لا يصلين أحد العصر إِلَّا في بني قريظة" فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتَّى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنف واحدًا منهم. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١١٩) ومسلم في الجهاد والسير (٦٩: ١٧٧٠) كلاهما عن عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، حَدَّثَنَا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: فذكره. وكان عددهم ثلاثة آلاف رجل معهم ستة وثلاثون فرسًا كما ذكره ابن سعد (٣/ ٧٤) . قال ابن إسحاق: وحاصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسًا وعشرين ليلة حتَّى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب. السيرة لابن هشام (٢/ ٢٣٥) ٣ - هجاء حسان • عن البراء بن عازب قال: قال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لحسان: "اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك" . متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٢٣) ومسلم في فضائل الصّحابة (١٥٣: ٢٤٨٦) كلاهما من طريق شعبة، أخبرني عدي بن ثابت، قال: سمعت البراء بن عازب قال: فذكره. وفي الرواية عند البخاريّ أنه قال ذلك يوم قريظة. ٤ - حكم سعد بن معاذ في بني قريظة • عن أبي سعيد قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى سعد فأتى على حمار، فلمّا دنا من المسجد قال للأنصار: "قوموا إلى سيدكم أو خيركم" فقال: "هؤلاء نزلوا على حكمك" ، فقال: تَقتل مقاتلتهم، وتَسبِي ذراريهم، قال: "قضيتَ بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك" . متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٢١) ومسلم في الجهاد والسير (٦٤: ١٧٦٨) كلاهما عن محمد بن بشار، حَدَّثَنَا غندر (هو محمد بن جعفر) حَدَّثَنَا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت أبا أمامة قال: سمعت أبا سعيد الخدريّ قال: فذكره. وأمّا ما رواه الحاكم (٢/ ١٢٣ - ١٢٤) وعنه البيهقيّ في الكبرى (٩/ ٦٣) من حديث محمد بن صالح التمار المديني، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، أن سعد بن معاذ حكم على بني قريظة فذكر الحديث. وجاء فيه: "لقد حكم اليوم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق السماوات" فهو معلول، فإن محمد بن صالح التمار خالف شعبة بن الحجاج الإمام المعروف، ولا تقبل مخالفته، أشار إليه أبو حاتم في العلل (٩٧١) والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢٩١) والدراقطني في العلل (٥٧٣) . • عن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش، يقال له حبَّان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلمّا رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل عليه السّلام وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: وضعت السلاح، والله ما وضعته، اخرج إليهم. قال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم "فأين" . فأشار إلى بني قريظة، فأتاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعد، قال: فإني أحكم فيهم: أن تُقتل المقاتلة، وأن تُسبى النساء والذرية، وأن تُقسم أموالهم. قال هشام: فأخبرني أبي، عن عائشة: أن سعدًا قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك، من قوم كذبوا رسولك - صلى الله عليه وسلم - وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له، حتَّى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتتي فيها، فانفجرت من لبته، فلم يرعهم، وفي المسجد خيمة من بني غفار، إِلَّا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة! ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دمًا، فمات رضي الله عنه متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٢٢) ومسلم في الجهاد والسير (٦٥: ١٧٦٩) كلاهما من طريق عبد الله بن نمير، حَدَّثَنَا هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. وزاد مسلم قول عروة: فأخبرت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لقد حكمت فيهم بحكم الله عَزَّ وَجَلَّ" . وزاد مسلم أيضًا (٦٨: ١٧٦٩) من طريق آخر عن هشام بن عروة بهذا الإسناد فانفجر من ليلته فما زال يسيل حتَّى مات. وزاد في الحديث قال: فذاك حين يقول الشاعر: ألا يا سعد سعد بني معاذ ... فما فعلت قريظة والنضير لعمرك إن سعد بني معاذ ... غداة تحملوا لهو الصبور تركتم قِدركم لا شيء فيها ... وقِدر القوم حامية تفور وقد قال الكريم أبو حُباب ... أقيموا قينُقاع ولا تسيروا وقد كانوا ببلدتهم ثقالًا ... كما ثقلت بميطان الصخور لبث قليلًا يدرك الهيجا حمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل قالت: فقمت، فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر بن الخطّاب وفيهم رجل عليه تسبغة له - يعني مغفرًا - فقال عمر: ما جاء بك؟ ! لعمري والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء، أو يكون تحوز؟ قالت: فما زال يلومني حتَّى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذ، فدخلت فيها، قالت: فرفع الرّجل التسبغة عن وجهه، فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: يا عمر! إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز أو الفرار إِلَّا إلى الله عَزَّ وَجَلَّ؟ ! قالت: ويرمي سعدًا رجل من المشركين من قريش - يقال له: ابن العرقة - بسهم له، فقال له: خذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكحله، فقطعه، فدعا الله عَزَّ وَجَلَّ سعد، فقال: اللهم لا تمتني حتَّى تقر عيني من قريظة. قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهليّة. قالت: فرقأ كلمه، وبعث الله عَزَّ وَجَلَّ الريح على المشركين، فكفى الله عَزَّ وَجَلَّ المؤمنين القتال، وكان الله قويًا عزيزًا، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة، فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، فوضع السلاح، وأمر بقبة من أدم، فضربت على سعد في المسجد. قالت: فجاء جبريل عليه السّلام، وإن على ثناياه لنقع الغبار فقال: أقد وضعت السلاح؟ والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم، قالت: فلبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمر على بني غنم، وهم جيران المسجد حوله، فقال: "من مر بكم؟" قالوا: مر بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي تشبه لحيته وسنة وجهه جبريل عليه السّلام. فقالت: فأتاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلمّا اشتد حصرهم واشتد البلاء، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، ف قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "انزلوا على حكم سعد بن معاذ" فنزلوا وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سعد بن معاذ، فأتي به على حمار عليه إكاف من ليف، قد حمل عليه، وحف به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو! حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت. قالت: لا يُرجِع إليهم شيئًا، ولا يلتفت إليهم حتَّى إذا دنا من دورهم، التفت إلى قومه، فقال: قد أنى لي أن لا أبالي في الله لومة لائم. قال: قال أبو سعيد: فلمّا طلع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "قوموا إلى سيدكم فأنزلوه" فقال عمر: سيدنا الله عَزَّ وَجَلَّ. قال: أنزلوه، فأنزلوه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "حكم فيهم" قال سعد: فإني أحكم فيهم، أن تُقتل مقاتلتهم، وتُسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم - وقال يزيد ببغداد: ويقسم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "لقد حكمت بحكم الله عَزَّ وَجَلَّ وحكم رسوله" . قالت: ثمّ دعا سعد قال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك - صلى الله عليه وسلم - من حرب قريش شيئًا، فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم، فاقبضني إليك. قالت: فانفجر كلمه، وكان قد برئ حتَّى ما يرى منه إِلَّا مثل الخرص، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قالت عائشة: فحضره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر. قالت: فوالذي نفس محمد بيده! إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر، وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله عَزَّ وَجَلَّ: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: ٢٩] قال علقمة: قلت: أي أمه! فكيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد، فإنما هو آخذ بلحيته. حسن: رواه أحمد (٢٥٠٩٧) وابن سعد (٣/ ٤٢١) وابن حبَّان (٧٠٢٨) كلّهم من حديث يزيد، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقَّاص، قال: أخبرتني عائشة فذكرته. فيه عمرو بن علقمة لم يوثّقه أحد، وذكره ابن حبَّان في "الثّقات" على قاعدته ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول" أي عند المتابعة، وبعض فقراته صحيح ثابت في الصحيحين وغيرهما. كما أن لبعض فقراته متابعة ذكرت في م واضعها، ولذا حسّنه الحافظ في الفتح (١١/ ٥١) . • عن جابر قال: رُمِيَ سعدُ بن معاذ في أكحله، فحسمه النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بيده بمشقص، ثمّ وَرِمَتْ، فحسمه الثانية. صحيح: رواه مسلم في السّلام (٢٢٠٨: ٧٥) من طرق عن أبي خيثمة زهير بن حرب، حَدَّثَنَا أبو الزُّبير، عن جابر فذكره. وتفصيله في الحديث الآتي: • عن جابر أنه قال: رُمِيَ يومَ الأحزاب سعدُ بن معاذ فقطعوا أكحله - أو أبجله - فحسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنار، فانتفخت يده، فتركه فنزفه الدم، فحسمه أخرى فانتفخت يده، فلمّا رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتَّى تقر عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة، حتَّى نزلوا على حكم سعد بن معاذ. فأرسل إليه، فحكم أن يقتل رجالهم وتستحيى نساؤهم، يستعين بهن المسلمون، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "أصبت حكم الله فيهم" وكانوا أربعمائة، فلمّا فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات. صحيح: رواه الترمذيّ (١٥٨٢) وأحمد (١٤٧٧٣) وابن حبَّان (٤٧٨٤) كلّهم من طرق عن اللّيث بن سعد، عن أبي الزُّبير، عن جابر قال: فذكره. وإسناده صحيح، وقال الترمذيّ: حسن صحيح. صحّح إسناده أيضًا الحافظ في الفتح (٧/ ٤١٤) . ويستفاد من هذا الحديث أن الذين قتلوا يوم قريظة كان عددهم أربعمائة. اختلف أهل المغازي والسير في عدتهم إلى تسعمائة. والصحيح ما في حديث جابر، وقد حمل بعضهم بأن العدد الذي ذكره جابر للمقاتلين، والباقي تبع لهم. هذا مصير كل من يخون بلده، وينقض عهده، لأن أمن الدولة فوق كل شيء، فإن هؤلاء الخونة جعلوا مدينة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين في خطر عظيم، فنصرهم الله على أعدائهم بأن قتّل رجالهم وسبيتْ نساءهم، وبهذا انتهى الحظر المحدق حول دولة الإسلام. يقال: إنهم أُدخلوا المدينة وحفر لهم أخدود في السوق، وضربت أعناقهم. • عن عطية القرظي قال: كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قُتِلَ، ومن لم ينبت لم يُقتَل، فكنت فيمن لم ينبت. صحيح: رواه أبو داود (٤٤٠٤، ٤٤٠٥) ، والتِّرمذيّ (١٥٨٤) ، والنسائي (٤٩٨١، ٣٤٣٠) ، وابن ماجة (٢٥٤١، ٢٥٤٢) ، وأحمد (١٨٧٦٦) ، وصحّحه ابن حبَّان (٤٧٨٠، ٤٧٨٣، ٤٧٨٨) ، والحاكم (٢/ ١٢٣ و ٣/ ١٣٥) كلّهم من طرق عن عبد الملك بن عمير، حَدَّثَنِي عطية القرظي فذكره. وإسناده صحيح. قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ٥ - لم يقتل من النساء إِلَّا امرأة واحدة • عن عائشة قالت: لم يقتل من نسائهم - تعني بني قريظة - إِلَّا امرأة، إنها لعندي تحدّث تضحك ظهرًا وبطنًا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقتل رجالهم بالسيوف، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا، قلت: وما شأنك؟ قالت: حدث أحدثته، قالت: فانطلق بها، فضربت عنقها، فما أنسى عجبًا منها أنها تضحك ظهرًا وبطنًا، وقد علمت أنها تقتل. حسن: رواه أبو داود (٢٦٧١) وأحمد (٢٦٣٦٤) وصحّحه الحاكم (٣/ ٣٥ - ٣٦) وعنه البيهقيّ (٩/ ٨٢) كلّهم من طرق عن محمد بن إسحاق قال: حَدَّثَنِي محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عروة بن