزي عن ابن عدي ليس له، عدا قوله: "رأيت مشايخ بغداد يسيئون الثناء عليه" . وإنما هو من قول: (أبي بكر بن أبي غالب) نقله عنه، كما في "الكامل" (١/ ٢٠٨) . وابن عدي كما تقدم يقوِّي أمره. وقد ذكره السُّيُوطيُّ في "الدُّرِّ المنثور" (٨/ ٥٦٩) ولم يعزه إلَّا للخطيب. وقد روى التِّرْمِذِيُّ في التفسير، باب ومن سورة القَدْر (٥/ ٤٤٤ - ٤٤٥) رقم (٣٣٥٠) ، وغيره ، نحوه، من حديث الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وضعَّفه. وتكلَّم الحافظ ابن كثير في أول تفسيره لسورة (القَدْر) (٤/ ٥٦٦ - ٥٦٧) على حديث الحسن بن عليّ هذا مطوَّلًا، وردَّه إسنادًا ومَتْنًا بتحقيقٍ نفيسٍ ونَقْدٍ عالٍ؛ وقال: "منكر جدًّا" . ونقل عن شيخه الإمام المِزِّيّ قوله فيه: "منكر" . وممَّا قاله الإمام ابن كثير في نقد مَتْنِه: "وممَّا يدلُّ على ضعف هذا الحديث، أنه سيق لذمِّ بني أُمَيَّة. ولو أريد ذلك لم يكن بهذا السياق، فإن تفضيل ليلة القَدْرِ على أيامهم -يعني أيام بني أُمَيَّة- لا يدل على ذَمِّ أيامهم، فإنَّ ليلة القَدْرِ شريفة جدًّا، والسورة الكريمة إنما جاءت لمدح ليلة القَدْر، فكيف تمدح بتفضيلها على أيام بني أُمَيَّة التي هي مذمومة بمقتضى هذا الحديث! ! . . . ثم الذي يفهم من الآية أنَّ الألف شهر المذكورة في الآية هي أيام بني أُمَيَّة ، والسورة مَكِّيَّةٌ، فكيف يحال على ألف شهر هي دولة بني أُمَيَّة! ولا يدلُّ عليها لفظ الآية ولا معناها! . والمنبر إنما صُنعَ بالمدينة بعد مدة من الهِجْرَة؛ فهذا كلُّه ممَّا يدلُّ على ضعف الحديث ونكارته، واللَّه أعلم. وفي "المنار المنيف" لابن القَيِّم ص ١١٧: "كُلُّ حديث في ذَمِّ بني أُمَيَّة فهو كذب" . * * *