لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وأخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن. فمن ذلك قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} . وهذا اللفظ وإن كان عاما فالمراد به الخاص وقيل وهو وارد في الصحابة دون غيرهم وقوله: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} وقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} وقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} وقوله تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ قط: للسؤال. ص - ٩٤- ... تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خ َصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ في آيات يكثر إيرادها ويطول تعدادها ووصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة مثل ذلك وأطنب في تعظيمهم وأحسن الثناء عليهم. فمن الأخبار المستفيضة عنه في هذا المعنى ما أخبرنا أبو نعيم الحافظ ثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا شعبة عن منصور والأعمش عن إبراهيم عن عبيدة السلماني عن [عبد الله] ١ بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "خير أمتي قرني [ثم الذين يلونهم] ٢ ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق أيمانهم شهادتهم ويشهدون قبل أن يستشهدوا" . وأخبرنا أبو بكر أحمد بن على بن محمد اليزدى الحافظ بنيسابور أنا أبو عمرو محمد بن أحمد بن حمدان ثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه ثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي بشر عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "خيركم قرني [ثم الذين يلونهم] " ٢ "ثم الذين يلونهم" قال أبو هريرة فلا ادري ذكره مرتين أو ثلاثا "ثم يخلف من بعدهم قوم يحبون السمانة ويشهدون ولا يستشهدون" . أخبرنا الحسن بن أبي بكر ثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم إملاء قال ثنا محمد بن يونس قال ثنا أبو الربيع سليمان بن داود ثنا منصور بن أبي الأسود عن الأعمش عن على بن مدرك عن هلال بن يساف عن عمران ابن حصين، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ من قط. ٢ ليس من قط. ص - ٩٥- ... قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خير الناس قرني [ثم الذين يلونهم] ١ ثم الذين يلونهم ثم يخلف قوم تسبق أيمانهم شهادتهم ثم يظهر فيهم السمن" . أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم٢ مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" . أخبرنا القاضي أبو بكر الحيري أيضا ثنا محمد بن يعقوب الأصم ثنا بكر بن سهل الدمياطى ثنا عمرو بن هاشم البيروتي ثنا سليمان بن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحدكم٣ في تركه فإن لم يكن في كتاب الله فسنة منى ماضية فإن لم تكن سنة منى ما ضية فما قال أصحابي إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيها أخذتم به اهتديتم واختلاف أصحابي لكم رحمة" . أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الخوارزمي أنا على بن محمد بن أحمد الوراق ثنا حمزة بن محمد بن عيسى الكاتب ثنا نعيم بن حماد ثنا عبد الرحيم بن زيد العمى عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "سألت ربي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ من قط. ٢ قط: لو أن أحدكم أنفق. ٣ قط: لأحد. ص - ٩٦ - ... فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي فأوحى الله إلىّ يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء بعضها أضوأ من بعض فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم فهم عندي على هدى ". أخبرنا الحسن بن أحمد بن إبراهيم ثنا أبو بكر الشافعي ثنا محمد بن هشام بن أبي الدميك ثنا إبراهيم بن زياد سبلان قال: قال الشافعي" وحدثنا "أبو عبد الله محمد بن خلف المروزي ثنا الفضل بن الوليد العنزي قالا ثنا إبراهيم بن سعد الزهري عن بشر الحنفي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" إن الله اختارني واختار أصحابي فجعلهم أصهاري وجعلهم أنصاري وأنه سيجيء في آخر الزمان قوم ينتقصونهم ألا فلا تناكحوهم ألا فلا تنكحوا إليهم ألا فلا تصلوا معهم ألا فلا تصلوا عليهم عليهم حلت اللعنة ". والأخبار في هذا المعنى تتسع وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن وجميع ذلك يقتضى طهارة الصحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له فهو على هذه الصفة إلا أن يثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية والخروج من باب التأويل فيحكم بسقوط العدالة١ وقد برأهم الله من ذلك ورفع اقدارهم عنه على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم أفضل [من] ٢ جميع المعدلين والمزكين الذين يجيؤن [من] " ٢" بعدهم ابد الآبدين. هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ قط: عدالته. ٢ من قط. ص - ٩٧- ... وذهبت طائفة من أهل البدع إلى أن حال الصحابة كانت مرضية إلى وقت الحروب التي ظهرت بينهم وسفك بعضهم دماء بعض فصار أهل تلك الحروب ساقطي العدالة ولما اختلطوا بأهل النزاهة وجب البحث عن أمور الرواة منهم وليس في أهل الدين والمتحققين بالعلم من يصرف إليهم خبر ما [لا يحتمل نوعا من التأويل وضربا من الاجتهاد فهم بمثابة المخالفين من الفقهاء المجتهدين في تأويل الأحكام لإشكال الأمر] ١ والتباسه ويجب أن يكونوا على الأصل الذي قدمناه من حال العدالة والرضا إذ لم يثبت ما يزيل ذلك عنهم. أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى الهمذاني ثنا صالح بن أحمد الحافظ قال: سمعت أبا جعفر أحمد بن عبدل٢ يقول: سمعت أحمد بن محمد بن سليمان التستري يقول: سمعت أبا زرعة يقول: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عندنا حق والقرآن حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ من قط ٢ قط: عبيد. ص - ٩٨ - ... باب القول في معنى وصف الصحابي أنه صحابي والطريق إلى معرفة كونه صحابيا أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق أنا إسماعيل بن على الخطبي وأبو على بن الصواف قالا ثنا عبد الله بن حمد حدثني أبي ثنا حجاج قال: قال شعبة وأخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه أنا يعقوب بن سفيان قال: قال أحمد يعني ابن حنبل ثنا حجاج ثنا شعبة قال: كان جندب بن سفيان أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن شئت قلت له صحبة. وفى رواية يعقوب قد كان جندب بن عبد الله العلقي أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن شئت قلت قد صحبه. أخبرنا الحسن بن على التميمي أنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا بكر بن عيسى أبو بشر الراسبي ثنا ثابت أبو زيد القيسي عن عاصم الأحول أنه قال رأى عبد الله بن سرجس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير أنه لم يكن له صحبة. أخبرنا أبو بكر البرقاني أنا أبو حامد أحمد بن محمد بن حسنويه الغوزمي أنا الحسين بن إدريس الأنصاري ثنا أبو داود سليمان بن الأشعث قال: قلت: لأحمد بن حنبل عامر بن مسعود القرشي له صحبة قال: لا أدرى قد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الحسين بن إدريس وسمعت أبا داود يقول: سمعت مصعبا الزبيري يقول: له صحبة يعنى عامر بن مسعود وكان أمير بن الزبير على الحرب بالكوفة وكان عبد الله بن يزيد الخطمي على الصلاة قال وليست للخطمي صحبة كان صغيرا حين مات النبي صلى الله عليه وسلم ص - ٩٩- ... أخبرني الحسين بن أبي الحسن الوارق ثنا عمر بن أحمد الواعظ ثنا محمد بن إبراهيم ثنا محمد بن يزيد عن الحارث عن ابن سعد عن الواقدي محمد بن عمر قال أخبرني طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: كان سعيد بن المسيب يقول: الصحابة لا نعدهم إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين قال ابن عمرو رأيت أهل العلم يقولون كل من رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أدرك الحلم وأسلم١ وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممن صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو ساعة من نهار ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدمهم في الإسلام. أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق البزاز وعلى بن محمد بن بشر السكري قالا أنا عثمان بن أحمد بن عبد الله الدقاق ثنا الحسن بن عبد الوهاب بن أبي العنبر ثنا أبو جعفر محمد بن سليمان المقري٢ البصري قال حدثني عبدوس بن مالك العطار قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وذكر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل بدر فقال ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القرن الذي بعث فيهم كل من صحبه سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه له من الصحبة على قدر ما صحبه وكانت سابقته معه [وسمع منه] ٣ ونظر إليه. أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسن أخو الخلال أنا إسماعيل بن محمد بن أحمد بن حاجب الكشاني ثنا محمد بن يوسف الفربري قال: قال محمد بن إسماعيل البخاري ومن صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ قط: فأسلم. ٢ قط: المنقري. ٣ من قط. ص - ١٠٠- ... حدثني محمد بن عبيد الله المالكي أنه قرأ على القاضي أبي بكر محمد بن الطيب قال: لا خلاف بين أهل اللغة في أن القول صحابي مشتق من الصحبة وانه ليس بمشتق من قدر منها مخصوص بل هو جار على كل من صحب غيره قليلا كان أو كثيرا كما إن القول مكلم ومخاطب وضارب مشتق من المكالمة والمخاطبة والضرب وجار على كل من وقع منه ذلك قليلا كان أو كثيرا وكذلك جميع الأسماء المشتقة من الأفعال وكذلك يقال صحبت فلانا حولا ودهرا وسنة وشهرا ويوما وساعة فيوقع اسم المصاحبة بقليل ما يقع منها وكثيره وذلك يوجب في حكم اللغة إجراء هذا على من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو ساعة من نهار هذا هو الأصل في اشتقاق الاسم ومع ذلك فقد تقرر للأمة عرف في أنهم لا يستعملون هذه التسمية إلا فيمن كثرت صحبته واتصل لقاؤه ولا يجرون ذلك على من لقي المرء ساعة ومشى معه خطى وسمع منه حديثا فوجب لذلك أن لا يجرى هذا الاسم في عرف الاستعمال إلا على من هذه حاله ومع هذا فإن خبر الثقة الأمين عنه مقبول ومعمول به وإن لم تطل صحبته ولا سمع منه إلا حديثا واحدا. ومن الطريق١ إلى معرفة كونه صحابيا تظاهر الأخبار بذلك وقد يحكم بأنه صحابي إذا كان ثقة أمينا مقبول القول إذا قال صحبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكثر لقائي له فيحكم بأنه صحابي في الظاهر لموضع عدالته وقبول خبره وإن لم يقطع بذلك كما يعمل بروايته عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم يقطع بسماعه ولو ردا قوله أنه صحابي لرد خبره عن الرسول صلى الله عليه وسلم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ قط: الطرق.