لي: أدخل الدير، فقد رأوا ما أدليت إليك؛ فلما دخلت الدير، اجتمعت النصاري، فقالوا: يا حنيفي، ما الذي أدلى إليك الشيخ؟ قلت: من قوته، قالوا: وما تصنع به؟ نحن أحق به؛ قالوا: ساوم، قلت: عشرين ديناراً، فأعطوني عشرين ديناراً، فرجعت إلى الشيخ؛ فقال: يا حنيفي، ما الذي صنعت؟ قلت: بعته، قال: بكم؟ قلت: بعشرين ديناراً، قال: أخطأت، لو ساومتهم عشرين ألفاً لأعطوك، هذا عز من لا يعبده، فانظر كيف يكون عز من يعبده؛ يا حنيفي، أقبل على ربك، ودع الذهاب والجيأة. (٨/ ٢٩) * عن ذي النون قال: ما أعز الله عبداً بعز هو أعز له: من أن يذله على ذل نفسه، وما أذل الله عبداً بذل هو أذل له: من أن يحجبه عن ذل نفسه. (٩/ ٣٧٤) * عن بشر بن الحارث قال: عز المؤمن: استغناؤه عن الناس، وشرفه: قيامه بالليل. (٨/ ٣٣٨) * وعنه قال: من أراد أن يكون عزيزاً في الدنيا، سليماً في الآخرة: فلا يحد، ولا يشهد، ولا يؤم قوماً، ولا يأكل لأحد طعاماً. (٨/ ٣٤٤) * عن هشام قال: سمعت الحسن - بن أبي الحسن - يحلف بالله: ما أعز أحد الدرهم، إلا أذله الله. (٦/ ٢٧١) * عن سفيان الثوري قال: هذا زمان خاصة، ليس زمان عامة؛ أقبل الرجل على خاصة نفسه، وترك عوامهم. (٦/ ٣٩٠) * وعنه قال: أحب أن أكون في موضع: لا أعرف، ولا أستذل. (٦/ ٣٨٨) * عن عبد الله بن مسعود قال: مازلنا أعزة منذ أسلم عمر. (٨/ ٢١١) * عن داود الطائي قال: ما أخرج الله عبداً من ذل المعاصي إلى عز التقوى: إلا أغناه بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس. (٧/ ٣٥٦) * عن مجاهد قال: من أعز نفسه: أذل دينه، ومن أذل نفسه: أعز دينه. (٣/ ٢٧٩) * عن ميمون بن مهران: أن عبد الملك بن مروان قدم المدينة، فقال لحاجبه: أنظر هل ترى في المسجد أحداً من حداثي؛ فلم ير فيه إلا سعيد بن المسيب، فأشار إليه بأصبعه، فلم يتحرك سعيد؛ ثم أتاه الحاجب، فقال: ألم تر إني أشير إليك؟ قال: وما حاجتك؟ فقال: استيقظ أمير المؤمنين، فقال: أنظر، هل ترى في المسجد أحداً من حداثي؛ فقال سعيد: لست من حداثه؛ فخرج الحاجب، فقال: ما وجدت في المسجد إلا شيخاً، أشرت إليه، فلم يقم، قلت له: إن أمير المؤمنين استيقظ، وقال لي: أنظر، هل ترى أحداً من حداثي، قال: إني لست من حداث أمير المؤمنين؛ قال عبد الملك بن مروان: ذلك سعيد بن المسيب، دعه. (٢/ ١٦٩) العزلة * عن سفيان الثوري قال: كان طاووس يجلس في بيته، فقيل له في ذلك؛ فقال: حيف الأئمة، وفساد الناس. (٤/ ٤) * عن مكحول قال: إن كان الفضل في الجماعة، فإن السلامة في العزلة. (٥/ ١٨١) * عن عبد الله - بن أحمد بن حنبل - قال: كان أبي أصبر الناس على الوحدة، لم يره أحد: إلا في مسجد، أو حضور جنازة، أو عيادة مريض؛ وكان يكره المشي في الأسواق. (٩/ ١٨٤) * عن الفضيل بن عياض قال: طوبى: لمن استوحش من الناس، وكان الله أنيسه، وبكى على خطيئته. (٨/ ١٠٨) * عن علي بن بكار قال: صحبت إبراهيم بن أدهم، وكثيراً ما كنت أسمعه يقول: يا أخي، اتخذ الله صاحباً، وذر الناس جانباً. (٨/ ١٠ - ١١) * عن سهل بن هاشم قال: قال لنا إبراهيم بن أدهم: أقلوا من الإخوان والأخلاء. (٨/ ١٩) * عن ذي النون قال: لم أر شيئاً أبعث للإخلاص من الوحدة، لأنه إذا خلا: لم ير غير الله، فإذا لم ير غير الله: لم تجد له إلا خشية الله؛ ومن أحب الخلوة: فقد تعلق بعمود الإخلاص، واستمسك بركن كبير من أركان الصدق. (٩/ ٣٧٦ - ٣٧٧) * عن يوسف بن أسباط قال: كنت مع سفيان الثوري في المسجد الحرام؛ فقال: والله الذي لا إله إلا هو ورب هذه الكعبة: لقد حلت العزلة. (٦/ ٣٨٨) * عن سفيان بن عيينة قال: قال لي بشر بن منصور الزاهد: يا سفيان، أقلل من معرفة الناس، لعله أن يكون في القيامة غداً أقل لفضيحتك، إذا نودي عليك بسوء أعمالك. (٧/ ٢٨٨) * عن سفيان الثوري قال: ما رأينا للإنسان خيراً له، من أن يدخل جحراً. (٧/ ٢٦) * عن الحسن رشيد قال: يا حسن، لا تعرَّفنَّ إلى من لا يعرفك، وأنكر معرفة من يعرفك. (٧/ ٨) * عن سفيان الثوري، أنه قال لرجل: أخبرني، أياتيك ما تكره ممن تعرف منهم، أو لا تعرف؟ قال: بلى، ممن أعرف؛ قال: فما قل من هؤلاء فهو خير. (٧/ ٨) * عن بكر بن محمد العابد قال: قال لي داود الطائي: فر من الناس كفرارك من الأسد. (٧/ ٣٤٥) * عن داود الطائي: أنه أراد أن يجرب نفسه، هل تقوى على العزلة؟ فقعد في مجلس أبي حنيفة سنة، فلم يتكلم؛ فاعتزل الناس. (٧/ ٣٤٢) * عن سعيد قال: كان داود الطائي شديد الانقباض، يعالج نفسه بالصمت، وكان قبل ذلك كثير الكلام، وكانت معالجته نفسه في ترك الكلام؛ فأخرجته تلك المعالجة إلى التفكر، فبالتفكر ملك نفسه؛ ولقد جئته يوماً في وقت الصلاة، فانتظرته حتى خرج، فمشيت معه، والمسجد منه قريب، فسلك به غير طريقه؛ فقلت: أين تريد؟ فسلك بي سككاً خالية، حتى خرج على المسجد؛ فقلت: الطريق ثمة أقرب عليك؛ فقال: يا سعيد، فر من الناس فرارك من السبع، إنه ما خالط الناس أحد: إلا نسي العهد. (٧/ ٣٤٢) * عن الربيع الأعرج قال: أتيت داود الطائي؛ وكان داود لا يخرج من منزله، حتى يقول المؤذن: قامت الصلاة؛ فيخرج فيصلي، فإذا سلم الإمام: أخذ نعله، ودخل منزله؛ فلما طال ذلك علي، أدركته يوماً، فقلت له: يا أبا سليمان، على رسلك؛ فوقف لي، فقلت: يا أبا سليمان، أوصني؟ قال: اتق الله، وإن كان لك والدان فبرهما؛ ثلاث مرات، ثم قال في الرابعة: ويحك، صم الدنيا، واجعل الفطر موتك؛ واجتنب الناس، غير تارك لجماعتهم. (٧/ ٣٤٢ - ٣٤٣) * عن محمد بن الحسن قال: أتيت داود الطائي لأسلم عليه، فأذن لي، فقعدت على باب الحجرة؛ فقلت: أنت وحدك ههنا رحمك الله؟ قال: رحمك الله، وهل الأنس اليوم إلا في الوحدة والانفراد؛ ما يتجمل لك، أو متجمل له، ففي أي ذلك خير؟ (٧/ ٣٤٣) * عن المزني قال: دخلت على الشافعي ـ وقد لزم الوحدة ـ فقلت: يا أبا عبد الله، لو خرجت إلى الناس، فتبث فيهم علمك، لانتفعوا؛ فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه، فقال: تأمرني بأنس لبقاء عزك بوحدتك، ولا تأنس إلى من تخلق عنده بكثرة مجالستك؛ فإن مؤونة الصبر علي، أحسن من مؤونة البذل على الطاعة؛ ولا تسع في حظ لك في حاجة، لا تحب ستر يقيك من الشنعة. (٩/ ١٢٤) * عن الرياشي قال: قيل للرشيد: إن حاتماً الأصم قد اعتزل الناس في قبة له، منذ ثلاثين سنة، لا يحتاج إلى الناس في شيء من أمور الدنيا، ولا يكلمهم، إلا عند مسألة لا بد له من الجواب، لعله لبس به، قد ورثته إياه الوحدة؛ وقيل: إنه عاقل، فقال: سأمتحنه، فندب له أربعة: محمد بن الحسن، والكسائي، وعمرو بن بحر، ورجلاً آخر ـ أحسبه الأصمعي ـ؛ فجاؤوا، حتى وقفوا تحت قبته، ونادى أحدهم: يا حاتم، يا حاتم، فلم يجبهم؛ حتى قيل: بحق معبودك إلا أجبتنا؛ فأخرج رأسه، وقال: يا أهل الحيرة، هذه يمين مؤمن لكافر، وكافر لمؤمن لم خصصتموني بالمعبود دونكم؟ ولكن الحق جرى على ألسنتكم، لأنكم اشتغلتم بعبادة الرشيد عن طاعة الله؛ فقال: أحدهم ما علمك بأنا خدام الرشيد؟ قال: من لم يرض من الدنيا إلا بمثل حالكم، لا يزل عن مطلبه إلى قصد من لا يخبره، ولا يد علي من الرشيد وأشباهه؛ فقال له عمرو بن بحر: لم اعتزلت الناس، وفيهم من تعلم، وفيهم من يقدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قال: صدقت، ولكن بينهم سلاطين الجور، يفتنونا عن ديننا، فالتخلي منهم أولى؛ قال: فعلام وطنت نفسك في العزلة، وثبت عليه أدرك؟ قال: علمت أن القليل من الرزق يكفيني، فأقللت الحركة في طلبه، وأن فرضي لا يقبل إلا مني، فأنا مشغول بأدائه، وأن أجلي لا بد يأتيني، فأنا منتظر له، وأنا لا أغيب عن عين من خلقني، فأستحي منه أن يراني وأنا مشغول بغير ما وجب له محمد؛ ثم رد باب القبة، وحلف أن لا يكلمهم، فرجعوا إلى الرشيد، وقد حكموا أنه أعقل أهل زمانه. (٨/ ٧٤) * عن محمد بن أسلم قال: مالي ولهذا الخلق؟ كنت في صلب أبي وحدي، ثم صرت في بطن أمي وحدي، ثم دخلت الدنيا وحدي، ثم تقبض روحي وحدي، وأدخل في قبري وحدي، وي أتيني منكر ونكير، فيسألاني في قبري وحدي؛ فإن صرت إلى خير صرت وحدي، وإن صرت إلى شر كنت وحدي، ثم أوقف بين يدي الله وحدي، ثم يوضع عملي وذنوبي في الميزان وحدي، وإن بعثت إلى الجنة بعثت وحدي، وإن بعثت إلى النار بعثت وحدي؛ فمالي وللناس. (٩/ ٢٤١ - ٢٤٢) * عن إبراهيم بن بشار قال: أوصانا إبراهيم بن أدهم: أهربوا من الناس، كهربكم من السبع الضاري؛ ولا تخلفوا عن الجمعة والجماعة. (٨/ ٣٣) * عن وهيب بن الورد قال: جاء رجل إلى وهب بن منبه، فقال: إن الناس قد وقعوا فيما وقعوا فيه، وقد حدثت نفسي: أن لا أخالطهم؛ فقال: لا تفعل، فإنه لا بد للناس منك، ولا بد لك من الناس؛ لهم إليك حوايج، ولك إليهم حوايج؛ ولكن: كن فيهم أصم، سميعاً، وأعمى، بصيراً، وسكوتاً، نطوقاً. (٨/ ١٤٤) * عن أبي جعفر الحافظ ـ وكان من العباد ـ قال: دخلت على العمري في باديته، فقلت له: لم نأيت عن الناس؟ فقال: ما استطعت أن تنأى عن الناس فافعل؛ قلت: احتمل؟ قال: احتمل بالبلغة، وانظر لمن تعمل. (٨/ ٢٨٥) * عن عبد الله بن خبيق قال: قال لي علي بن بكار سنة ست ومائتين: أين تسكن؟ قلت: بأنطاكية، قال: إلزم بيتك، فإذا كانت لك حاجة، فاقصد قضاء حاجتك؛ فما دمت تخرج من بيتك إلى سوقك، لا يلقاك من يلظم عينك، فليس لحالك بأس. (٩/ ٣١٨) * عن زياد بن جرير قال: وددت أني في دين من حديد، معي فيه ما يصلحني، لا أكلم الناس، ولا يكلموني، حتى ألقى الله. (٤/ ١٩٧) * كان وهب بن منبه يقول: المؤمن يخالط ليعلم، ويسكت ليسلم، ويتكلم ليفهم، ويخلو لينعم. (٤/ ٦٨) * قال وهيب بن الورد: قال حكيم من الحكماء: العبادة ـ أو قال: الحكمة ـ عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت، وواحدة في العزلة؛ فأردت نفسي من الصمت على شيء، فلم أقدر عليه؛ فصرت إلى العزلة، فحصلت لي التسعة. (٨/ ١٤٢) * قال رجل لعبد الله: أوصني يا أبا عبد الرحمن؛ قال: ليسعك بيتك، واكفف لسانك، وابك على ذكر خطيئتك. (١/ ١٣٥) * وقال عبد الواحد بن زيد لراهب: يا راهب، لقد تعجلت الوحدة؛ فقال الراهب: يا فتى، لو ذقت حلاوة الوحدة، لاستوحشت إليها من نفسك؛ الوحدة رأس العبادة، ما أنستها الفكرة. (١٠/ ١٠٨)