إني رأيت الهلال قال الحسن في حديثه يعنى رمضان فقال: "أتشهد أن لا اله إلا الله" قال: نعم قال: "أتشهد أن محمد رسول الله" قال: نعم قال: "يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا" . قالوا فقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم خبره من غير أن يختبر عدالته بشيء سوى ظاهر إسلامه. فيقال لهم أن كونه أعرابيا لا يمنع من كونه عدلا ولا من تقدم معرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدالته أو أخبار قوم له بذلك من حاله. ولعله أن يكون نزل الوحي في ذلك الوقت بتصديقه. ص - ١٤٢- ... وفى الجملة فما نعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اقتصر في قبول خبره على ظاهر إسلامه [حسب] ١. على أن بعض الناس قد قال إنما قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم خبره لأنه أخبر به ساعة إسلامه وكان في ذلك الوقت طاهرا من كل ذنب بمثابة من علم عدالته وإسلامه عدالة له ولو تطاولت به الأيام لم يعلم بقاؤه على طهارته التي هي عدالة. واحتجوا أيضا بأن الصحابة عملوا بأخبار النساء والعبيد ومن تحمل الحديث طفلا وأداه بالغا واعتمدوا في العمل بالأخبار على ظاهر الإسلام فيقال لهم هذا غير صحيح ولا نعلم الصحابة قبلوا خبر أحد إلا بعد اختبار حاله والعلم بسداده واستقامة مذاهبه وصلاح طرائقه وهذه صفة [جميع] "١" أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهن من النسوة اللاتي روين عنه وكل متحمل للحديث عنه صبيا ثم رواه كبيرا وكل عبد قبل خبره في أحكام الدين يدل على صحة ما ذكرناه أن عمر بن الخطاب رد خبر فاطمة بنت قيس في إسقاط نفقتها وسكناها لما طلقها زوجها ثلاثا مع ظهور إسلامها واستقامة طريقتها. أخبرنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر قال ثنا محمد بن أحمد اللؤلؤي قال ثنا أبو داود قال ثنا نصر بن على قال أخبرني أبو أحمد قال ثنا عمار بن رزيق عن أبي إسحاق قال كنت في المسجد الجامع مع الأسود فقال أتت فاطمة بنت قيس عمر بن الخطاب فقال ما كنا لندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم لا وهكذا اشتهر الحديث عن على بن أبي طالب أنه قال ما حدثني أحد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا استحلفته. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ من قط. ص - ١٤٣- ... ومعلوم أنه كان يحدثه المسلمون ويستحلفهم مع ظهور إسلامهم وانه لم يكن يستحلف فاسقا ويقبل خبره بل لعله ما كان يقبل خبر كثير ممن يستحلفهم مع ظهور إسلامهم وبذلهم له اليمين وكذلك غيره من الصحابة روى عنهم أنهم ردوا أخبارا رويت لهم ورواتها ظاهرهم الإسلام فلم يطعن عليهم في ذلك الفعل ولا خولفوا فيه فدل على أنه مذهب لجميعهم إذ لو كان فيهم من يذهب إلى خلافه [لوجب] ١ بمستقر العادة نقل قوله إلينا. ويدل على ذلك أيضا إجماع الأمة على أنه لا يكفي في حالة الشهود على ما يقتضى الحقوق٢ إظهار الإسلام دون تأمل أحوال الشهود واختبارها. وهذا يوجب اختبار حال المخبر عن الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحال الشهود لجميع الحقوق. بل قد قال كثير من الناس أنه يجب الاستظهار في البحث عن عدالة المخبر بأكثر مما يجب في عدالة الشاهد فثبت بما ذكرناه أن العدالة شيء زائد على ظهور الإسلام يحصل بتتبع الأفعال واختبار الأحوال، والله أعلم. أخبرنا عبيد الله بن أحمد بن على أبو الفضل الصيرفي وحمدان بن سلمان بن حمدان أبو القاسم الطحان قالا أنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس قال ثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قالا ثنا داود بن رشيد قال ثنا الفضل بن زياد قال ثنا شيبان عن الأعمش عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر قال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ من قط. ٢ قط: الحدود. ص - ١٤٤- ... شهد رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بشهادة فقال له لست أعرفك ولا يضرك أن لا أعرفك ائت بمن يعرفك فقال رجل من القوم أنا اعرفه قال فبأي شيء تعرفه قال بالأمانة والعدل١ قال فهو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه قال: لا قال فمعاملك بالدنيار والدرهم الذين بهما يستدل على الورع قال: لا قال فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق قال: لا قال لست تعرفه ثم قال للرجل ائت بمن يعرفك. أخبرنا أبو الفرج الحسين بن على بن عبيد الله الطناجيرى قال ثنا عمر بن أحمد بن عثمان الواعظ قال ثنا أحمد بن محمد بن المغلس قال ثنا أبو همام قال ثنا عيسى بن يونس قال ثنا مصاد بن عقبة البصري قال حدثني جليس لقتادة قال أثنى رجل على رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال له عمر هل صحبته في سفر قط قال: لا قال هل ائتمنته على أمانة قط قال: لا قال هل كانت بينك وبينه مداراة في حق قال: لا قال اسكت فلا أرى لك به علما أظنك والله رأيته في المسجد يخفض رأسه ويرفعه. أخبرنا أبو سعيد الماليني قال أنا عبد الله بن عدى الحافظ قال ثنا محمد بن أحمد بن بخيت قال ثنا أحمد بن محمد وراق يحيى بن معين قال سمعت عفان يقول: قال لي: أبو عاصم النبيل ما رأيت الصالح يكذب في شيء أكثر من الحديث. ص - ١٤٥ - ... باب ذكر لفظ المعدل الذي تحصل به العدالة لمن عدله اختلف أهل العلم في لفظ المعدل الذي تحصل به العدالة لمن عدله فقال بعضهم المقبول في ذلك ان يقول: هو مقبول الشهادة لي وعلى. وقال آخرون يكفي أن يقول: هو عدل رضا. وقال غيرهم يجب أن يقول: هو عدل مقبول. ومنهم من قال يكفيه أن يقول: هو مقبول الشهادة وقال بعض أهل العراق إذا قال: لا اعلم إلا خيرا كان ذلك تعديلا. أخبرنا على بن محمد بن عبد الله المعدل قال أنا عثمان بن أحمد الدقاق قال ثنا الحسن بن سلام السواق قال ثنا عفان بن مسلم [ح وأخبرنا] الحسن بن على بن محمد التميمي قال أنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال ثنا عفان قال ثنا حماد بن سلمة قال أنا هشام بن عروة عن عروة أن عبد الرحمن بن عوف قال أقطعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعمر بن الخطاب أرض كذا وكذا فذهب الزبير إلى آل عمر فاشترى نصيبه منهم فأتى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فقال إن عبد الرحمن بن عوف زعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اقطعه وعمر بن الخطاب ارض كذا وكذا وإني اشتريت نصيب آل عمر فقال عثمان عبد الرحمن جائز الشهادة له وعليه ولفظ الحديث لابن حنبل وهو أتم. أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي قال ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال أنا أبو زرعة الدمشقي قال ثنا أحمد بن خالد قال ثنا محمد بن إسحاق عن مكحول عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس ص - ١٤٦ - ... أن عمر بن الخطاب قال لعبد الرحمن بن عوف أنت عندنا العدل الرضا فماذا سمعت وهذا القول كاف في التزكية لأن الوصف بالعدالة جامع للخلال التي قدمناها في باب صفة العدالة والقول بأنه رضا تأكيد وفيه بيان أنه من العدول الذي١ يرضون للشهادة لأن الرجل قد يكون عدلا سالما من الفسق ولا يرتضى للشهادة لأجل٢ غفلة فيه وضعف وكثرة سهو وقلة علم بما يشهد به وما يجب أن يتحمله وذلك اجمع مانع من قبول شهادته غير قادح في أمانته. أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي قال نا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني الحافظ قال حدثني أبي قال أنا محمد بن يحيى قال ثنا أبو النعمان قال ثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة قال حدثني العدل الرضا الأمين على ما تغيب عليه يحيى بن سعيد. أخبرنا محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان قال أنا أبو بكر الشافعي قال ثنا محمد بن سليمان قال ثنا خلاد بن يحيى قال ثنا مسعر قال ثنا حبيب يعني ابن أبي ثابت أن عمر سأل عن رجل فقال رجل لا نعلم إلا خيرا قال حسبك. وهذا القول مستمر على مذهب من يقول: إن العدالة هي ظاهر الإسلام مع عدم الفسق. فأما القول بأنه مقبول الشهادة لي وعلى فقد ذكر القاضي أبو بكر محمد بن الطيب فيما حدثنيه محمد بن عبيد الله المالكي عنه أنه لا يحتاج إليه لأنه قد يكون عدلا مرضيا وإن لم يجب قبول قوله وشهادته لمزكيه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ هكذا النص في طبعة الدكن. ٢ قط: قال الخطيب.