الْإِمَامُ أَحْمَدُ: "وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ طَاعَةَ اللهِ تَعَالَى، لَمَّا كَانَتْ وَاجِبَةً كَانَتْ طَاعَةُ مَنْ تَمَلَّكَهُمْ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ عِبَادِهِ وَاجِبَةً وَهُمُ الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا وَجَبَتْ طَاعَةُ الرَّسُولِ لِهَذَا الْمَعْنَى وَجَبَتْ طَاعَةُ مَنْ يُمَلِّكُهُ الرَّسُولُ شَيْئًا مِمَّا مَلَّكَهُ اللهُ تَعَالَى، فَبِأَيِّ اسْمٍ دُعِيَ، فَقِيلَ لَهُ خَلِيفَةٌ، أَوْ أَمِيرٌ، أَوْ قَاضٍ، أَوْ مُصَدَّقٌ، أَوْ مَنْ كَانَ، وَأَيُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ كَانَ عَامِلُهُ، أَوْ مَنْ يُمَلِّكُهُ شَيْئًا مِمَّا يَمْلِكُهُ لَقِيَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فِيمَا صَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْأُمَّةِ، مَنْزِلَةَ الَّذِي فَوْقَهُ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى مَنْ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وَلَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ وَهُوَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَهَذِهِ فِيَ حَيَاةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا إِذْ تَوَفَّاهُ اللهُ إِلَى كَرَامَةٍ غَيْرَ نَاصٍّ عَلَى إِمَامَةِ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَجَبَ عَلَى أَهْلِ النَّظَرِ مِنْ أُمَّتِهِ أَنْ يَتَحَرَّوْا إِمَامًا يَقُومُ فِيهِمْ مَقَامَهُ، وَيُمْضِي فِيهِمْ أَحْكَامَهُ؛ لِأَنَّ مَنْزِلَتَهُمْ جَمِيعًا إِذَا مَاتَ عَنْ غَيْرِ خَلِيفَةٍ لَهُ فِيهِمْ كَمَنْزِلَةِ مَنْ نَابَ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ سُنَّتُهُ فِي أَهْلِ الْبِلَادِ الْقَاصِيَةِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ أَنْ يُؤَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، أَوْ يُنْفِذَ إِلَيْهِمْ قَاضِيًا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، لَا عَنْ أَحَدٍ اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهِمْ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَيُنَفِّذَ أَحْكَامَهُ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ أَوَّلَ السَّطْرِ، وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي وُجُوبِ نَصْبِ الْإِمَامِ شَرْعًا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى نَصْبِ الْإِمَامِ"