§يَبْتَدِئُ بَعْدَ الْإِجَابَةِ بِتَوْفِيقِ النُّفُوسِ لِمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَلِكِ وَمَعْصِيَةَ الْجَبَّارِ فَأَلْزَمَهَا التَّوْبَةَ وَالتَنَصُّلَ وَالِاعْتِذَارَ وَتَكْرِيرَ الِاسْتِغْفَارِ، وَالِاجْتِهَادَ فِي حَلِّ الْإِصْرَارِ بِاللَّجَأَ وَالِاسْتِئْجَارِ وَالِاعْتِصَامِ بِمَلِيكِهِمُ الْجَبَّارِ فَوَافَقُوهَا مُوَافَقَةً عَلَى مَوَازَنَةٍ وَعَاتَبُوهَا مُعَاتَبَةً عَلَى مُحَاضَرَةٍ - [٢٩٤] - وَوَبَّخُوهَا بِمَا فَرَطَ مِنْهَا مِنَ الْجَهْلِ وَالتَّضْيِيعِ وَالشُّرُورِ وَالتَّمَادِي وَالتَّمَرُّدِ فِي رُكُوبِ الْمَعَاصِي فَوَبَّخُوهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَاتَبُوهَا مُعَاتَبَةَ مَنْ قَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ وَقَرَّرُوهَا تَقْرِيرَ مُنَاقَشَةِ الْحِسَابِ وَجَرَّعُوهَا مَا تَوَعَّدَهُ اللَّهُ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ وَشَدِيدِ الْ عِقَابِ ثُمَّ أَقَامُوهَا مَقَامَ الْخِزْيِ فَأَبْدَلُوهَا بِحَالِ الرَّفَاهَاتِ الْقَشَفَ وَالتَّقَشُّفَ وَالضُّرَ وَالتَّخَفُّفَ، فَأَبْدَلُوهَا بِالشِّبَعِ جُوعًا وَبِالنَّوْمِ سَهَرًا وَبِالرَّاحَةِ تَعَبًا وَبِالْقُعُودِ نَصَبًا وَبِطَيِّبِ الْمَطَاعِمِ الْخَبِيثَ الْخَشِنَ، وَبِلِينِ الْمَلَابِسِ الْخَشِنَ الْجَافِي وَبِأَمْنِ الْوَطَنِ خَوْفَ الْبَيَاتِ، ثُمَّ أَزْعَجُوهَا عَنْ تَوَطُّنِ مَا بِهِ أَلْزَمُوهَا فَمَنَعُوهَا اسْتِوَاءَ الْأَوْقَاتِ فِي بَذْلِ الِاجْتِهَادِ وَأَخَذُوهَا بِدَائِمِ الِازْدِيَادِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَازَنَةِ وَأَقَامُوهَا مَقَامَ التَّصَفُّحِ وَالتَّفْتِيشِ وَالْمُحَاسَبَةِ وَالتَّوْقِيفِ عَلَى كُلِّ لَحْظَةٍ وَخَطْرَةٍ وَهَمَّةٍ وَلَفْظَةٍ وَفِكْرَةٍ وَأُمْنِيَةٍ وَشَهْوَةٍ وَإِرَادَةٍ وَمَحَبَّةٍ فَهَكَذَا أَبَدًا دَأْبُهُمْ وَفِي هَذِهِ أَبَدًا حَالُهُمْ عَلَى هَذِهِ السَّيَاسَةِ بِشَرْطِ هَذِهِ الْمُجَاهَدَةِ وَانْتِصَابِ هَذِهِ الْمُكَابَدَةِ وَإِحَاطَةِ هَذِهِ الْمُرَاوَضَةِ، وَمَعَ هَذَا فَالْهَرَبُ إِلَى اللَّهِ فِيهَا وَالِاعْتِضَادُ بِاللَّهِ عَلَيْهَا وَالتَّأَوِّي إِلَى اللَّهِ مِنْهَا وَالِاسْتِعَاذَةُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، وَالِاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ عَلَى كَيْدِهَا وَالصُّرَاخِ إِلَى اللَّهِ عِنْدَ شُرُودِهَا، وَاسْتَغْثِ بِالْمَلِكِ الْأَعْلَى الَّذِي هُوَ صَرِيخُ الْأَخْيَارِ وَمُنَجِّي الْأَبْرَارِ وَمُلْتَجَأُ الْمُتَّقِينَ وَنَاصِرُ الصَّالِحِينَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا شَكَرَ لِوَلِيِّهِ عَظِيمَ مَا جَاهَدَ وَجَسِيمَ مَا كَابَدَ وَمَشَقَّةَ مَا احْتَمَلَ وَجَهْدَ مَا انْتَصَبَ تَوَلَّاهُ بِالنُّصْرَةِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْعِزِّ وَالتَّأْيِيدِ، وَمَنْ نَصَرَهُ لَمْ يُخْذَلْ وَمَنْ أَعَزَّهُ لَمْ يُقْهَرْ وَمَنْ تَوَلَّاهُ لَمْ يُذَلَّ، فَرَوَّحَهَا رَوْحَ الْيَقِينِ وَأَضَاءَ لَهَا عَلَامَاتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالْقَبُولِ وَأَنَارَتْ لَهَا عَلَامَاتُ التَّحْقِيقِ وَتَوَالَتْ عَلَيْهَا مُدَاوَمَةُ الْمَزِيدِ وَعَادَتْ عَلَيْهَا تِكْرَارُ التُّحَفِ وَالْبِرِّ وَالْكَرَامَاتِ، وَعَطَفَتْ عَلَيْهَا عَوَاطِفُ الْفَضْلِ بِالرَّحْمَةِ وَالْبَذْلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى الْمُبْتَدِئُ عَبْدَهُ بِمَا ابْتَدَأَ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ بَذْلٍ فِي قُرْبَةٍ أَوْ مِنَ اجْتِهَادٍ فِي وَسِيلَةٍ أَوْ مِنْ مُنَافَسَةٍ فِي فَضِيلَةٍ أَوْ مِنْ مُسَارَعَةٍ إِلَى خِدْمَةٍ أَوْ مِنْ إِخْلَاصٍ فِي نِيَّةٍ أَوْ مِنْ تَكَامُلٍ فِي رَغْبَةٍ أَوْ مِنْ تَحْقِيقٍ فِي مَحَبَّةٍ، فَاللَّهُ الْمُبْتَدِئُ لَهَا بِذَلِكَ بِمَا بِهِ أَقَامَهَا وَبِمَا بِهِ إِلَيْهَا دَعَاهَا، فَهَذِهِ كُلُّهَا صِفَةُ الْحَيَاةِ وَمَشَارِبِهَا وَانْبِجَاسِ أَحْوَالِهَا وَتَشَعُّبِ مَذَاقَاتِهَا بِكُلِّ مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ غَمٍ وَسُرُورٍ - [٢٩٥] - وَرَاحَةٍ وَجَهْدٍ وَرَفَاهَةٍ وَتَعَبٍ وَمُوَافَقَةٍ وَنَصَبٍ وَبُكَاءٍ وَحُزْنٍ وَخَوْفٍ وَكَمَدٍ فَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ صِفَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي دَعَا اللَّهُ إِلَيْهَا وَنَبَّهَ قُلُوبَهُمْ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: ٢٤] سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ، يَقُولُ: "§الْمُخْلِصُونَ مِنَ الْوَرِعِينَ هُمُ الَّذِينَ تَفَقَّدُوا قُلُوبَهُمْ بِالْأَعْمَالِ وَالنِّيَّاتِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَحَرَكَاتِهِمْ وَسُكُونِهِمْ مُوَاظِبِينَ لِلِاسْتِقَامَةِ الْمُفْتَرَضَةِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَلَهُ مُحَافِظِينَ وَمِنْ دُخُولِ الْفَسَادِ عَلَيْهِمْ مُشْفِقِينَ فَأَوْرَثَهُمُ اللَّهُ مُرَاقَبَتَهُ فَهُنَالِكَ تَنْتَصِبُ قُلُوبُهُمْ بِمُدَاوَمَةِ الْمُحَافَظَةِ لِنَظَرِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ وَنَظَرِهِ إِلَى سَرَائِرِهِمْ، وَعِلْمِهِ بِحَرَكَاتِهِمْ وَسُكُونِهِمْ فَهُنَالِكَ تَقِفُ الْقُلُوبُ بِعِلْمِ اللَّهِ فَلَا تَنْبَعِثْ بِحَظْرَةٍ وَلَا هَمَّةٍ وَلَا إِرَادَةٍ وَلَا مَحَبَّةٍ وَلَا شَهْوَةٍ إِلَّا حَفِظُوا عِلْمَ اللهِ بِهِمْ فِي ذَلِكَ فَلَمْ تَبْرُزْ حَرَكَاتُ الضَّمِيرِ إِلَى تَحْرِيكِ الْجَوَارِحِ إِلَّا بِالتَّحْصِيلِ وَالتَّمْيِيزِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: ١] ، وَلِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس: ٦١] ، فَإِذَا انْتَصَبَتِ الْمُرَاقَبَةُ بِدَوَامِ انْتِصَابِ الْقُلُوبِ بِهَا فَهُنَالِكَ يَكُونُ تَمَامُ الْإِخْلَاصِ وَالْحَيْطَةِ فِي الْعَمَلِ وَهُنَالِكَ يوَرِّثْهُمُ اللَّهُ الْحَيَاءَ فَدَوَامُ الْمُرَاقَبَةِ يُفْشِي الْحَيَاءَ وَيَمُدُّهُ وَيَزِيدُ فِيهِ، وَالْحَيَاءُ يَعْمَرُ الْقُلُوبَ بِدَوَامِ الطَّهَارَةِ وَيُخْرِجُ مِنَ الْقُلُوبِ حَلَاوَةَ الْمَاءِ ثُمَّ حَلَاوَةَ الشَّهَوَاتِ، وَدَوَامُ الْحَيَاءِ يُوجِبُ عَلَى الْقُلُوبِ إِعْظَامَ حُرُمَاتِ اللَّهِ بِإِعْظَامِ مَقَامَ اللَّهِ حَيَاءً مِنْ جَلَالِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ إِجْلَالَ حُرُمَاتِ اللَّهِ فِي الْقُلُوبِ غَاسِلٌ لِلْقُلُوبِ بِمَاءِ الْحَيَاةِ الْوَارِدِ عَلَيْهَا مَنْ فَوَائِدِ اللَّهِ فَتَخْلُقُ الدُّنْيَا في قُلُوبِهِمْ وَتَصْغُرُ الْأَشْيَاءُ فِيهَا وَتَقْوَى حَرَكَاتُ الْيَقِينِ بِصَفَاءِ النَّظَرِ إِلَى الْمَوْعُودِ فَيُوصِلُهَا بِالْمَعْرُوفِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا الْيَقِينُ بِالتَّوْبِيخِ فِي إِعْظَامِ الدُّنْيَا وَالسَّعْيِ لَهَا وَلِجَمْعِهَا" سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ، يَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ §حَدَّ الشُّكْرِ، فِي الْقُلُوبِ خَارِجٌ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِالْفَرَحِ عَلَى النِّعَمِ وَالِاشْتِغَالِ بِبَهْجَتِهَا بِمَا يَغْلِبُ عَلَى النُّفُوسِ مِنْ شَرِّهَا عَلَيْهَا وَعَظِيمِ حَظِّهَا فِيهَا فَالشُّكْرُ خَارِجٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا مَا حَلَّ بِالْقُلُوبِ زَهَرَاتُ النِّعَمِ وَرَوْنَقُ صَفْوِهَا وَخَفْضُ الْعَيْشِ فِيمَا هَاجَ فِي الْقُلُوبِ - [٢٩٦] - ذَكَرَ الْمُنْعِمَ بِهَا وَالْمُتَوَلِّي لِلِامْتِنَانِ بِهَا فَاتَّصَلَ فَرَحُهُمْ بِشُكْرِهِ وَأَوْصَلَتْهُمُ النِّعْمَةُ إِلَى الِابْتِهَاجِ بِالْمُنْعِمِ وَالذِّكْرِ لَهُ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، فَهَذَا حَدُّ الشُّكْرِ فِيمَا ذَاقَتْهُ الْقُلُوبُ، فَلَمَّا صُرِفَتِ الْأَفْرَاحُ عَنْ حُظُوظِ النُّفُوسِ، إِلَى مَوَاضِعِ الشُّكْرِ ابْتِهَاجًا بِالْمُنْعِمِ دُونَ حَظِّ النُّفُوسِ بِالنِّعْمَةِ، خَلُصَتْ تِلْكَ الْأَفْرَاحُ رِضَاءً عَنِ اللَّهِ، وَبَشَاشَةُ الْقُلُوبِ لِمَا يَرْضَاهُ، وَاخْتِلَافُ الْأَحْكَامِ بِمُخَالَفَةِ الْمَحَابِّ، وَالسُّرُورُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ وَيَكُونُ السُّرُورُ مَقْرُونًا بِالْمَحَبَّةِ لِلَّهِ الَّتِي هِيَ مَعْقُودَةٌ فِي عُقُودِ الْإِيمَانِ وَمَوْجُودَةٌ فِي أَصْلِ الْعِرْفَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِثَلَاثِ حَالَاتٍ: إِخْلَاصٌ لِتَوْحِيدِهِ، وَرِضًا بِهِ أَنَّهُ رَبٌّ، وَمَحَبَّةً لَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، إِذْ هُوَ إِلَهُهُ وَمَالِكُ ضُرِّهِ وَنَفْعِهِ وَرَفْعِهِ وَوَضْعِهِ وَحَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ، فَوَلِهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ بِضُرِّ الْفَاقَةِ فَهَذَا مَعْنَى الْمَحَبَّةِ الْمُفْتَرَضَةِ فِي عُقُودِ الْإِيمَانِ كَفَرْضِ الْإِيمَانِ " قَالَ الشَّيْخُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حُظُوظُهُ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ غَزِيرَةٌ وَتَصَانِيفُهُ بِالْمَسَانِيدِ وَالرِّوَايَاتِ شَهِيرَةٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، ثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «§الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَكُلٌّ عَلَى خَيْرٍ وَاحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَلَا تَعْجِزْ فَإِنْ فَاتَكَ شَيْءٌ فَقُلْ كَذَا قُدِّرَ وَكَذَا كَانَ وَإِيَّاكَ وَلَوْ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ