إلى المِرْبَد، فرأى عثمان بن عفَّان يقود ناقة تحمل دَقِيقًا وسَمْنًا وعَسَلًا. فقال له رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: "أَنِخْ" فأَنَاخَ، فدعا بِبُرْمَةٍ فجعل فيها من السَّمْنِ والعَسَلِ والدَّقِيقِ، ثم أمر فأوقد تحتها حتى نضج. ثم قال: "كُلُوا" ، فَأَكَلَ منه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم، ثم قال: "هذا شيءٌ يدعوه أهلُ فارس الخَبِيصَ" . (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩) في ترجمة (محمد بن أحمد بن الوليد البغدادي) . مرتبة الحديث: في إسناده صاحب الترجمة (محمد بن أحمد بن الوليد البغدادي) لم يذكر الخطيب فيه جرحًا أو تعديلًا. كما أنَّ فيه (محمد بن أَبي السَّرِيّ العَسْقَلانيّ) قال الحافظ عنه في "التقريب" (٢/ ٢٠٤) : "صدوق عارف له أوهام كثيرة" . وقال الذَّهَبِيُّ في "الكاشف" (٢/ ٨٢) : "وُثِّقَ، ولَيَّنَهُ أبو حاتم" . وستأتي ترجمته في حديث (٣٨٢) . و (حمزة بن يوسف بن عبد اللَّه بن سَلَام) ذكره ابن حِبَّان في "الثقات" (٤/ ١٧٠) وقال: "يروي عن أبيه، روى عنه محمد بن حمزة" . ولم يوثِّقه غيره. ولذا قال الحافظ عنه في "التقريب" (١/ ٢٠١) : "مقبول" . لكنه قال في "التهذيب" (٣/ ٣٥) : "له عند ابن ماجه حديث واحد في قصَّة إسلام زيد بن سَعْيَة مختصرًا. وقد رواه الطبراني بتمامه وهو حديث حسن مشهور في دلائل النبوة. قلت: -القائل ابن حَجَر- وقد أخرجه ابن حِبَّان في" صحيحه "، والحاكم" . وقد قال الإِمام المِزِّيّ في "تهذيب الكمال" (٧/ ٣٤٧) في ترجمة (حمزة) بعد أن روى حديث قصَّة إسلام زيد بن سَعْيَة عن الطبراني من طريق حمزة: "هذا حديث مشهور في دلائل النبوة" . فظاهر صنيعهما الاحتجاج بحديث (حمزة بن يوسف بن عبد اللَّه بن سَلَام) ، واللَّه أعلم. أمَّا جَدُّهُ (يوسف بن عبد اللَّه بن سَلَام) فإنَّه قال عنه في "التقريب" (٢/ ٣٨١) : "صحابي صغير، وقد ذكره العِجْلي في ثقات التابعين" . وترجم له الحافظ في "الإصابة" (٣/ ٦٧١) وقال: "رأى النبيَّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وهو صغير وحفظ عنه" . وباقي رجال الإِسناد حديثهم حسن. والوليد بن مسلم -وهو مُدَلِّسٌ مشهور مكثر- قد صَرَّحَ بالتحديث هنا. والحديث عَدَّهُ الطبراني والهيثمي والمُتَّقِي الهِنْدِي من "مسند عبد اللَّه بن سَلَام" ، والظاهر أنَّه من مسند (يوسف بن عبد اللَّه بن سَلَام) ، فإنَّ (حمزة بن يوسف بن عبد اللَّه بن سَلَام) لا رواية له عن جَدِّه (عبد اللَّه) ، إنما روايته عن أبيه (يوسف) كما في "الثقات" لابن حِبَّان، و "تهذيب الكمال" (٧/ ٣٤٤) فإنه قال: "روى عن أبيه عن جَدِّه عبد اللَّه بن سَلَام" . التخريج: رواه الطبراني في "المعجم الصغير" (٢/ ٢٤) ، و "المعجم الأوسط" -كما في "مجمع البحرين في زوائد المعجمين" - للهيثمي (٧/ ٨٣ - ٨٤) رقم (٤٠٨٥)، من الطريق التي رواها الخطيب عنه، وقال: "لا يُرْوى عن عبد اللَّه بن سَلَام إلّا بهذا الإِسناد. تفرَّد به الوليد بن مسلم" . قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/ ٣٧ - ٣٨) : "رواه الطبراني في الثلاثة، ورجال الصغير والأوسط ثقات" ! . ولم أقف عليه في "المعجم الكبير" المطبوع، لفقدان مسند "عبد اللَّه بن سَلَام" من الأصل المخطوط الذي طبع عنه. ورواه البيهقي في "شُعَب الإِيمان" (١٠/ ٤٧٩) رقم (٥٥٣٣) ، من طريق الوليد بن مسلم قال: "حدَّثنا محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد اللَّه بن سَلَام، عن أبيه، عن جدِّه أو غيره، به مرفوعًا. ورواه بنحوه الحاكم في" المستدرك "(٤/ ١٠٩ - ١١٠)، عن عليّ بن حَمْشَاذ العَدْل، حدَّثنا عبيد بن شَريك، حدَّثنا محمد بن عبد العزيز الرَّمْلي، حدَّثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن حمزة بن عبد اللَّه بن سَلَام، عن أبيه، عن جَدِّه. وقال:" هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يُخَرِّجَاه ". ووافقه الذَّهَبِيُّ. أقول: قوله في الإسناد:" محمد بن حمزة بن عبد اللَّه بن سَلَام "موضع نظر. فإنَّ (حمزة) هو (ابن يوسف بن عبد اللَّه بن سَلَام) ، بل إنَّه قيل كما في" تهذيب الكمال "(٧/ ٣٤٣ - ٣٢٤):" حمزة بن محمد بن يوسف بن عبد اللَّه بن سَلَام "كما أنَّ (الوليد بن مسلم) -وهو من هو تدليسًا وتسويةً- قد عَنْعَنَ ولم يُصَرِّح بالسماع، لكنه عند الخطيب وغيره قد صَرَّح بالسماع، واللَّه أعلم. ورواه ابن الجَوْزي في" العلل المتناهية "(٢/ ١٧٧ - ١٧٨) عن الخطيب من طريقه المتقدِّم، وقال:" هذا حديث لا يصحُّ عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم تفرد به الوليد، وكان يسقط الضعفاء من الإسناد ويدلِّس". أقول: لكنه قد صَرَّحَ عند الخطيب وغيره بالتحديث عن (محمد بن حمزة) . والحديث عزاه المُتَّقِي الهِنْدي في "كنز العُمَّال" (١٥/ ٢٧٩ - ٢٨٠) رقم (٤٠٩٨٩) إلى الطبراني في الكبير، والحاكم، والبيهقي في "شُعَب الإيمان" عن عبد اللَّه بن سَلَام. هذا وقد ذكر الحافظ ابن حَجَر في "المطالب العالية" (٢/ ٣٢٤) رقم (٢٣٨٢) عن عبيد اللَّه بن أَبي عبد اللَّه قال: "صنع عثمان بن عفَّان خَبِيصًا بالعَسَل والسَّمْن والبُرِّ، فأتي به في قَصْعَةٍ إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال: ما هذا؟ قال: هذا يا نبيَّ اللَّه شيء تصنعه الأعاجم من البُرِّ والعسل والسمن، تسميه الخَبِيص، قال: فأكل" . وعزاه ابن حَجَر للحارث بن أبي أُسَامة في "مسنده" . وعلَّق عليه محققه بقوله: "قال البُوصيري: رواه الحارث بإسناد منقطع" . غريب الحديث: قوله: "المِرْبَد" : هو "الموضع الذي تحبس فيه الإِبل والغنم، وبه سُمِّي مِرْبَدُ المدينة والبصرة، وهو بكسر الميم وفتح الباء، من ربد بالمكان: إذا أقام فيه. وَرَبَدَهُ إذا حَبَسَهُ" . "النهاية" (٢/ ١٨٢) . قوله: "بُرْمَة" : "هي القِدْر مطلقًا، وجمعها بِرَام. وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن" . "النهاية" (١/ ١٢١) . * * *